الاتحاد

الرجل العاطل


الرجل العاطل هو عماد البيت وهو الركيزة الأساسية التي يستند عليها الكيان الأسري بدءاً من توفير المقومات الحياتية الضرورية كانت أو الكمالية وانتهاءً بضبط الإيقاع اليومي للأفراد داخل العائلة الواحدة وهكذا·
وقد درجت العادة على أن يخرج الرجل إلى العمل وأن تظل المرأة في البيت ترعى شؤون الصغار وتقوم بالأعمال المنزلية، ومن دون الدخول في التفاصيل الدقيقة في هذا التقسيم سنجد أن النظرة المجتمعية لا ترى الرجولة الا عبر مجموعة من المواصفات أولها المقدرة على تحمل المسؤولية واتخاذ القرارات الصائبة وأن يكفي بيته مذلة السؤال، وفي المقابل أن تكون المرأة مطيعة بل وخاضعة لمشيئة الرجل بغض النظرعن صفته أو صلة قرابته بها، إذ لا فرق بين الأب والأخ أو ابن العم في ذلك·
قد يرى البعض أننا نتحدث في بديهيات ما زالت سارية حتى وقتنا هذا ويؤخذ بها في معظم المجتمعات والأسر العربية، وهي كذلك بالطبع، لكن مع خروج المرأة للعمل وبعد أن وضعت قدميها على أول الطريق لكي تكون جنباً إلى جنب بجوار الرجل تشاركه مواجهة الصعوبات الاقتصادية والمادية وتقاسمه المهنة، هنا نجد أن هزة عنيفة قد أصابت الثابت الذي يحكم علاقة الرجل بالمرأة بشكل عام، وبالتالي علاقة الأزواج ببعضهم البعض، غير أن هذه الهزة تبدو منطقية لحداثة عهدنا بهذه الأمور التي بدأت تقريباً مع النصف الأخير من القرن الماضي، إذ لا يزال بيننا من يرفض عمل الزوجة ومن يفرض الوصاية على تحركاتها خوفاً على كرامته أو رجولته، وحتى نضع هذه الكلمات الفضفاضة على محك الاختبار الفعلي سننطلق من مشاركة الزوجة لزوجها في تحمل الأعباء المادية الأسرية وخروجها للعمل وبعد ذلك سنضع افتراضاً منطقياً يمكن أن يحدث في أي وقت تحت وطأة الظروف الطارئة، كأن يصبح الزوج عاطلاً عن العمل، لتتحمل الزوجة بمفردها المسؤولية المادية تجاه متطلبات البيت، ترى هل يتقبل الزوج هذه الوضعية وكيف تكون حالته النفسية؟ وهل الزوجة مستعدة للقيام بهذه المهمة أم أن لها رأياً آخر؟، وكيف ينظر الأولاد إلى أبيهم وهل سيقل احترامهم له لصالح دور الأم في الإنفاق وتلبية الرغبات؟
بعض الأشخاص يقولون إن الزوج والزوجة من المفترض أن يكونا مكملين لبعضهما البعض في كل شيء ما دام الاختيار والقبول قد تم بقناعة الطرفين دون حسابات المصالح الخاصة أو النظرة الضيقة كأن تكون الزوجة غنية فتقدم الزوج لخطبتها من أجل ذلك، أو أن يكون الزوج في مكانة مجتمعية مرموقة أو شخصية عامة فارتضت الزوجة أن تكون ظلاً تابعاً يستفيد من هذه المكانة، والزوجان العاملان بطبيعة الحال تكون لهما آلية واتفاق في تسيير النواحي الأسرية بكل جوانبها بما في ذلك الناحية المادية كأن تسهم الزوجة بجزء من راتبها في تغطية النواقص التي قد تستعصي على المقدرة المادية للزوج فإذا كانت هذه الآلية موجودة منذ البداية ويعمل بها الطرفان برضا تام فإن أية مشكلة طارئة يمكن التغلب عليها بمجهود أقل مما لو كانا مختلفين، وليس شرطاً أن يكون الزوج في وضعية العاطل حتى تتحمله الزوجة فهناك من الأزمات والمشاكل ما يتطلب تدخل الزوجة لانقاذ ما يمكن انقاذه من الوضعية الحرجة التي يمكن أن يتعرض لها الزوج، بل على العكس ربما يكون واقع الأزمة الطارئة أكثر إيلاماً مما لو كان عاطلاً عن العمل، وفي كل الأحوال فإن هذه المشكلة تتوقف توابعها على علاقة الاثنين وما إذا كان التفاهم هو الذي يتحكم في دواخل النفوس، لذلك فإن مسؤولية الزوجة في هذه الحالة ستكون مضاعفة وتحتاج إلى حنكة ودبلوماسية، فهي علاوة على الأعباء المادية التي ستقع على عاتقها بمفردها، ستكون مطالبة أكثر من أي وقت مضى بتفهم الحالة النفسية التي تسيطر على الزوج ومراعاة مشاعره وأحاسيسه التي لن تكون متوازنة وطبيعية، والا تضغط على أعصابه أو أن تذكره دائماً بوجوب البحث عن عمل، لأنه وهو في هذه الحالة لا يحتاج لمن يذكره بذلك، ومن المؤكد أنه يعلم بحاجة البيت لضروريات قد لا يفي بها راتب الزوجة·
أما الزوج الذي لا يقدر مجهود الزوجة ويتركها تعاني بمفردها بحجة أن هذا العمل لا يناسبه، وهذا لا يفهم فيه فمثل هذا الزوج يتسم بالأنانية المفرطة وربما يعاني من مشكلة تمس صلب رجولته، لأننا هكذا تعودنا على أن الرجل هو المعني بشؤون المنزل المادية والمعنوية وهو صاحب الكلمة الأولى والأخيرة، فإذا ارتضى لنفسه أن يظل في هذه الوضعية غير اللائقة فإنه سيفقد ركناً مهماً من شخصيته كرب أسرة مسؤول عن كل كبيرة وصغيرة تخص أفراد عائلته، علاوة على أن نظرة الأبناء قد تأخذ شكلاً آخر باهتزاز صورة الأب الراعي والعائل لهم، ومن هنا تكون خطورة التحول في علاقة الأبناء بالأب خصوصاً فيما يتعلق بالاحترام الواجب والمطلوب، وهذه المشكلة قد لا يتأثر بها الأبناء صغار السن الذين لا يعون أبعادها الحقيقية، أما الكبار فهم لاشك يفهمون هذه الأمور ويمكن أن يقدروا للأب مكوثه في البيت إذا كانت الظروف خارجة عن الإرادة أو إذا كانت مؤقتة وستزول بزوال أسبابها أو ايجاد البديل، أما لو كانت غير ذلك كأن يكون الأب من النوعية المستهترة أو الاتكالية فمن المؤكد أن ذلك سينعكس على اطاعة الأوامر وربما الرد بأسلوب غير مهذب على الاطلاق، وأعتقد أن هذا لا يمكن أن يحدث إلا في أسرة غير طبيعية في تكوينها منذ البداية وينقصها الكثير من مقومات النجاح، وبشكل عام وبعيداً عن كل هذه التفاصيل فإن مشكلة مكوث الزوج في البيت في الوقت الذي تعمل فيه الزوجة تعد من المشاكل التي يصعب التنظير فيها لأنها تشتمل على عدة نواح منها المادية والنفسية، ولأنها تخضع أيضاً لثقافة الزوجين ومدى قدرتهما واستعدادهما لتجاوز مثل هذه الحالات الطارئة وأيضاً شرح الموقف للأولاد إذا تطلب الأمر ذلك، لأن اجراء كهذا وان استصغره البعض يعتبر مهماً للغاية لتفادي تأثر الأولاد سلبياً من هذه الوضعية· وما يمكن أن يفكروا فيه إذا شاهدوا والدهم يجلس في البيت ووالدتهم هي التي تعمل فإن المشكلة تبدو أكثر تعقيداً لأن أطرافاً أخرى ستتأثر بشكل أو بآخر، والتأثر في هذه الحالة يمكن أن يؤدي إلى نتائج عكسية على نفسية وتفكير الأولاد خصوصاً الكبار منهم، فلربما يتولد لديهم مفهوم الاتكالية والاعتماد على الغير، أضف إلى ذلك أن طلباتهم سوف تتجه ناحية الأم فقط، وتعليماتها هي التي سوف تنفذ ما دامت تمتلك العطاء والمنع، وبهذا سيتوقف دور الأب تماماً، وتنحدر أهمية وجوده إلى درجة ألا يسمع أحد لكلامه أو أوامره، وفي النهاية يمكن أن يكون مصير الأسرة بأكملها غامضاً ومجهولاً إذا لا يمكن التكهن بحجم الأضرار الناتجة عن وضع سلبي كهذاً·
عبير القيسي

اقرأ أيضا