الاتحاد

ثقافة

القاهرة الخديوية.. تاريخ يعاند الزمن

ميدان طلعت حرب وعمارة جروبي اشهر مقاهي أغنياء مصر في القرن الماضي

ميدان طلعت حرب وعمارة جروبي اشهر مقاهي أغنياء مصر في القرن الماضي

في المدينة التي تستيقظ كل صباح منهكة بما تحمله شوارعها من أجساد أكثر من سبعة عشر مليوناً من البشر لا تهدأ حركتهم ليلاً أو نهاراً، في المدينة التي يتجول التاريخ في أركانها حاملاً حكايات لا تنتهي عن الأماكن والبشر، في تلك المدينة تظل «للقاهرة الخديوية» مكانتها ومذاقها ومساحتها الخاصة، يبدو هذا الجزء من المدينة، وكأنه لوحة فنية معلقة على حائط الزمان لمدينة يزيد عمرها عن ألف عام، تلك البقعة التي كانت يوماً مجرد حلم لشاب صغير قضى 16 عاما هي كل سنوات حكمه لكي يحققه، ورغم أن الحلم لم يكتمل تماماً كما كان يأمل إلا أن ما تركه وما أكمل عليه لاحقوه جعل من تلك البقعة من المدينة نموذجاً من الجمال نافس أرقى العواصم.

تحكي كتب التاريخ أن الخديوي إسماعيل حفيد والي مصر محمد علي، مرض وهو في الرابعة عشرة من عمره بالرمد الصديدي، فأرسله والده إبراهيم باشا إلى «فيينا» ليعالج وبقي فيها عامين، انتقل بعدها إلى فرنسا لاستكمال تعليمه، والتي ظل بها ما يقارب العشر سنوات، درس فيها الهندسة والرياضة والطبيعة، وأتقن اللغة الفرنسية، وعاد إلى مصر حاملاً حلم أن تكون لمصر عاصمة تشبه تلك العواصم. وفي عام 1863 حكم مصر خلفاً لعمه محمد سعيد باشا، وكانت سنوات حكمه هي فرصته الذهبية لتحقيق حلم صباه وشبابه.
رحل إسماعيل قبل أكثر من 120 عاماً تاركاً تلك المدينة «الحلم»؛ ميادين وشوارع وعمارات وتماثيل وزخارف ووجوه ملائكة وأكاليل زهور تعتلي رؤوس بيوت شديدة الجمال.. هنا نتجول في بعض ملامح القاهرة الخديوية آخر ما تبقى من زمن الجمال الراقي والقاهرة التي هزمت عاصمة النور بضربة الجمال القاضية.. هنا ما تبقى من رائحة باريس الشرق.

حكاية التأسيس
بين صفحات كتب التاريخ والعمارة نبدأ جولتنا حيث نقرأ: «عندما تولى محمد علي حكم مصر كانت حدود مدينة القاهرة تقف عند بركة الأزبكية وكان عدد سكانها 267 ألف نسمة، وكانت منطقة القلعة هي قلب المدينة، بينما كان الفرنسيون الذين قدموا في نهاية القرن الثامن عشر قد قسموا المدينة إلى ثمانية أقسام لتسهيل إدارتها ومدوا طريقاً طويلاً وحيدا يربط قلب المدينة بمنطقة بولاق التي كانت تعتبر وقتها حياً صغيراً وميناء نهرياً. وعندما جاء محمد علي لم يبد اهتماماً كبيراً بالمدينة لانشغاله بتوطيد وضعه الداخلي وبناء الدولة صناعيا وتعليميا، ثم غزواته الخارجية.
ويذكر دكتور أيمن فؤاد في كتابه «القاهرة خططها وتطورها العمراني» أن النزول الأول لرجال الوالي من قلعة الجبل حيث مقر الحكم، لشوارع وحواري المدينة القديمة كان في عام 1814 عندما كان محمد علي يستعد للاحتفال بزفاف ابنه، وطاف رجال الشرطة قبل موكب ( الزفة) بيومين، وبأيديهم مقياس وكلما مروا بناحية أو طريق يضيق عن القياس هدموه، سواء كان مصاطب أو دكاكين أو حتى بيوت، وذلك لتوسيع الطريق لمرور عربات (الزفة)، وأتلفوا نتيجة لهذا الكثير من أبنية المدينة القديمة كما حكى الجبرتي في عجائب الآثار، وفيما عدا ذلك يحسب له أنه عمل على تنسيق مباني المدينة القديمة وتنظيفها للحفاظ على صحة المواطنين، وردم عددا من البرك التي كانت تحيط بها.
وكانت الإضافة المعمارية التي تركها محمد علي هي عدد من القصور الفاخرة بناها له ولأبنائه، أهمها قصر الجوهرة في قلعة الجبل مقر الحكم وسراي الحريم ومسجد محمد علي بنفس المنطقة، وكان محمد علي معجباً بشكل خاص بالمناطق الريفية، فقد أشأ عدة قصور ريفية في ضواحي المدينة القديمة منها (قصر شبرا) الذي بدا تشييده على شاطئ النيل شمال القاهرة في منطقة شبرا الآن، وقرر محمد علي أن يكون مكاناً لاستجمامه وراحته، ولذلك شق طريقا للذهاب إليه، تميز بجماله والمزروعات المتراصة على جانبيه من أشجار السنط والجميز حتى وصفه بعض الرحالة الأوروبيين بأنه أجمل شارع في العالم وقتها.
«قصر النيل» كان أول القصور التي تم تشييدها في القاهرة الخديوية بدون خطة مستقبلية من محمد علي وقتها، فقد أراد فقط أن يهديه لابنته نازلي هانم، وأن يكون على نهر النيل مباشرة، والذي هدم فيما بعد على يد سعيد باشا، الذي اشتراه من نازلي هانم وقام ببناء قصر بديل أكثر اتساعا، وألحق به ثكنات للجيش تتسع لأكثر من ستة آلاف جندي وهو القصر الذي تحول بعد الاحتلال الانجليزي لمصر لمقر للقوات البريطانية. ثم هدمت كلها فيما بعد عام 1952 لتتحول إلى مقر لفندق الهيلتون و جامعة الدول العربية.
إلى حدود قصر الأميرة نازلي انتهت علاقة محمد علي وخلفائه بالمدينة حتى جاء عام 1863 عندما أصبح إسماعيل والياً على مصر ليبدأ عصر الحلم والعمارة الجميلة والمدينة التي حملت لقبه ونسبت إليه، حيث كان إسماعيل هو أول من حمل لقب خديوي من أبناء وأحفاد محمد علي.

قناة السويس.. المدينة تولد لتحتفل
نبدأ إذن جولتنا في القاهرة الخديوية، حيث يختلط الجمال الذي نراه بأعيننا والتاريخ الذي أرخ له المعماريون المصريون والأجانب، في شوارع وسط البلد كما أصبح يطلق عليها. نعرف أن مناسبة مهمة هي التي صنعت التاريخ الفارق لهذا المكان، مناسبة افتتاح قناة السويس التي كانت الفرصة الحقيقية للخديوي إسماعيل لتنفيذ حلمه القديم، الذي سعى تحقيقه منذ اليوم الأول لتوليه الحكم، بدأ إسماعيل مدينته الجديدة بمد شبكات المياه الصالحة للشرب وشق الشوارع الرئيسة وتخطيط المدينة لتحديد أماكن السكن والخدمات العامة بها كأي تخطيط لمدينة حديثة في أوروبا. تخطيط المدينة الذي تولاه علي باشا مبارك احد أعظم مهندسي مصر وكان مستوحى من أفكار وتصورات المهندس الفرنسي ( Haussmann)، حيث يعتمد على شبكة من الطرق الطولية المستقيمة والطرق الواسعة المتعامدة عليها تربط بين اثني عشر ميدانا، ورغم أن التصور الأصلي كان لمدينة كبيرة إلا التنفيذ تم على مساحة لا تتعدى 617 فدانا لضمان تنفيذها بأفضل صورة ممكنة. ومما يذكره المؤرخون أن الخديوي عندما أعطى الأرض لمن رغم في البناء اشترط ألا تقل تكلفة العمارة عن ألفي جنيه مصري مع التزامها بالتصاميم التي وضعها المصممون الأجانب الذين استعان بهم، وفي عام 1874 كان قد بُني من المدينة حوالي 257 فدانا احتلت ثلثها شبكات الطرق بينما أقيمت المباني على 13% فقط من تلك المساحة وبقية المساحة كانت حدائق ومتنزهات شاسعة.
وكان حلم إسماعيل أن ينتهي من مدينته قبل حفل افتتاح قناة السويس في عام 1869 خاصة انه كان قد زار باريس في عام 1868 لحضور احد المؤتمرات الدولية، وهي الزيارة التي وجه فيها الدعوة لأمراء وملوك أوروبا لحضور افتتاح القناة وبالطبع لم تكن المدينة القديمة بأحيائها المتفرقة وغير المناسبة صالحة لإنشاء القصور المناسبة لاستقبال تلك الشخصيات، ورغم عدم القدرة على الانتهاء من المدينة قبل حضور ضيوف الافتتاح حيث لم يكن قد تم منها سوى دار الأوبرا وسراي الجزيرة وسراي الجيزة إلا أن مشروع إسماعيل الطموح استمر بعد حفل الافتتاح وظل لسنوات.

«عتبة» المدينة وحديقتها
الحديقة الصغيرة التي يحيط بها سور حديدي مرتفع يحتل الرصيف المجاور له باعة أرصفة منطقة العتبة كما نراها الآن كانت في منتصف القرن التاسع عشر هي حدود المدينة القديمة وبداية المدينة الحديثة حيث بحيرة الأزبكية... كما تحكي الدكتورة جليلة القاضي أستاذة العمارة بالجامعة الفرنسية والتي أرخت للمدينة ونموها في كتابها المهم (القاهرة)، تحكي القاضي قائلة: «حديقة الأزبكية كانت بمثابة نهاية لحدود المدينة القديمة التي تراكمت عليها فترات حكام مصر المختلفين بدءاً من الفاطميين، مرورا بالأيوبيين والمماليك فالعثمانيين، انتهت إنشاءات المدينة القديمة عند حدود البحيرة التي كانت وقتها بحيرة ضخمة تمتلئ بالمياه وقت فيضان النيل، فتصبح حوضاً واسعاً تغطيه المراكب التي تضاء في أثناء الليل، وتحيط بها بيوت البكوات والبهوات من رجال الطبقة الوسطى والعليا من المشايخ والتجار منذ القرن السادس عشر عندما تم إنشاء حي الأزبكية. وفي عام 1864 في عهد الخديوي إسماعيل في إطار إنشاء مدينة القاهرة في امتدادها الحديث تم ردم البركة بالكامل، بعد أن تهدمت اغلب البيوت المتميزة التي كانت تحيط بها، ولم يكن قد تبقى منها سوى 20 بيتا قديما، وتحولت البحيرة إلى حديقة من أجمل الحدائق وحملت نفس الاسم وتم تصميمها على نفس نمط حديقة ( monceau) وحدائق ريفولي في باريس. كانت الحديقة مزودة ببحيرات وجَبَلاية صناعية وقناطر على جداول صغيرة، وتضم مطاعم ومقاه على الطراز الأوروبي واليوناني، ومقصورة صينية ومراكب للنزهة، وكانت لها فرقة موسيقية مكونة من الأتراك والاوروبيين تعزف الموسيقات الأوروبية والعسكرية وتم افتتاح الحديقة في عام 1872 وقام بحضور الافتتاح الخديوي إسماعيل، وهي الحديقة التي ظلت حتى منتصف القرن العشرين تشهد الحفلات الغنائية والموسيقية لكبار المطربين وعلى رأسهم السيدة أم كلثوم».

دار الأوبرا
على مقربة من حديقة الأزبكية كانت تقع دار الأوبرا المصرية التي أنشأها الخديوي إسماعيل، لتكون أول دار أوبرا من نوعها في إفريقيا بل في المنطقة كلها. بنيت الأوبرا في عام 1869 بتصميم وضعه المهندس الايطالي (pietro avoscani) وذلك بطراز وتصميم أوبرا (سكالا) في ميلانو بايطاليا. وبنيت دار الأوبرا الخديوية كما أطلق عليها وقتها من الخشب بالكامل، وكانت تتسع لحوالي 850 مقعدا، وشهدت أول حفلة أوبرا عرفتها مصر في إطار حفلات افتتاح قناة السويس حيث قدمت أوبرا ريجولتي لـ فيردي. وقد احترقت بالكامل في أكتوبر من عام 1971 وأقيم مكانها جراج متعدد الطوابق.
وبينما اختفت الأوبرا بفعل النيران اختفت من المدينة فنادق ومقاه بفعل الزمن وتقادم الأشياء، وفقدت المدينة جزءا من نسيجها المعماري والثقافي الذي خلقته يوما عمارتها الحديثة. فالمدينة التي كانت تنمو معمارياً حتى بعد انتهاء عصر إسماعيل في عام 1869 لم يكن نموها فقط مجرد ملامح لبيوت ومسارح وشوارع جميلة بل أيضا غيرت المدينة من التركيبة والسلوك الاجتماعي لسكانها كما تقول فيتوريا كابريسي وباربرا بابم في كتابها (وسط البلد - downtown) الصادر عن الجامعة الأمريكية بالقاهرة، حيث تشير إلى ما حدث في القاهرة في النصف الثاني من القرن التاسع عشر في النسق الاجتماعي المصري بشكل عام؛ فالعمارة الجديدة خلقت عادات اجتماعية مختلفة، لم يكن يعرفها المصريون وكانت الفنادق التي ظهرت في تلك الفترة بكثرة احد أهم تلك المعالم. ولم تكن الفنادق الفخمة أماكن للإقامة والاستضافة فقط بل أماكن للقاء الناس بشكل اجتماعي مفتوح عبر مقاهيها ومطاعمها المتميزة ذات الطابع الحديث.

شبرد وسافوي
من أجمل الفنادق التي عرفتها القاهرة في الربع الأخير من القرن التاسع عشر واختفت فندق (سافوي) الذي بني عام 1889 في ميدان سليمان باشا وهدم عام 1934 وحلت محله عمارة بهلر الحالية بممرها الشهير الفندق الذي صممه المهندس الايطالي bateggeli Francesco. أما احد أشهر فنادق تلك الفترة فقد كان فندق شبرد والذي كان يعتبر واحدا من أكثر فنادق القاهرة أناقة، كان يوجد في محيط حديقة الأزبكية ورغم أنه أقيم على أطلال فندق قديم بسيط كان يحمل اسم الفندق البريطاني،إلا أنه وبمجرد أن اشتراه ريتشارد شبرد من صاحبه الانجليزي في عام 1846 بناء على توصية ودعم خاص من والي مصر وقتها عباس حلمي الأول، تألق الفندق وشهد طفرة في التجديدات والمستوى شديد التميز خاصا في عصر الخديوي إسماعيل، متواكبا مع افتتاح قناة السويس ففي عام 1869 شهد الفندق تحول حقيقي في تاريخه وتصنيفه كفندق ذي شهرة عالمية، حيث شهد استضافة عدد من الشخصيات الهامة، وعلى رأسهم الإمبراطورة أوجيني، والتي أقيم لها بالفندق حفل خاص ترحيبا بها كما استضاف الفندق في التاريخ اللاحق له عددا من الشخصيات الدولية منها السير وينستون تشرشل والملك فيصل، كما كان الفندق أحد مراكز قيادة الحلفاء في الحربين العالمية الأولى والثانية واستضافت غرفه وفود الدول العربية التي جاءت إلى مصر لإعلان إنشاء جامعة الدول العربية في عام 1946. وظل الفندق مكانا متميزا وملتقى لصفوة المجتمع والطبقة الارستقراطية في مصر حتى حدث حريق القاهرة الشهير في يناير من عام 1952 والذي كان الفندق التاريخي احد أشهر ضحاياه حيث أتت النيران على الفندق تماما، واختفى من خارطة القاهرة المعمارية احد أهم وأجمل ملامحها. ليظهر بعد سنوات فندق آخر يحمل نفس الاسم على نيل جاردن سيتي.

شارع عماد الدين
في الشارع المتسع والمزدحم دوما كان الوضع مختلفا قليلا، فلا زال شارع عماد الدين اكثر شوارع القاهرة الخديوية شهرة يحتضن تاريخ المدينة، وبينما تهدمت الفنادق والكثير من المقاهي باريسية الطابع خاصة في النصف الثاني من القرن العشرين واختفت الملامح الأوروبية مع رحيل اغلب الأجانب في بداية سنوات ثورة 1952، ظلت العمارات متعددة الطوابق التي كانت إحدى الطفرات المعمارية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر شاهدة على تلك الفترة التي تميزت بالفخامة الشديدة حيث بني أغلبها على الطراز الفرنسي والإيطالي ومن أجملها (العمارات الخديوية الأربع) بشارع عماد الدين والتي بناها الخديوي عباس حلمي على نفقته الخاصة عند نهاية شارع عماد الدين، وتعد اكبر تجمع سكني تجاري عرفته العاصمة وقتها والتي وضع تصميمها المهندس الإيطالي الشهير (Antonio lasciac) عام 1910، والشارع نفسه يعتبر احد أقدم الشوارع في القاهرة الخديوية وأطولها، ولا زال محتفظا بمبانيه التراثية منذ منتصف القرن التاسع عشر في خلطة عظيمة من الطرز المعمارية المختلفة. وتعتبر مجموعة العمارات الخديوية الأربع بمثابة الأهرامات الثلاثة في وسط عمارة القاهرة التراثية بطرازها المعماري المتشابه.. حيث خصص الدور الأرضي منها للمحال والتوكيلات التجارية والأربعة ادوار المتكررة للسكن وشهدت إحدى عماراته أول توكيل لبيع السيارات الخاصة في مصر وهو توكيل رينو الفرنسي، وذلك في عام 1939 وتتميز تلك العمارات بخلاف قبابها بممراتها الداخلية شديدة الجمال والتميز هندسياً. وجدير بالذكر أن الشارع أطلق عليه اسم الشيخ عماد الدين احد أثرياء مصر والذي كان يمتلك قصراً بحديقة ضخمة في هذا الشارع في القرن الرابع عشر، وقد هدم القصر ولكن ظلت المنطقة تحمل اسمه. وتم ربط الشارع بخط المترو الحديث الذي كان يمتد بين منطقة هليوبوليس بوسط البلد حيث كان يمر به. ومن أكثر ما اشتهر به الشارع انه كان شارع السينمات حيث يوجد به أربع أشهر سينمات عرفتها القاهرة وهي: سينما كريم وسينما كوزمو اللتان أنشئتا عام 1919 مع بدايات ظهور السينما في مصر، وسينما ليدو عام 1917 وسينما بيجال 1012 وأخيراً سينما ريتز عام 1938. ومن الشوارع التي تفرعت عن شارع عماد الدين ظهرت الشوارع التي تحمل أسماء نجوم المسرح في بدايات القرن العشرين، ومنها شارع علي الكسار وشارع نجيب الريحاني اللذان امتلكا مسارح في تلك الشوارع.

في الميدان يقف الباشا ويجلس المثقفون
ومن الشارع إلى الميدان، حيث أجمل ميادين القاهرة الخديوية، ميدان طلعت حرب، والذي كان يعرف بميدان سليمان باشا تيمناً بسليمان باشا الفرنساوي مؤسس الجيش المصري الحديث في عهد محمد علي، ولكن بعد ثورة 1952 تمت إزالة التمثال ووضع بدلاً عنه تمثال طلعت حرب باشا مؤسس بنك مصر. ويضم الميدان عددا من أشهر العمارات ومنها عمارة يعقوبيان التي بناها عميد الجالية الأرمنية في مصر وقتها (هاغوب يعقوبيان) والتي يقع في طابقها الأرضي مقهى جروبي أشهر المقاهي الراقية في مصر. ومن عمارات الميدان الشهيرة عمارة مايكل أيوب باشا التي بنيت في بداية عشرينيات القرن الماضي، وهي من أكثر عمارات الميدان قدما، وبنيت العمارة على الطراز (Art Nouveau) بما يميزه من خطوط متجددة، وأشكال زهور ورسوم نباتية. وكان للعمارة قبتان هدمتا في وقت لاحق ولها مدخلان ويوجد بدورها الأرضي مكتبة مدبولي الأكثر شهرة بين مكتبات القاهرة منذ سبعينات القرن الماضي. كافيه ريش؛ واحد من أقدم وأشهر مقاهي القاهرة وأحد معالم ميدان طلعت حرب أيضا، لا يزال موجودا إلى الآن حتى بعد اختفاء اغلب رواده الذين اشتهر باستضافته لهم من الأدباء والكتاب والصحفيين . يحتل المقهى الدور الأرضي لواحدة من أقدم عمارات القاهرة على ناصية شارع طلعت حرب وهدى شعراوي المبنى الذي بني عام 1908 ويعتبر من أوائل المباني التي خصصت للأهداف التجارية، وتستخدم اغلب شققه كشركات صغيرة ومكاتب ذات نشاط تجاري. وفي عام 1924 ظهر المقهى الشهير، ويحكى انه كان له حديقة تمتد حتى ميدان طلعت حرب. وتتميز عمارة كافيه ريش و(بلكوناته) ذات الطابع الفرنسي ببساطة وجمال تصميها، وهي مجرد شكل خارجي لحماية أبواب النوافذ الطولية الضخمة ولا يتم استخدامها، وهو نمط غير منتشر كثيرا في مباني القاهرة. بينما لا زال كافيه ريش رغم تقلص مساحته واختفاء الكثير من مشاهير رواده بعد أن غيبهم الموت محتفظا بطابعه الكلاسيكي في تقديم المشروبات والأطعمة التقليدية، ولا زال العاملون به يرتدون الزي القديم لعمال المقاهي والمطاعم الراقية وبينما تغيرت وجوه الزبائن لا زالت حوائط المقهى تحتفظ بصور رواده من المشاهير.
وعلى حدود القاهرة الخديوية يقف في وداع الراحلين عن المدينة أسود (كوبري قصر النيل) الشهير حيث العبور للجانب الآخر من المدينة. هذا الكوبري شديد الجمال كان بناؤه الأول في عام 1871 وأقامته شركة (fives-lille) الفرنسية ليكون أول وسيلة عبور حديثة للجانب الآخر من النيل بديلا عن المراكب القديمة التي كانت تتراص على المجرى المائي للنيل ويربط بينها ألواح من الخشب تستخدم في العبور، وقد أزيل في عهد الملك فؤاد وتحديداً عام 1933 ليتم توسعته وتحديثه وإطلاق اسم الخديوي إسماعيل عليه، وأقيمت عند مدخليه منارتان من حجر الجرانيت على رأس كل منارة مصباح وأمامها واحد من الأسود الأربعة البرونزية التي كانت قائمة على مدخل الكوبري القديم والتي كانت قد صنعت في إيطاليا في ذلك الوقت.

طلعت حرب وكائناته
ميدان طلعت حرب أجمل ميادين القاهرة الخديوية. كان يعرف بميدان سليمان باشا تيمناً بسليمان باشا الفرنساوي مؤسس الجيش المصري الحديث في عهد محمد علي، ولكن بعد ثورة 1952 تمت إزالة التمثال ووضع بدلا عنه تمثال طلعت حرب باشا مؤسس بنك مصر. وفي الميدان علامات عمرانية ذائعة الصيت منها: عمارة يعقوبيان، مقهى جروبي، عمارة مايكل أيوب باشا، مكتبة مدبولي، وكافيه ريش الذي ما يزال، رغم تقلص مساحته واختفاء الكثير من مشاهير رواده بعد أن غيبهم الموت، محتفظاً بطابعه الكلاسيكي في تقديم المشروبات والأطعمة التقليدية، وبينما تغيرت وجوه الزبائن لا زالت حوائط المقهى تحتفظ بصور رواده من المشاهير.

اقرأ أيضا

سلمى الحفيتي: الكتابة ليست ترفاً