الاتحاد

دنيا

زغاريد جنازة «أبو عصام»

يرسل لي بعض الكتّاب الشباب رسائل تضجّ بالشكوى من الأسلوب الجاف والصارم والمزاجي في التعاطي مع كتاباتهم في المطبخ الصحفي. ومؤخراً طلب أحدهم رأيي في توقفه عن الكتابة لأن المجلة تقطّع كتاباته، وتحذف منها، وتغيّر العناوين، ولا يبقى من أصل المقال سوى اسم كاتبه وحروف الجر والعطف وبعض علامات الترقيم.
وبصراحة أنا لا أملك لهم إلا شيئين: مناديل ورقية تمسح دموعهم، وحكاية «أبو عصام» التي أضعها حلقة في أذني، وأرجو أن يضعها كل الكتّاب الشباب والمخضرمين والمحترفين والنابغين والعظماء حلقات في آذانهم، لأننا جميعاً يمكن أن نواجه مصير «أبو عصام».
الحكاية أنه قبل البدء في تصوير الجزء الثالث من المسلسل الشامي الشهير «باب الحارة»، حدث خلاف بين مخرج العمل وبين النجم الكبير عباس النوري الذي لعب شخصية «أبو عصام» في الجزئين الأول والثاني من المسلسل.
ترك عباس النوري الاجتماع غاضباً وركب سيارته بثقة ووضع هاتفه المتحرك بالقرب من لوحة القيادة ليستمتع وهو يرى وميض هاتفه من الاتصالات التي ستنهال عليه من المخرج والمنتج وبقية الأبطال يعتذورن ويرجونه إكمال المشوار معهم، فلا غنى عنه وهو الفنان الكبير الذي يلعب أهم أدوار المسلسل الناجح.
بينما المخرج في هذا الوقت كان يشعل سيجارة الرعب وهو يتخيّل فشل المسلسل، ثم قبل أن ينتهي منها ابتسم ابتسامة عريضة لأنه وجد الحل: سيموت المدعو «أبو عصام»، وسيكون أول مشهد في الجزء الثالث جنازته التي ستجعل المخرج وبقية طاقم العمل يزغردون خلف الكاميرا احتفالاً بالتلّخص من عباس النوري و.. البقاء لله. وهو ما حصل فعلاً، تغيّرت القصة وأزيح «أبو عصام» واستمر المسلسل ثلاثة أجزاء أخرى.
ولنتخيّل أن بقية الممثلين تضامنوا مع زميلهم وقرروا الانسحاب من الجزء الثالث، ثم اتصل المخرج والمنتج بكل الممثلين في سوريا فلم يستجب لهما أحد، ثم اتصلا بكل فناني الوطن العربي فلم يرد على اتصالاتهما حتى الفنان القدير حسن حسني الذي يُقال إنه لا يتقاضى أجراً من الأفلام الكثيرة التي يُمثل فيها هذه الأيام مع الأبطال الشباب، وإنما يكتفي بوجبات الطعام التي تقدم أثناء التصوير.
ماذا سيكون موقف المخرج لو حصل هذا السيناريو الخيالي، أعتقد أن موقفه سيكون ممتازاً ما دام هناك أشخاص يسيرون في الشوارع، سيحمل بيده مكبّر صوت وسيدعوهم إلى الحضور إلى الاستديوهات، وهناك سيبدأ التصوير من دون أي ممثل معروف أو غير معروف، وسيطلب منهم الجري هنا وهناك، ثم القفز، ثم المشي، ثم الجري وهم يصرخون ويولولون، وستكون الحلقة الأولى من المسلسل عن حريق ضخم حدث في باب الحارة، وفي الحلقة الثانية الناس وهم يطفئون الحريق، والحلقة الثالثة وهم يتعاونون لإعادة بناء الحارة، وهكذا حتى الحلقة الثلاثين.
والمعنى أن الصحف والمجلات ستصدر في مواعيدها ولو «زعل» كل الكتّاب الرائعين وغير الرائعين واضربوا عن الكتابة، فما أسهل اختيار واحد من قائمة الانتظار الطويلة لمن يبحثون عن فرصة أو نافذة يطلّون من خلالها على القرّاء. وإذا لم يجدوا أي شخص مستعد للكتابة، فهذا يوم السعد والإعلانات، صفحة إعلانات إضافية ولا يلومنّ أحد إلا نفسه.


أحمد أميري
me@ahmedamiri.ae

اقرأ أيضا