الاتحاد

تقارير

غضبة أردوجان: المكاسب والخسائر التركية

غضبة أردوجان: المكاسب والخسائر التركية

غضبة أردوجان: المكاسب والخسائر التركية

عادت غضبة رئيس الوزراء التركي، طيب رجب أردوجان، ورده العنيف على الرئيس الإسرائيلي شيمون بيريز، خلال اجتماعات قمة دافوس الأخيرة، بسبب العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، عادت عليه تلك الغضبة بشعبية غير مسبوقة في العالم العربي كله· وربما ساعدت نبرة أردوجان الغاضبة تلك، بلاده على استعادة وتعزيز صلاتها مع منطقة الشرق الأوسط، بعد مضي عقود عديدة من الجفاء والبعد· إلا أنها ربما تكون قد وضعت حداً لتطلعات أنقرة لأن تكون طرفاً وسيطاً فاعلاً في حل نزاعات المنطقة، خاصة النزاع العربي -الإسرائيلي·
ذلك ما أكده الكاتب الصحفي سميح إيديز، المتخصص في الشؤون الخارجية بصحيفة ''ميليت'' التركية، بقوله: ربما يتكبد أردوجان بأفعاله تلك في قمة دافوس، خسارة كبيرة لجهود بدأت تثمر للتو، غير أنها لم تكتمل بعد: بروز دور الوساطة التركية في منطقة الشرق الأوسط· فالمشكلة أن أردوجان عبر عن انحياز صريح للغاية للطرف الفلسطيني في النزاع، وذلك ما يثير مصاعب كبيرة أمام استعادة أنقرة لدور الوسيط المحايد بين طرفي النزاع·
فبالأمس زار محمود عباس أبومازن، رئيس السلطة الفلسطينية، أنقرة وفقاً لما نشرته الصحف التركية· وفي الوقت نفسه بدأ الرئيس التركي عبدالله جول زيارة للملكة العربية السعودية، مدتها ثلاثة أيام اعتباراً من يوم الخميس الماضي· ومن بين القضايا التي يتضمنها جدول أعمال الزيارة هذه، الحرب الإسرائيلية الأخيرة على قطاع غزة، وهي الحرب التي كانت تعليقات أردوجان عنها في قمة دافوس الأخيرة، أشد غضباً مما أبداه معظم القادة العرب· ففي تلك التعليقــــات اتهم أردوجـــان إسرائيل بارتكـــاب جرائم ضد الإنسانية· بل دعا إلى تعليق عضوية إسرائيل في الأمم المتحدة، بسبب تجاهلها لقرار صادر عن مجلس الأمن الدولي بوقف حربها الأخيرة على غزة·
وفي لقاء دافوس نفسه، والذي كان حاضراً فيه بان كي مون الأمين العام للأمم المتحدة وعمرو موسى أمين عام جامعة الدول العربية، تحدث أردوجان بغضب، عن دفاع شيمون بيريز عن الممارسات الإسرائيلية في قطاع غزة·
وجاء في عبارات أردوجان: ''فأنتم تجيدون القتل حين يأتي وقت القتل· وأنا أعلم جيداً كيف تقتلون الأطفال في الشواطئ، وكيف تطلقون عليهم الرصاص''· ولم تكن العبارات وحدها، بل عززها أردوجان بحركة غاضبة منفعلة من إصبعه· وشملت غضبته اتهام إسرائيل بمخالفة الوصية السادسة من بين الوصايا العشر: إن عليكم ألا تقتلوا· وكما سبق القول، فقد عادت عليه تلك الغضبة بالكثير من الثناء في بلاده، وعلى امتداد العالم العربي كله، لدرجة أن نُظم موكب شعبي في قطاع غزة في اليوم التالي مباشرة، رفُع فيه العلَمان الفلسطيني والتركي· وفي تلك الفرحة الغامرة التي عمت العالم العربي، الذي كانت بلدانه امتداداً للإمبراطورية العثمانية السابقة، ما يؤكد أن الجهود التي بذلتها أنقرة مؤخراً لاستعادة علاقاتها مع المنطقة، قد بدأت تؤتي أكلها، بعد فترة طويلة من الانقطاع والجفاء· لكن في المقابل، أضرت تلك الغضبة ضرراً بالغاً بصورة تركيا باعتبارها وسيطاً محايداً في حل النزاع الإسرائيلي -الفلسطيني· بل حذر بعض المحللين من ألا تكون عبارات أرودجان تلك، تمثل انعكاساً لرأي قادة المنطقة· من هؤلاء هنري باركي، المختص في الشؤون التركية بجامعة ''ليهاي'' بولاية بنسلفانيا، والذي قال: ''عند النظر إلى الشارع العربي، فمن المؤكد أن شعبية أردوجان حققت صعوداً كبيراً·
غير أن دور الوساطة الفاعلة التي يتطلع إليها في المنطقة، لن يكون له أثر يذكر إلا في سوريا وحدها· ومضى تحذير المحللين والمراقبين من أن تتكبد أنقرة خسارة فادحة نتيجة تصرف رئيس وزرائها في دافوس، خاصة فيما يتصل بجهودها الرامية إلى إعادة إسرائيل وسوريا إلى طاولة الحوار السلمي لحل خلافاتهما''·
واعتماداً على حسن علاقاتها مع كلتا الدولتين المتنازعتين، كانت أنقرة قد نجحت في إجراء سلسلة من المفاوضات غير المباشرة بينهما، على أمل أن تفضي إلى محادثات مباشرة في نهاية الأمر· غير أنه ليس مرجحاً لهذه المفاوضات أن تستمر في ظل الحكومة الإسرائيلية الجديدة، والتي يتوقع تشكيلها عقب انتخابات العاشر من فبراير الجاري· والسبب هو الخلاف الذي سينشب بين طرفي المحادثات، على حد قول ''ألون لايل''، وهو دبلوماسي إسرائيلي سابق في تركيا ورئيس جمعية السلام الإسرائيلية التركية الناشطة في مجال استئناف الحوار السلمي بين إسرائيل ودمشق·
واستطرد لايل في القول: من الجانب التركي، لم تنهر تلك المحادثات غير المباشرة فحسب، بل أصبحنا في مواجهة وضع، تساورني فيه الكثير من الشكوك في أن تنظر الحكومة الإسرائيلية الجديدة المرتقبة إلى تركيا باعتبارها وسيطاً محايداً يعول عليه في دور الوساطة بين إسرائيل وجيرانها العرب، سواء أكانوا فلسطينيين أم إسرائيليين· ثم يخلص لايل إلى الاستنتاج: فقد أصبنا إصابة بالغة الضرر والخسارة في الجانب التركي -الإسرائيلي من مثلث الحوار السلمي·
لكن الجديد في الأمر، هو بروز دور أميركي غير مسبوق في الجهود هذه· لذلك فالكل يتطلع الآن إلى الإشارات المرتقبة من إدارة أوباما·
ورغم تبرير أردوجان لغضبته تلك، بالقول إن حرب غزة قطعت الطريق أمام بدء المفاوضات المباشرة بين إسرائيل وسوريا -بفضل جهود الوساطة التركية- فإن من رأي المحللين والمراقبين، أن الطريق قد أغلق في وجه المحادثات المباشرة بين الطرفين، منذ وقت سابق بكثير للحرب الإسرائيلية الأخيرة على قطاع غزة· لذلك فالأمل الآن في إشارات واشنطن المرتقبة·

يجال شيلفر -اسطنبول
ينشر بترتيب خاص مع خدمة كريستيان ساينس مونيتور

اقرأ أيضا