الاتحاد

شمس الأمانة

تذكرون لما طرحت مرة موضوعا عن البطالة المقنعة في صفحة 'رأي الناس' الغراء· على أثر هذه المقالة وصلتني رسالة من إحدى الأخوات تحكي حكايتها المؤلمة، وسلسلة مغامراتها مع مختلف الدوائر والهيئات والمؤسسات ، وتسرد قصتها قائلة:
'أختي الكريمة، أنا فتاة خريجة من جامعة الإمارات العربية المتحدة منذ أكثر من 6 سنوات، وأحمل شهادة بكالوريوس في (······)، وهو تخصص كان في تلك الفترة مطلوباً في جميع الوزارات والهيئات وفي كل مكان، المهم قدمت أوراقي في كل مكان، إلا أن الجميع يتصدى لي، ويقول لي: 'مافي شواغر'، اصبري وانتظري الدور'، أو يكون الجواب 'عندك واسطة، الحين بتشتغلين' وأنا ما زلت أنتظر وأصبر، ولم أيأس، كنت أتابع الصحف وأتابع إعلانات جهات العمل حتى أسرع لاهثة للتقدم الى وظيفة، معظم الوظائف تطلب الواسطة، وأغلبيتها ترفضني لأني جامعية أحمل شهادة البكالوريوس وهناك آخرون يريدونني أن أعمل بشهادتي الثانوية'، وهلم جرى! عمري اليوم 28 عاماً، وأنا لا أزال أبحث عن وظيفة، ولا أزال أنتظر حظي، ولله الحمد ما زلت صابرة منتظرة رنين هاتفي الخليوي ليبشرني بوظيفة أسترزق منها، فأنا يتيمة وغير متزوجة الى الآن، ولا أعلم ماذا سيحدث لي غداً، كيف سيكون حالي، فاليوم الكل 'نفسي نفسي' والكل يبحث ويتلاهث على مصلحته، لذا على الأقل علينا أن نؤمن على رزقنا، كي نستر عوراتنا ونأمن بها روعاتنا ونصرف على أنفسنا بدون أن نحتاج الى مساعدة مادية من أي أحد، شوفوا لنا حلا شوفوا لنا حلا، ترى والله ترى الواسطة ذبحتنا وقطعتنا ونتفتنا'·
قصة أليمة ذرفت لها دموعي، وذكرتني بمأساة بقائي في بيتي، وحبي وتعلقي الشديد بالحصول على وظيفة تخدم بلدي وتؤمن لي مستقبلي وتبني لي سمعتي، فرسالة الأخت الكريمة هذه تشكو واقع حالنا، وتوضح لنا أمراً مهماً وهو ان الوظائف والواسطة، كلمتان مترابطتان وموثقتان مع بعضهما البعض في هذه الأيام، فإن حذفنا إحداهما شلت الأخرى عن الحركة وعن الإنتاج، وهذا واقع أليم ومؤسف موجود في بعض ردهات مؤسساتنا وهيئاتنا ودوائرنا الحكومية والمحلية والاتحادية، فلا يكاد أحد منا يسأل زميله الذي توظف منذ فترة قريبة، إلا ويقول له: اشتغلت بالواسطة، وحصلت على هذه المرتبة بواسطة أبي أو عمي أو غيرهما'، فيحصل الكثيرون على وظائف حتى ان البعض منهم لا تتناسب دراسته مع وظيفته، إلا أن الواسطة سبحان الله فوق كل شيء، وهي تجعل غير الصالح للعمل وغير المتوافق للتخصص صالحا ومتوافقا لجميع المجالات والتخصصات، فالمتخصص في علم الأحياء يمكن أن يكون مديرا تنفيذيا لقسم المشتريات في إحدى الدوائر، والمتخصصة في تجارة الإلكترونيات مدرسة تربية إسلامية في مدارس الطالبات، والمتخصص في مجال الهندسة معلم فئات خاصة في إحدى مدارس ذوي الاحتياجات الخاصة، وحدث ولا حرج!
هذا أمر معاش في مجتمعاتنا، وواقع محزن ومؤثر بشكل كبير في نفوسنا، فنحن وغيرنا من الدفعات الماضية طاقات شبابية إبداعية في عمر الزهور، بودنا أن نتميز، وبودنا أن نخدم مجتمعاتنا، وبالتأكيد الفريق الثاني منا يعيل أسرا ويعيل يتامى ويعيل محتاجين· وأنا أتفق مع الأخت الكريمة 200%، ولكن هذا لا يعني أن نستسلم لشبح البطالة ولقناع الواسطة الهابطة، بل يجب أن نصبر ونتصبر ونحتسب أمرنا عند الله تعالى، فهو الواسطة لنا في الدنيا، ومن يتوكل على الله فهو حسبه، ورزقنا جميعاً عليه، وسنزيد من إصرارنا في المضي قدماً الى الأمام، بالعلم والعمل والتسلح بسلاح الإيمان ، وسنجتهد ونسعى الى ارتقاء مجتمعنا من بيوتنا، وسنخدم من حولنا ولو بالبسيط الذي نقدر عليه من جيوبنا، فكل شيء عند الله بمقدار، ونحن واثقون وموقنون بأنه يجب في يوم من الأيام أن تمحو هذه الواسطة من مجتمعاتنا، لتسود فيها شمس الأمانة والحرية والحق في حصول كل مواطن كفء وجاد وصادق في عمله ومجتهد طوال سنين دراسته من دولة الإمارات العربية المتحدة على وظيفة محترمة تليق به وترقى بواقع حاله في المجتمع، بدون أي واسطات وبدون أي تحايل ولف ودوران على مكاتب بعض الكبار من أصحاب الشأن في الوزارات وفي المؤسسات، لأن مثل ما قلت: واسطتنا هو الله سبحانه وتعالى أولاً، وشهادتنا وتعبنا واجتهادنا خلال سنوات دراستنا ثانياً، وحبنا للوطن وسعينا لخدمته ثالثاً، ونحن لها بإذن الله·
ريا المحمودي

اقرأ أيضا