الاتحاد

أخطر الوسائل الإعلامية (1)

يعتبر التلفزيون من أخطر الوسائل الإعلامية، لأن تأثيره يفوق تأثير الوسائل الإعلامية الأخرى، حتى لقب 'بالوالد الثالث' الذي يحتل مرتبة مهمة في الأسرة، تلي مرتبة الأب والأم، وهو ليس ضيفاً دائماً على الأسرة فحسب بل هو مشارك في مسؤولية إعداد وتربية الأطفال·
لأن العقل الإنساني يبدأ طريق المعرفة بالدهشة، فإن دهشة الأطفال بهذه الوسيلة الجذابة 'التلفزيون' لا تنتهي، ومع استمرار الدهشة يتقدم عقل الطفل إلى مراحل التقليد والتعلم إلى أن نجد الطفل في النهاية وقد تشكلت شخصيته وثقافته، والتلفزيون هو العامل الرئيسي المنافس لدور الأهل والمدرسة في هذا المجال·
ينتشر في المجتمعات العربية التعامل مع التلفزيون (بما في ذلك شرائط الفيديو وأجهزة الألعاب الالكترونية) كجليس للأطفال على اعتبار أن التلفزيون يقدم تسلية 'لا ضرر منها' للأطفال الذين ما زال 'عقلهم صغيرا'، ووقتهم طويلاً ولا يجدون ما ينشغلون به دون التسبب في مشكلات، على أية حال فقد ذاع هذا السلوك لانشغال الوالدين عن أبنائهم بأمور الحياة اليومية من العمل والتواصل الاجتماعي وأصبح دورهم الراعي وليس المربي وقد يريح هذا الحل الأهل من 'متاعب' أطفالهم، ولكن الثمن يكون كبيراً، ويصبح الثمن فادحاً عند تعرض الأطفال الصغار لبرامج تلفزيونية غير مناسبة للأطفال على الاطلاق، وفي أحيان غير مناسبة حتى للكبار، حيث يصبح التلفزيون أحياناً محور اجتماع الأسرة بكاملها، يجلسون أمامه كالأصنام أو ما يشابه، لساعات طويلة·
لا خلاف في أن مشاهدة الأطفال - خاصة هؤلاء الأكبر من سنتين - لبعض برامج التلفزيون المعدة على أساس تربوي سليم، ولفترات محدودة، لا تزيد عن ساعة أو اثنتين على الأكثر في اليوم، تنطوي على فائدة للأطفال الصغار، وللنمو السليم للمخ؛ ولكن الممارسة الفعلية لمشاهدة التلفزيون تتعدى هذه الحدود الآمنة كثيراً·
ولقد أدى إحساس الوالدين بالذنب في تقصيرهم في مجالسة أبنائهم إلى تلبية كل طلبات الأولاد من ألعاب وتسلية والسماح لهم بمشاهدة القنوات التلفزيونية دون رقابة· إلا أن الدلائل تتكاثر الآن على مضار مشاهدة الأطفال الصغار للتلفزيون خاصة لفترات طويلة وبصورة غير انتقائية·
في المقام الأول، إن مشاهدة التلفزيون لأوقات طويلة تحرم صغار الأطفال من النشاطات الطبيعية اللازمة للنمو السوي للمخ وبزوغ المواهب وعلى رأسها التفاعل اللصيق والمحب مع الأبوين، وغيرهما من القائمين على رعايتهم، ومع أقرانهم· وهنا يبرز إضافة برامج التلفزيون السطحية، وسيئة الاعداد، في البلدان العربية التي تزيد الطين بلة، فلا يقف الأمر عند مجرد الحرمان من النشاطات الطبيعية اللازمة للنمو السوي واستنبات المواهب، ولكنه يصل إلى التعرض لمؤثرات قد تكون بالغة السوء على النمو العقلي والوجداني للأطفال·
ثانياً: إن الاستثارة الزائدة للمخ الصغير في بعض برامج التلفزيون، خاصة المستوردة، مثل الرسوم المتحركة ومواد الفيديو الخاطفة، السريعة الايقاع والصاخبة، ترهق خلايا المخ وتعيق النمو السوي للمتشابكات بينها، والأهم أن مثل هذه البرامج تعيق استفادة المخ من المؤثرات ذات الايقاع العادي في باقي نشاطات الحياة في نطاق الأسرة والمدرسة وغيرهما من المؤسسات المجتمعية (حيث يكون المخ قد اعتاد على ايقاع سريع وصاخب، فلا تحظى المؤثرات العادية الايقاع بمستوى التركيز أو الاهتمام ذاته الذي تفرضه متابعة نوعية البرامج المشار إليها)·
كما تشير الدراسات إلى أن الافراط في مشاهدة التلفزيون يؤدي إلى قصر زمن الانتباه لدى الاطفال، ويقلل من قدرتهم على التعليم الذاتي، فأكثرية برامج التلفزيون، بما في ذلك تلك المسلية للأطفال كالرسوم المتحركة، ليست تعليمية بالمعنى الواسع (أي لا تنمي قدرات التعليم الذاتي لدى الأطفال)، وحتى بالنسبة للبرامج ذات الصفة التعليمية، فإن غالبيتها تقدم كل الحلول جاهزة أي تتصف بما يسمى التعليم السلبي· ويعيق الافراط في المشاهدة، من ثم، التحصيل التعليمي، ويضعف من بناء القدرات المعرفية والمهارات·
ثالثاً: يرتبط الافراط في مشاهدة التلفزيون، خاصة إلى حد تناول الطعام أثناء المشاهدة، ببدانة الأطفال، وهي سمة غير مرغوبة صحياً بوجه عام· وتتفاقم هذه المشكلة بسبب إقبال الأطفال أثناء مشاهدة التلفزيون على انواع الطعام والشراب المصنعة غير الصحية (ما يسمى أطعمة النفايات)؛ نظراً لاحتوائها على كثير من الدهون ومحلات الطعام والسكر المكرر، ويلاحظ أنه يعلن عن هذه الأطعمة والأشربة كثيراً من خلال التلفزيون؛ فتنشأ بذلك حلقة شريرة بين الافراط في المشاهدة والافراط في تناول صنوف الطعام والشراب هذه· ويرتبط التعود على أنواع الطعام والشراب هذه مع الافراط في مشاهدة التلفزيون بقلة الحركة بسبب الجلوس او الاسترخاء امام الجهاز السحري - المضر·
رابعاً: يمكن أن يتحول الافراط في مشاهدة التلفزيون في سني العمر الأولى إلى نوع من الادمان الذي يصعب الاقلاع عنه في مراحل العمر التي يستطيع فيها الاقبال على أنشطة حيوية تساعد على نمو الطفل معرفياً ووجدانياً، مثل الدراسة والنشاطات الاجتماعية أن تتنافس مع التلفزيون ··· (وللحديث بقية)·
أ· هدى سالم

اقرأ أيضا