الاتحاد

تقارير

درس من بنجلاديش··· لا مستحيل أمام التغيير

مؤسسات المجتمع المدني···  دور كبير في مواجهة الأزمات البنغالية

مؤسسات المجتمع المدني··· دور كبير في مواجهة الأزمات البنغالية

تكاد نسبة تصل إلى 40 في المئة من إجمالي مواطني بنجلاديش، تعيش إما في حد الفقر أو تحته· ومن هنا تنشأ مصاعب عملية أمام كل من يحاول تقديم المساعدة الإنسانية المباشرة بتوفير المتطلبات الغذائية والمعيشية لنحو 150 مليون نسمة من السكان الفقراء· وبالنظر إلى سوء مستوى الفقر والتلوث وتدهور البيئة المحيطة، وانتشار القمامة والأوساخ، وتفشي ممارسات الفساد، فإنه يسهل على المرء أن تسيطر عليه مشاعر اليأس إزاء وضع يبدو ألا أمل في تغييره مطلقاً· بل ربما يصعب التفكير في أين يمكن أن تكون البداية أصلاً؟ وإذا ما أضيفت المشكلات الحدودية الأخرى، مثل الإرهاب والتهريب ونهب الموارد الطبيعية وغيرها، فمن المرجح أن يسود اليأس من أي احتمال للتغيير· وعلى رغم هذه الصورة القاتمة، فإن ما يحدث في بنجلاديش عملياً اليوم، إنما يقدم درساً مفيداً للغاية عن كيفية إحداث التغيير، في ظروف يبدو فيها التغيير أبعد الاحتمالات الممكنة·
فهناك تزداد مشروعات العون الإنساني التي تنفذها المنظمات والوكالات الدولية والوطنية، الحكومية منها وغير الحكومية على حد سواء، كما يستمر تدفق التبرعات من قبل المستثمرين والمانحين الأجانب في الاقتصاد الوطني· وحين ينظر المرء إلى السنوات السبع والثلاثين الماضية من تاريخ بنجلاديش، ويقارن الأوضاع الحالية بما كانت عليه خلال العقود الثلاثة الماضية، فإنه لا شك يستنتج أن تقدماً كبيراً قد أحرز نحو الأفضل على رغم البطء· فقد كانت منطقتا ''ساتكيرا'' و''خولانا'' تشهدان فيضانات سنوية عنيفة مدمرة· وتعود هذه الفيضانات إلى تداخل عدة عوامل، من بينها مضي قرون على سوء إدارة الأنهار، ومصارف الأمطار الموسمية، وانخفاض المسطحات البرية التي تمر عبرها الفيضانات· وهناك عدة مشروعات، من بينها مشروع Coastal Embarkment الذي بدأت حكومة بنجلاديش العمل فيه منذ عقد ستينيات القرن الماضي، بهدف استصلاح المزيد من الأراضي الزراعية، وحماية المناطق الجنوبية من البلاد من خطر الفيضانات السنوية، انتهى بها الحال إلى تجفيف الأنهار أو طمرها بالتراب أو تغيير مسارها· ولكن توافرت في المقابل كميات كبيرة من الطمي تزداد الحاجة إليها لاستصلاح الأراضي الشاطئية واللينة القابلة للزراعة· وبمضي السنين تراكم الطمي، مؤدياً إلى ارتفاع ضفاف الأنهار وانخفاض مستوى الأراضي القريبة منها· واليوم تشهد هذه المناطق المنخفضة فيضانات سنوية مدمرة، ما أن يرتفع مستوى الماء فوق ضفتي النهر، ربما تستمر في كثير من الأحيان لبضعة أشهر·
وقد أُتيحت لي مؤخراً زيارة إحدى هذه الأراضي المنخفضة في منطقة ساتكيرا· فهناك يواجه نحو 400 ألف من السكان خطر استمرار موسم الفيضانات لمدة سبعة أشهر متصلة· وبالنتيجة تحرم أشد شرائح المجتمع البنجالي فقراً، من الحصول على المياه النظيفة الصالحة للشرب والاستخدام، إلى جانب مشكلات الصحة البيئية، وإغلاق المدارس، وعدم توافر البيوت الملائمة، والحرمان من النشاط الزراعي، بسبب عدم وفرة الأراضي الصالحة للزراعة· وأثناء تجوالي في تلك المنطقة، رأيت مئات البيوت التي جرفتها الفيضانات، وحقول الأرز التي طمرتها المياه وحولتها إلى برك صغيرة ملوثة· كما رأيت مئات العائلات تقيم في ساحات المدارس وميادينها الخارجية، بينما دمرت مساجد المسلمين ومعابد الهندوس· وعلى رغم ذلك، فليس من بديل لأمل التغيير، لكونه يمثل مفتاح الحل الذي لا غنى عنه·
ففي وجه كل هذه التحديات الحافزة لليأس، تنشط المنظمات الطوعية غير الحكومية والمنظمات المجتمعية المحلية، وتتعاون معاً على إيجاد السبل الكفيلة بمساعدة البلدات والقرى والمواطنين في توفير ظروف أفضل للحياة والاستقرار· وتوحد هذه المنظمات جهودها في جمع التبرعات والأموال، وإيجاد الأراضي الملائمة لسكن المواطنين، بينما تتعاون المنظمات نفسها مع الهيئات والجهات الحكومية، بغية إيجاد حل لمشكلة الفيضانات السنوية· ومما رأيته من هذه الجهود التي كان لي دور المشاركة فيها، عدت من زيارتي تلك إلى بنجلاديش، وأنا على أشد القناعة والأمل بأن التغيير نحو الأفضل قد بدأ بالفعل هناك· وليس من دليل أقوى على هزيمة الشك واليأس، من التحسن الواضح الذي بدأ يطرأ على حياة الكثير من المواطنين، وبدء التغلب العملي على مشكلة الفيضانات وإدارة المياه والأنهار على نحو يقلل من مخاطر الفيضانات· فقد أصبح نظام إدارة المد النهري الوطني الذي طورته الجهود المبذولة هناك -وهو من ابتكار السكان المحليين قبل غيرهم- مفهوماً نموذجياً تعمل على أساسه كافة المنظمات الطوعية غير الحكومية العاملة في بنجلاديش، سواء أكانت وطنية أم عالمية· وبذلك فقد بدأت تثمر الجهود المحلية المدعومة عالمياً في تغيير بيئة الفقر والتقليل من خطر الفيضانات· وفوق ذلك بدأت هذه الجهود تدل دلالة واضحة على إحراز تقدم في قضايا العدالة الاجتماعية والحد من المشكلات البيئية المرتبطة بها· وإن كان ثمة درس مهم يمكن لدول العالم وشعوبه الأخرى أن تتعلمه من بنجلاديش، فهو أنه ليس ثمة مستحيــــل، وأن في الإمكـــان التغلـــب على كافة التحديات مهما كانت صعوبتها·

كيث لين
متخصص في التثقيف البيئي والإدارة غير الربحية
ينشر بترتيب خاص مع خدمة كريستيان ساينس مونيتور

اقرأ أيضا