بدأ المجتمع الدولي أمس في بوزنان غرب بولندا مفاوضات تستمر اثني عشر يوماً برعاية الأمم المتحدة بهدف وضع مسودة اتفاق لمواجهة التغير المناخي، من المقترح أن يوقع بحلول نهاية العام المقبل، وتعقد مفاوضات بولندا وسط أجواء تفاقم الأزمة المالية والتباطؤ الاقتصادي العالمي، حيث تخشى العديد من الدول أن تؤثر التزاماتها تجاه خفض الانبعاثات الضارة على اقتصاداتها المتراجعة بفعل الأزمة· وبعد عام على مؤتمر بالي حيث اقرت ''خارطة طريق'' حتى اجتماع ديسمبر 2009 في كوبنهاجن، يبقى عام واحد أمام مندوبي 192 دولة موقعة على اتفاقية الأمم المتحدة حول تغير المناخ، من أجل الاتفاق على برامج جديدة لمكافحة مفعول الدفيئة· ويفترض تعزيز وتوسيع الاتفاقية المرتقبة كي تشمل الولايات المتحدة وكبرى الاقتصادات الناشئة اعتبارا من ،2012 لتشكل متابعة لبروتوكول كيوتو· وتقتصر الأهداف الملزمة بحد الانبعاثات بين 2008 و2012 في بروتوكول كيوتو على الدول الصناعية الـ 37 (ما عدا الولايات المتحدة) التي وقعت عليه· وحث رئيس أمانة الأمم المتحدة للتغير المناخي ''يفو دي بوير'' المندوبين لإرسال '' إشارة سياسية قوية''، ودعا الدول إلى عدم استخدام الأزمة المالية الحالية والتباطؤ الاقتصادي العالمي كمبرر للتمسك بتكنولوجيات ''رخيصة وقذرة''· ومن المقرر أن تتصدر المحادثات مسألة كيف يمكن للدول الغنية توفير التكنولوجيا النظيفة والتمويل لمساعدة الدول الفقيرة والناشئة على خفض انبعاثاتها، وخاصة ثاني أكسيد الكربون الناتج عن حرق الوقود الحفري· وتقول الصين، والتي تخطت وفقا لبعض التقديرات الولايات المتحدة كأكبر مصدر للانبعاثات الغازية، إنه يجب على الدول المتقدمة أن تأخذ زمام المبادرة فى خفض الانبعاثات· ومن غير المرجح أن تنضم الولايات المتحدة لاتفاق يلزم بخفض الانبعاثات ما لم تدرج الاقتصادات سريعة النمو مثل الصين والهند في الاتفاق، ولم تصادق الولايات المتحدة مطلقا على اتفاقية كيوتو الموقعة عام 1997 باليابان، وهو ما يرجع فى جانب منه إلى عدم تضمنها حدودا تلتزم بها الدول الناشئة الكبرى· وقد أبهج الرئيس الأميركي المنتخب باراك أوباما المعنيين بالبيئة والعديد من الحكومات منذ انتخابه في الرابع من نوفمبر المنصرم بتعهداته بانخراط واشنطن مجددا في مفاوضات التغير المناخي· وفي محاولة للإسراع بتحقيق تقدم، سيعمل المندوبون في بوزنان على صياغة نص مسودة معاهدة كاملة للمرة الأولى منذ بدء الجولة الأخيرة من المحادثات قبل عام· ومن المقرر أن يضيف المسؤولون على مستوى الوزراء زخما سياسيا على المحادثات يومي 11- 12 ديسمبر الحالي، وتعهد الاتحاد الأوروبي، الذي يسعى لحث باقي دول العالم على العمل، بخفض انبعاثاته من غاز ثاني أكسيد الكربون بنسبة 20% على الأقل دون مستوى 1990 بحلول 2020 ، بغض النظر عما إذا كانت القوى الأخرى ستحذو حذوه· ولكن تسود خلافات بين التكتل الأوروبي الذي يضم 27 دولة بشأن خططه لمكافحة التغير المناخي، حيث تعارض إيطاليا ودول أوروبا الشرقية الشيوعية السابقة تفاصيل خطة الاتحاد الأوروبي للتجارة في حدود التلوث المسموح بها والتي يقولون إنها تزيد كثيرا من كلفة الطاقة· ويشيرالعديد من القادة الأوروبيين الآخرين بالإضافة إلى أوباما إلى أن تعزيز التكنولوجيا البيئية وتطبيق إجراءات من قبيل التجارة في حقوق الانبعاثات الغازية، والمعمول بها بالفعل فى أوروبا، من شأنه المساعدة في توفير تكاليف الحد من الاحتباس الحراري عالميا· وأظهرت بيانات الأمم المتحدة الأخيرة ارتفاع الانبعاثات الغازية بين عامي 2000- 2006 ، مع تصدر الدول الناشئة المسئولية عن تلك الزيادة· وخلص تقرير للجنة من علماء الأمم المتحدة في العام الماضي إلى أن العالم يواجه ارتفاعا في درجة الحرارة يبلغ متوسطه ثلاث درجات مئوية خلال القرن الحالي إذا استمرت الانبعاثات الغازية بنفس الوتيرة الحالية· وأضاف العلماء أنه إذا حدث ذلك، فمن المرجح أن يكون التغير المناخي أكثر مأساوية من القرن العشرين· ويلقي باللوم على الاحتباس الحراري العالمي فى تقلص الأنهار الثلجية القطبية وزيادة العواصف الاستوائية· ويقول العلماء إن من بين التأثيرات الأخرى المحتملة للاحتباس الحراري زيادة نقص المياه في أفريقيا وارتفاع مستويات البحار والذي يهدد الجزر المنخفضة والمناطق الساحلية وتناقص عوائد المحاصيل في المناطق الاستوائية· وفي كل السيناريوهات، يتوقع أن يتحمل الفقراء العبء الأكبر من أثار التغير المناخي· وقبيل بدء محادثات الأمم المتحدة، نكثت استراليا بوعدها بتحقيق هدف خفض الانبعاثات الحرارية بحلول عام ·2020 وقال زعيم الخضر بوب براون اليوم ''إنه موقف مشوش تماما من الحكومة·· هذه هى استراليا التي كانت الأكثر حماسا في بالي تصبح الأكثر مراوغة في بوزنان· وحدث كل ذلك في غضون 12 شهرا· إنه لأمر يثير الدهشة للغاية''· ومنذ عام صادقت أستراليا على بروتوكول كيوتو حول تخفيض الانبعاثات الغازية المسببة لظاهرة الاحتباس الحراري ووعدت بخفض الانبعاثات التي تصدر عنها بنسبة 60% بحلول عام 2050 · وأكدت الوزيرة الاسترالية لشؤون تغير المناخ بيني وونج إن حكومة حزب العمال التي جاءت للسلطة قبل عام قد نكثت بوعدها· وقالت '' كل ما في الأمر هو أننا قلنا إننا سنعلن عن الأهداف في ديسمبر (الجاري)، وها نحن قد ألمحنا إلى موقفنا قبل (اجتماع) بوزنان''· وكان روس جارنوت كبير مستشاري الحكومة الاسترالية لشؤون تغير المناخ قد أوصى كانبرا في وقت سابق هذا العام بأن تلزم نفسها بهدف خفض الانبعاثات بنسبة 10% بحلول عام 2020 · وحذر جارنوت رئيس الوزراء كيفين رود من أن تبني أهداف طموحة لا تشاركها فيها دول أخرى من الأكثر إصدارا للانبعاثات الغازية سيكون انتحارا اقتصاديا· ويريد البعض داخل الحكومة الاسترالية تحقيق هدف خفض الانبعاثات بنسبة 15% كحد اقصى بحلول عام 2020 عن مستويات عام2000 · وترغب دول الاتحاد الاوروبي في خفض الانبعاثات بنسبة 25% إلى 40% ، وتدفع بأنه إذا لم تقم الدول الغنية بدور قيادي فإن الدول النامية الكبرى التي تصدر انبعاثات غازية مثل الهند والصين والبرازيل لن تتبنى أي أهداف· وردا على تقرير جارنوت، قال توني موهر من مؤسسة الحفاظ على البيئة الاسترالية إن الدول المتقدمة مثل استراليا تحتاج لتحديد أهداف بخفض الانبعاثات بنسبة 25% بحلول عام 2020 · وقال خبير المناخ ماسيج سادوفسكي الذي يشارك في المؤتمر إن هناك سبلا لمساعدة البلدان الأقل ثراء التي تأثرت بشدة من التغيرات المناخية· وتابع سادوفسكي ''هناك مجموعة كبيرة من الدول المعرضة للخطر بسبب تغير المناخ·· وفي هذا السياق فان موضوع إقامة صندوق سيقدم المساعدة للدول الأشد فقرا والأكثر تضررا سيكون له بلا شك تأثيرا على مواطني هذه الدول حيث ستتوافر أموال اضافية لتأمين الدول القائمة على جزر صغيرة ضد زيادة مناسيب المحيطات أو الدول المهددة بالجفاف أو الفيضان· هذه بلا شك فوائد الصندوق بالنسبة لهؤلاء الناس''· ومن المرجح أن تؤثر المخاوف من تكاليف مكافحة التغيرات المناخية والخلافات بين دول الاتحاد الأوروبي على المحادثات ولكن سادوفيسكي قال إن الأزمة المالية العالمية يمكن أن يكون لها آثار إيجابية على المناخ، واضاف سادوفسكي ''هذه الازمة مثلها مثل أي أزمة اقتصادية لها بالطبع تأثيرات سلبية كبيرة لكنها لها جانب اخر· فهي تفرض أولا الترشيد والادخار· نفس الامر ينطبق على هذه الأزمة· إذا بدانا بشكل جاد الاعتقاد بان لدينا فرصة لتحسين كفاءة الطاقة فسوف نتوقف عن إهدار الطاقة وسوف نقلل النفقات بهذه الطريقة· التكاليف سوف ترغمنا على تحسين كفاءة الطاقة· من ثم هذه فرصة''