الاتحاد

دنيا

التخطيط ·· ثقافة نفتقدها بعشوائية التفكير!

التخطيط من المسلمات والضروريات، التي لا تسير الحياة إلا بها، وعندما نذكر التخطيط فهذا لا يعني، أننا نقصد الأمور الكبيرة فقط في الحياة، وإنما كل أساليب وطرائق المعيشة بما يكفل لنا حياة خالية من العراقيل والمشكلات، فهل نحن فعلاً ندرك أهمية التخطيط؟ وهل نمارسه بشكل عملي؟ أم أننا نترك الأمور تمشي على عواهنها، بما قد يجلب لنا ما لا نتوقعه ومن ثم، قد يكون هناك شيء من الفوضى يسيطر على حياتنا؟
هذا ما حاولنا معرفته من خلال الحوار مع بعض الأفراد مستشرفين دور التخطيط في حياتهم، وهل يدركونه جيداً أم لا؟
كانت البداية مع خالد راشد موسى، الذي ذكر أنه يدرك جيداً أهمية التخطيط، وخاصة في العمل، لأنه بدون تخطيط، فلا يمكن تحقيق الأهداف المرجوة، وبالتالي يصعب الوصول إلى النجاح·
ولابد لكل إنسان من مجموعة أفكار معينة في ذهنه، وربما ينقلها إلى أوراق أو ما شابه، ومن ثم يعمل على ترتيبها بحسب الأولويات، ومع ذلك فإن الحياة العملية، قد تجعلنا نتغاضى عما نخطط له لسبب أو لآخر، مثلاً عندما نتوجه لشراء بعض الحاجيات، قد نشتري أشياء أخرى، كما أننا قد نخرج لمجرد التمشية وتغيير الجو، فيحدث أن نشتري ما لا نحتاجه في الوقت الحالي، وهذا بدوره قد يؤدي لحدوث مشاكل مادية غير متوقعة·
ولهذا أعتقد أن ثقافة التخطيط موجودة لدينا في العمل، ولكنها غائبة إلى حد كبير عن الحياة الشخصية، وما يدفعنا لهذا، أنه قد نخطط لأمور معينة، ولكن الظروف قد تمنعنا من تنفيذ ما خططنا له·
وهذه العشوائية التي نعيشها جزء من الواقع الذي نعيشه، ومن الطبيعي أن يكون لها كثير من السلبيات، وأهمها إضاعة كثير من الفرص بالتفكير الخاطئ·
إبراهيم السيد يشير إلى أن التخطيط عملية جوهرية في حياتنا، لأنه لابد من وجود هدف معين نسعى إليه، ومن ثم نستطيع ترتيب أمور معيشتنا وسلم الأولويات، بما يؤدي في النهاية للوصول لما نريد، ولكن للأسف الكثير من الناس وخاصة الشاب المغترب، لا يخطط جيداً لحياته، فهو عندما يجيء إلى هنا يضع في حسبانه أنه سيبقى عاماً أو اثنين على الأكثر لتحقيق أهداف معينة، ولكن مع عدم وجود تخطيط، يجد أن السنوات تمضي به دون أن يحقق ما يريد، وحتى وإن حدث وحقق شيئاً، يكون بعد فوات العمر ومضي السنين، وهذا يعني أن مفاهيم التخطيط غائبة عن أذهان الكثيرين، وربما أنا منهم للأسف، مع أننا نعرف مدى أهمية التخطيط في تجنب الوقع في أي مشكلات·
أما مناف الغزالي فيؤكد كسابقه على أن ثقافة التخطيط اليومي غير موجودة في حياتنا، برغم وجوب ذلك، من حيث تحديد المصروفات التي لا ينبغي تجاوزها، وزيارة الأصدقاء والحفاظ على العلاقات الاجتماعية، التي تضررت كثيراً في السنوات الأخيرة، بحجة عدم وجود وقت للتزاور بين الناس، مع أني أرى أن المشكلة في تنظيم الوقت وتخطيطه، وليست في عدم وجود متسع منه·
كما لفت الغزالي، إلى أن ثقافة التخطيط تغيب بشكل ملموس عند الشباب بالقياس إلى غيرهم من الفئات العمرية، لأنهم الأكثر حاجة لتعلم التخطيط في بداية حياتهم، ولذلك دعا مناف إلى ضرورة توجيه وتعليم الشباب كيفية تخطيط حياتهم، على أن يكون ذلك من خلال المناهج الدراسية، حتى يتم ترسيخ مفاهيم التخطيط بكل ما تحمله من إيجابيات في نفوسهم، وبالتالي، يتمكنوا من رسم حياتهم بشكل أفضل·
وبالنسبة لي شخصياً، فغالباً ما أخطط للأمور البعيدة المدى، ولكن الحياة اليومية تخضع للحالة المزاجية التي أنا عليها، هكذا أوضح الغزالي، الذي شدد على أن التخطيط بالنسبة للأمور الصغيرة التي تحدث يومياً لا يتجاوز 50% من تلك الأمور على أفضل الأحوال·
سليمان محمد يذكر أن التخطيط له أهمية عنده تتجاوز التخطيط اليومي، إلى الاهتمام بالمستقبل، وذلك بأن يضع الإنسان خطوات معينة للأشياء التي نود إنجازها، وعليه معرفة الكيفية التي تكفل له تنفيذها، وتحويل الأفكار التي يحملها الإنسان إلى واقع عملي، مثلاً أنا أريد أن أصل إلى مراكز عليا في العمل، هذا من المستحيل أن يأتي دون تخطيط، أما التخطيط على الصعيد الشخصي فيكون بحسب وضعية الشيء ذاته، مثلاً إذا كنت قادماً لمركز تجاري لمجرد التنزه، فلا داعي للتخطيط، أما إذا كان ذلك للتسوق، فلابد من معرفة ما سأشتريه، وهذا من ضروريات الحياة، ولذلك يمكن القول إن التخطيط في الأمور اليومية هو شيء نسبي إلى حد كبير·
وشدد حسن الغريب على أن التخطيط هو أساس كل شيء في الحياة، وبدونه لا يستطيع أن يتقدم ويتطور، ويرى أن ثقافة التخطيط موجودة، ولكن ليست عند كل الناس، نظراً لاختلاف مستوياتهم الثقافية والفكرية، ولكن عندما يغيب هذا المفهوم تماماً، فذلك يرجع إلى خلل في أساليب التربية، وهنا لابد وأن نستلهم معنى جميلا من معاني الإسلام في قول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم ''اعْقِلْهَا وَتَوَكَّلْ·· ''·
وأكد على أن الأولوية القصوى في التخطيط، تكون في العمل، ويتمثل حسبما يرى في الالتزام بقواعد العمل، التعاون مع الزملاء، وإذا كان هناك ما يستدعى تطوير الذات في المهارات المتعلقة بالعمل، فلابد من ذلك، باعتباره جزءاً من التخطيط في الحياة، أما بالنسبة للأفراد الذين لا يخططون، فهم يعيشون ولكن بلا نجاح، وللأسف يقنعون أنفسهم بأنهم ناجحون في حياتهم، على عكس الواقع، الذي يثبت فشلهم·
أما محمد الغافري، فيقول: ليس هناك عمل بلا تفكير، وبالتالي ليس هناك خطوة يخطوها الإنسان دون تخطيط، وبالنسبة لحياتي الشخصية، فهناك ما أخطط له مثل الزواج وتكوين الأسرة والعمل لأنها من الأمور المصيرية في الحياة، أما عن المسائل اليومية، أحياناً أخطط لها، وأحياناً لا، لأنه ربما اكتشف ضرورة عمل شيء ما سوف يكون مفيداً إلي، أو أن أشتري ما أجده بسعر منخفض·
أي أنه بصفة عامة هناك تخطيط لحياتي على المدى البعيد ولكن على المدى القصير والأمور التي نقابلها يومياً، فلا أكترث للتخطيط لها·
على الجانب الآخر، أوضح أسعد الحوراني، أنه لا يلقي بالاً للتخطيط في حياته بالمرة، لأنه خطط لأمور كثيرة من قبل، ولكن جاءت الظروف بعكس ما خطط له، ولذلك قرر ألا يخطط لأي شيء ويكتفي بالعمل والتفكير في أمور حياته اليومية، والمستقبل بيد الله سبحانه وتعالي·
وصديقه أكرم زياد أكد على كلام صديقه، وقال إن ظروف الحياة ومشاكلها الكثيرة، لا تجعل هناك فرصة لتنفيذ ما نخطط له، ولذلك فإن عدم التخطيط يجعل الإنسان يعيش في هدوء نفسي، حتى لا يصاب بصدمات عندما يحدث عكس ما خطط له، ومع ذلك فهو لا ينكر أهمية التخطيط، ولكن نجاحه يعتمد على عوامل كثيرة، ربما يكون أغلبها خارجاً عن نطاق قدرات الفرد، وهو مثلاً عندما جاء إلى هنا منذ حوالي 4 سنوات، تمنى أن يجمع بعض المال ليساعده في تدبير نفقات الزواج، وإلى الآن لم يجمع شيئاً يذكر، برغم أنه يعمل بانتظام، ومجتهد في عمله لأقصى درجة·
إلهام الحسيني أيضاً ذكرت أنها أصبحت فقط تسعى لتوفير متطلباتها الشخصية ومتطلبات أسرتها من خلال العمل التي تقوم به، ولم تعد تفكر في المستقبل أو تخطط له، لأنها كلما فكرت في شيء وحاولت تنفيذه، لم يتسن لها تحقيقه، ومن ثم أصبحت تعيش يومها فقط، والتخطيط بعيد المدى ليس له وجود في حياتها·
وبالنسبة لمفهوم التخطيط وأهميته في حياتنا من وجهة نظر علمية، يحدثنا الدكتور محمد ناجي الخبير في التطوير و التنمية البشرية، فيقول: إن لفظ التخطيط جاء من الخط أو الكتابة على الأرض، وربما الورقة لتوضيح الطريق لشخص، أو رسم هدف معين لشخص ما، فالتخطيط لابد وأن نعرف جيداً أنه يضبط لنا إيقاع الحياة، ويجنبنا المفاجآت، وبما أن الحياة تسير وفق قوانين أعطانا إياها الله، يجب أن نعلمها وندركها جيداً، ويجب أن نسير وفق ما هي، وهناك مثل إنجليزي يقول ''الوقت والتيار لا ينتظران أحد'' بمعنى يجب أن نركب سفينة الحياة ونسير مع تيارها، ولكن وفقاً لخطط معينة حتى نستطيع أن نصل في النهاية إلى ما نريد·
لأنه من لا يمسك بمقود الحياة، تضيع منه·· ومن لا يخطط لطريق معين، فكل الطرق مفتوحة، وهذا يعني أنه في متاهة·
و''من لم يخطط للنجاح، فقد خطط للفشل'' وهذه إحدى مسلمات علم تطوير الذات والبحث عن النجاح في الحياة·· ولكي يكون التخطيط ناجحاً، لابد من توافر عدة شروط له، أهمها: رسم الأهداف، وضع خطط لتحقيق وانجاز تلك الأهداف، أن تكون الأهداف واقعية وقابلة للقياس والتحقيق·· أما إجراءات نجاح التخطيط فهي: أن يكون التخطيط مكتوباً بقدر الإمكان، مراجعة دورية له، التخطيط لابد وأن يعقبه تنفيذ وشروع في الخطوة الأولى، عمل تعديل يتناسب مع الظروف المتغيرة·
ويشدد الدكتور ناجي على أهمية التخطيط في الحياة الأسرية، من حيث توزيع وموازنة المال، والجهد، والعواطف، لأن وجود خلل في هذه الأمور، يؤدي للقلق والتعاسة، ومن ثم قد يحدث تدمير لكثير من الأسر، وهو ما لا نرجوه، ويسعى الجميع على تجنبه·

اقرأ أيضا