الاتحاد

دنيا

ألوان الكآبة


لست أنا من صنع كل هذا الألم، ولست مسؤولة عما حدث في حياتي، لقد اضطرتني ظروفي القاسية التي مررت بها كي أبدو بهذا المنظر الكئيب، فقد رحلت الابتسامة عن وجهي، وفارق الفرح قلبي، وصرت على هذا الشكل الذي لا يحبه الاخرون· هم لا ينصفونني أبداً، حتى ان البعض منهم صار يطلق علي اسم 'وجه النحس' فهل يعلمون مقدار الألم الذي تجرعته؟ بالطبع لا··· فلا أحد يمكنه ان يتصور الحقيقة كما حدثت تماماً·
بدأت مأساتي عندما توفيت والدتي عند ولادتي، فلم أجد الصدر الذي يمنحني الغذاء والحنان· احتار والدي بي ثم قرر ان يوكلني إلى والدته ـ جدتي ـ التي حاولت جهدها ان تعوضني عن حنان الأم· بعد سنة من ولادتي توفي والدي، فصارت جدتي تتحمل مسؤوليتي كاملة، فهي الأب وهي الأم بالنسبة لي بعد ان أصبحت يتيمة الأبوين·
ثم رحلت جدتي عندما بلغت السادسة من عمري، فكانت تلك الفاجعة قوية لدرجة انني وانا في هذا العمر المبكر تألمت ألماً لا يزال محفوراً بصدري على مر السنين· أوكلت مهمة العناية بي إلى عمتي، وكانت امرأة قاسية، صلبة، قلبها لا يعرف الرحمة·
ما كان يعزيني ويخفف عني هو انها كانت عادلة جداً في ظلمها، فهي لم تفرق بيني وبين أولادها في درجة القسوة، فقد كنا نتشارك جميعاً بتلك المعاناة المؤلمة التي تسببها لنا عمتي بعقوباتها المستمرة لأي سبب مهما كان بسيطاً وتافهاً·
على الرغم من كل تلك الظروف الصعبة التي مررت بها، إلا انني كنت متفوقة في دراستي، ولكن علامات الحزن والكآبة لم تكن تفارقني طوال الوقت، وبقيت الصفة المميزة التي ينعتني بها الجميع·
كبرت وكبرت معي تلك الكآبة التي شملت ألوان ثيابي وطريقة تفكيري· فقد كانت ألواني المفضلة هي الأسود والكحلي ومشتقاتهما، وجهي كئيب لا يعرف الابتسامة، حديثي كله يبعث على الكآبة· فأنا اجيد التحدث عن الموت وما ينتظر الانسان من عذاب في الآخرة وأهوال يوم القيامة وعذاب القبر ولا أعرف شيئاً عن نعيم الجنة ومسراتها·
الكل بدأ بالنفور مني، فلا صديقات لدي، ولا أحد يريد مجالستي·
رحلة العمل
بعد تخرجي من الجامعة تم توظيفي، كنت حريصة على اختيار مكان لا يتم فيه الاختلاط مع الناس· سترت وجهي بالنقاب، وعشت وانا منغلقة على نفسي اغرقها بين أكوام الملفات في قسم الأرشيف لبرمجة ما تحويه تلك الملفات ونقلها إلى عالم التقنية الحديثة· لم أحاول ان امد جسور التعارف حتى مع زميلاتي في العمل وبقيت علاقتي بهن سطحية لا تتعدى التحية فقط·
جميع ابناء وبنات عمتي تزوجوا وتركوا المنزل ثم رحل زوج عمتي أيضاً، فبقينا انا وهي وحدنا·
بالطبع، فإن عمتي لم تعد جبارة وقاسية كما كانت بعد ان هدها المرض وبعد ان فارقت شريك حياتها وخلا منزلها من الأولاد والبنات، أحست أن مملكتها خاوية ولم يعد لديها من تظلمه، وقد خشيت على نفسها من العيش وحيدة ان هي عاملتني بقسوة، لانني اصبحت موظفة وأستطيع ان أتدبر أمري لأعيش لوحدي في بيت مستقل، لذلك فإنها صارت تعاملني بلطف وتحاول ان تكسب رضاي، خصوصاً وانني كنت أغدق عليها المال بسخاء· وعلى الرغم من وجودي السلبي، لأنني لم أكن أتحدث معها أو ابتسم لها أو أجالسها، وانما اكتفي بالجلوس في غرفتي طوال الوقت اقرأ رواياتي الكئيبة المفضلة، على الرغم من كل ذلك، إلا انها بقيت متمسكة بوجودي معها لأنها تخاف الوحدة وتخشى على نفسها منها·
مفاجأة غير متوقعة
بشكل غير متوقع طلبتني مسؤولة القسم الذي أعمل فيه، خشيت ان يكون ذلك بسبب تقصير ربما صدر مني بغير قصد، فجلست وانا مرتبكة أمامها بشكل ملحوظ· حاولت هي من جانبها ان تكون لطيفة معي لتبدد ارتباكي، طمأنتني إلى انني لم اخطئ في عملي وانها ستتحدث معي بشكل خصوصي خارج نطاق العمل· ازداد ارتباكي لأنني لا أحب ان يسألني احد عن خصوصياتي· لم تعطني فرصة للمزيد من الحيرة، وصارت تتحدث معي حديثاً غريباً لم أدرك مغزاه· انها تتحدث عن عائلتها، لا أدري لم اختارتني انا بالذات لهذا الحديث! ألم تدرك انني لا أستمتع بالخوض في هذه الأمور؟ بقيت ساكتة منصتة لبقية حديثها رغماً عني· صارت تتحدث عن أخيها الذي كان متزوجاً من امرأة سيئة الطباع، فتحملها ست سنين على مضض لأنها انجبت له أربعة اطفال لا ذنب لهم، ولكنها تمادت معه كثيراً، فاضطر لتطليقها، وقد اعطاها حق حضانة الأطفال·
نظرت إليها باستغراب شديد، ثم تجرأت فسألتها: وما دخلي انا في هذه الحكاية؟ قالت: لقد أوكل لي أخي مهمة البحث عن زوجة صالحة، فاخترتك انت لما لمسته فيك من هدوء وسكينة وعدم تدخل في شؤون الآخرين·
كانت المفاجأة كبيرة وغير متوقعة بالنسبة لي، فبقيت مرتبكة وغير قادرة على الرد، قالت: فكري ثم ردي علي بسرعة ولا تتأخري كثيراً في التفكير لان أخي انسان رائع لا يمكن رفضه أبداً·
خرجت من عندها وانا في غاية الارتباك وغير مصدقة لما سمعت، فلم يحدث ان فتح أحد معي موضوع الزواج، ولم يتقدم احد لخطبتي على الرغم من وصولي إلى سن الثلاثين· بصراحة كنت يائسة من تحقيق هذا الحلم العزيز، لماذا اختارتني انا بالذات؟ لا شيء فيّ مميز أبداً، شكلي متواضع، والكآبة تزيد الطين بلة في مظهري كله، وهي بالذات كانت تقول عني إنني معقدة كما كان يفعل الآخرون، فكيف إذن تختارني زوجة لأخيها؟ انه أمر عجيب·
اتخاذ القرار
مرت أيام وانا أفكر بهذا الأمر، وبعد ان تأكدت من انه أمر حقيقي، وليس حلماً أو خيالاً، عندها قررت عدم تفويت الفرصة، فلم يبق في العمر بقية لمزيد من الانتظار، ومهما يكن السبب الذي دفع رئيستي في العمل لاختياري زوجة لأخيها، فإنني قررت ان أقبل بهذه الفرصة النادرة التي منحها الله لي، خصوصاً بعد ان عرفت معلومات طيبة عن هذا الإنسان ووضعه الاجتماعي والوظيفي·
اتخذت قراري ولكنني خجلت من الذهاب إليها لأخبرها بموافقتي، وانتظرت ان تسألني مرة اخرى·
مرت أيام كأنها شهور طويلة، ولم أرها، ولم تطلبني، حتى اني اعتقدت بأنها ربما غيرت رأيها، وان الأمر كله ربما كان زلة لسان فقط· أخيراً، جاءت تسأل عني، كانت تبتسم بثقة، بادرتني قائلة: أعطيتك مهلة كافية للتفكير، وجئت أستلم ردك الآن·
قلت لها بصوت يخنقه الخجل: أنا موافقة·
تمت الخطبة بسرعة وتم عقد القران، وبدأنا الاستعدادات اللازمة للعرس، ماذا أقول؟ انها أول مرة في حياتي أشعر بمثل هذه السعادة· لقد انهمرت علي المشاعر الحلوة كشلال قوي غيرني من اعماقي· خلعت وجه الكآبة، وهجرت ألوانها، صرت أكحل عيوني بشعاع الفرح وأنثر على وجهي ألوان الورود·
فوجئ الجميع بعد ان تحول شكلي، صرخوا مستغربين: هل هذا معقول؟ أهذه انت؟ أين كنت تخفين كل هذا الجمال؟
تزوجنا وسافرنا لأداء العمرة وتوجهنا إلى مدينة أبها الرائعة لقضاء أيام العسل، وقد كانت فعلاً أياماً جميلة كلها عسل صاف· لم اتصور أبداً بأنني سأتذوقه في يوم من الأيام لأنني كنت مقتنعة بأنني من التعساء الذين لا يستحقون السعادة في هذه الدنيا·
اكتشفت بأن زوجي انسان رائع، حنون وطيب· أحببته وكأنني كنت اعرفه منذ سنين، لا تسعني هذه السطور البسيطة لوصف جمال الإحساس الذي غمرني في تلك الفترة· انه شيء غير اعتيادي اطلاقاً، حتى اني صرت اتساءل مع نفسي: هل انا في حلم أم في خيال؟ أم ماذا؟ هل حقاً يوجد في الدنيا مثل هذه السعادة والفرح؟ أين كنت قبل اليوم؟
الخوف من المجهول
انتهت أيام العسل وعدنا الى بيت الزوجية الرائع وصرنا نستقبل المهنئين حتى امتلأ البيت بالهدايا والزهور· الكل كان يقول لي إنني صرت أحلى وأحلى وكأنني لست تلك الانسانة نفسها·
احساس بالخوف بقي يلازمني· حاولت ان أطرده ولكنه ظل يلاحقني، فتلك الفواجع التي مررت بها في حياتي لم تغادرني، فصرت قلقة على أيامي الجميلة وسعادتي·
بعد شهر واحد من عودتنا، اقترح إخوة زوجي قضاء عطلة نهاية الأسبوع في شاليهات مستأجرة قرب البحر ليتاح للجميع السباحة واللعب والتمتع·
ذهبنا جميعاً، وقد كنت سعيدة بشكل لا يوصف وانا أتحدث مع الجميع بعد ان تبدد عني الخوف والخجل·
فجأة حدث أمر غير متوقع اطلاقاً، انطلقت صرخات الاستغاثة من أحد الأطفال وهو ابن شقيق زوجي لنجدة أخيه الصغير الذي تعرض للغرق· أسرع والده للنجدة، فألقى بنفسه في البحر باحثاً عن ابنه ولحقه زوجي بسرعة ثم اختفى الجميع في الظلام ولم يعد أحد منهم·
طلبنا النجدة فجاء رجال الإنقاذ وتم البحث عنهم بلا فائدة، وفي اليوم التالي وجدوا جثثهم عائمة فوق سطح الماء في مكان بعيد جداً·
هكذا انتهى الحلم الجميل واستيقظت مرة اخرى واستعدت كآبتي ولوعتي على فقد أقرب الناس إلي· عادت خطوط الكآبة وألوانها إلى وجهي ومظهري وانغلقت على نفسي مرة أخرى بعيداً عن الآخرين·
بعد انتهاء العدة مرضت عمتي بالمرض الخبيث، رافقتها للعلاج خارج الدولة وبقيت معها حتى رحلت هي الأخرى، فعدت مع جثتها إلى الوطن وانا منهارة بشكل كامل·
السنين تمر وكل من يراني يتساءل: لم تبدو هذه المرأة بهذا الشكل الكئيب؟
اخترت ان أروي حكايتي في هذا الباب الذي يتابعه كثيرون أعرفهم، وانا متأكدة من انهم سيعرفون صاحبة الحكاية، ولربما عذروني بعد ان يعرفوا كل تلك التفاصيل عني، فلا يتساءلوا بعد اليوم عن سر كآبتي· هذه الكآبة أمر لا يمكنني ان أتخلص منه بسهولة، وانا صابرة ومحتسبة لأنني واثقة بأن الله سبحانه وتعالى سيعوضني عن كل ما مررت به من مصائب في حياتي·

اقرأ أيضا