الاتحاد

عربي ودولي

توماس فريدمان: القاعدة منظمة سياسية وأتباعها لينينيون

عرض - أحمد خضر:
( في غمرة ابتعادنا عن الاهتمام بثورة الاتصالات والتقدم التقني المذهل الذي أحدثته الثورة الرقمية، عندما انهارت فقاعة الدوت كوم وحولت الانتباه عن أخبار الأعمال والتكنولوجيا، وسلطت هجمات 11أيلول / سبتمبر وحرب العراق الأنظار على الشرق الأوسط تسارعت وتيرة العولمة بحيث أصبح العالم مسطحاً· يفرض علينا هذا العالم المسطح طريقة جديدة في التفكير، مختلفة عما تعلمناه في الماضي، بحيث لم يعد ميدان المنافسة مقتصراً على البلدان المتقدمة، بل اتسع ليشمل البلدان الصغيرة التي باتت الآن قادرة على دخول حيز المنافسة واللعب مع الكبار، بل والتغلب عليهم، إذا أحسنت استخدام أدوات هذا العالم المسطح·
و(العالم مسطح) هو الكتاب الأحدث للصحافي الأمريكي الشهير توماس فريدمان - ترجمة عمر الأيوبي- يضاف إلى مؤلفاته الثلاثة التي هي من أكثر الكتب مبيعاً وهي (من بيروت إلى القدس ) و (سيارة اللكسس وشجرة الزيتون محاولة لفهم العولمة ) و (المواقف وخطوط الطول: العالم بعد 11 سبتمبر) صدر الكتاب في العام الماضي (2005) و يميط فيه اللثام عن هذا العالم الجديد بأسلوب مميز في ترجمة السياسة الخارجية المعقدة والقضايا الشائكة في هذا العالم وكيف تسطح العالم في القرن الحادي والعشرين ، ومدى استطاعة الحكومات والمجتمعات التكيف معه· وفيما يلي عرض لأهم ماجاء في الكتاب
بداية يعتبر هذا الكتاب مراجعة ضرورية للعولمة بنجاحاتها وإخفاقاتها كما يراه واحد من أشهر الصحافيين في العالم يتعرض لأولئك الشباب الذين اعتبرهم محبطين جدا ويعني بذلك شباب تنظيم القاعدة فهو يقول: إن من العواقب غير المقصودة للعالم المسطح أنه يزيد التماس المباشر للمجتمعات والثقافات المختلفة بعضها مع بعض فهو يصل الناس بالناس بسرعة أكبر بكثير مما يتهيأ له الناس والثقافات في الغالب، وبعض الثقافات تزدهر بفضل فرص التعاون المفاجئة التي تتيجها هذه الألفية العالمية وبعضها الآخر يشعر بالتهديد والإحباط بل وحتى بالذل نتيجة هذا التماس الوثيق وهو إلى جانب أمور أخرى يسهل على الناس أن يروا أين يقفون في هذا العالم إزاء الآخرين ويساعد كل ذلك في تفسير بروز إحدى أكثر القوى غير المسطحة خطورة اليوم برأيه - انتحاريو القاعدة - الذين يأتون من العالم الإسلامي ومن المجتمعات الإسلامية في أوروبا ·
يخبرنا المؤلف توماس فريدمان أن تسطح العالم جاء بفضل التقاء عشرة أحداث سياسية رئيسية وإبداعات وشركات، وكذلك الأشكال والأدوات الجديدة المتعددة للتعاون التي استحدثها هذا التسطح، وهو يرى أن سقوط جدار برلين هو عامل التسطيح الأول مشيراً إلى أن كل تفجر للحرية من شأنه أن يحفز تفجراً آخر، كما عزز سقوط جدار برلين حرية انتقال أفضل الممارسات، وعندما يظهر أي معيار اقتصادي أو تكنولوجي ويثبت نفسه على المسرح العالمي يتمّ تبنيه بسرعة أكبر بعد زوال الجدار، ففي أوروبا بمفردها، فتح سقوط الجدار الطريق أمام تشكيل الاتحاد الأوروبي وتوسعه من خمسة عشر بلداً إلى خمسة وعشرين بلداً ، وقد أنشئ ذلك بالتزامن مع حلول اليورو كعملة موحدة، منطقة اقتصادية واحدة، من إقليم كان يشطره ستار حديدي ذات يوم، وهو يشير أيضاً إلى انعكاسات سقوط الجدار على سقوط الاتحاد السوفياتي نفسه بالقول: لقد أضعفت الاتحاد السوفياتي تناقضات النظام الداخلية، ومظاهر عدم فاعليته، وإلى حد ما أدت جهود غورباتشيف لإصلاح شيء لا يمكن إصلاحه إلى وضع حد للشيوعية·
المصادر الإعلامية
ويلخص عوامل التقارب وأثرها في تسطيح العالم بالقول: كانت النتيجة النهائية لهذا التقارب استحداث ساحة لعب عالمية متصلة بالإنترنت تسمح لأشكال متعددة من التعاون ـ تشارك المعرفة والعمل ـ الفوري، من دون اعتبار للجغرافيا، أو المسافة، أو حتى اللغة في المستقبل القريب· وأضاف لا يستطيع الجميع الوصول إلى هذه المنصة، أو ساحة اللعب، حتى الآن، لكنها مفتوحة اليوم أمام أناس أكثر في أماكن أكثر وبطرق أكثر من ذي قبل في تاريخ العالم ، هذا ما أعنيه حين أقول إن العالم سطح، إنه التقارب المكمل لعوامل التسطيح العشرة الذي أنشأ ساحة اللعب العالمية الجديدة ذات الأشكال المتعددة من التعاون·
وفي الفصل السابع يتحدث الكاتب عن الأزمة الصامتة بين أمريكا والعالم بدءاً من مباراة كرة السلة التي هيمنت عليها الولايات المتحدة باستمرار إلى أن اصبحت تهزم في السنوات الأخيرة إلى كل ما هو مجال للمنافسة، لكنه يأتي بكلمات محددة عالمة فيزياء أمريكية هي جاكسون والتي تقول : ( لن تسقط السماء ) ولن يحدث أي شيء مريع اليوم ، فلا تزال الولايات المتحدة المحرك الرائد للابتكار في العالم لكن ثمة أزمة صامتة في العلم والتكنولوجية الأمريكية ينبغي لنا أن نتنبه اليها ، فالولايات المتحدة تعيش اليوم في بيئة عالمية حقة ، العالم يركض الماراثون فيما نركض نحن بأقصى سرعة لمسافة قصيرة ، وإذا تركت الأمور على حالها فقد يؤدي ذلك إلى تحدي تفوقنا وقدرتنا على الابتكار·
ورأى الكاتب أن من المشاكل التي تواجهها الولايات المتحدة اليوم أن الكثير من السياسيين لا يعرفون شيئا عن العالم المسطح ، فعلى سبيل المثال فإن القيادة في الصين إذا تحدثت لهم تجد أنهم جميعا مهندسون ويتفهمون ماذا يجري على الفور أما الأميركيون فلا يتفهمونه لأنهم محامون· ويضيف فريثامان الصينيون يغامرون ويعملون بجد ويتعلمون، وكلما التقيت بسياسيين صينيين تجد أنهم جميعا علماء ومهندسون وبإمكانك الدخول في مناقشة عددية معهم ، لذا لا يكون بحثك معهم البتة من قبيل (أعطني سفينة لأحرج بها منافسي السياسيين بل إنك تلتقي بومظفين على قدر كبير من الذكاء)·
مليار نسمة
وفي معرض حديثه عن العالم العربي - الإسلامي قال: إن هذا العالم مترامي الأطراف ومتعدد الثقافات يضم أكثر من مليار نسمة يمتدون من المغرب إلى أندونيسيا، ومن نيجيريا وصولا إلى ضواحي لندن، وثمة خطورة كبيرة حسب رأي فريذمان تحف بالتعميم بشأن هذا المجتمع الديني المعقد الذي يتكون من كثير من الإثنيات والقوميات المختلفة، لكن لا يحتاج المرء إلى أكثر من تصفح العناوين الرئيسية في أي جريدة يومية لكي يدرك أن هناك غضبا وإحباطا شديدا يجيش في العالم الإسلامي عامة وفي العالم العربي الإسلامي خاصة ، حيث يبدو أن مجموعة من المشاكل تعتمل في نفوس العديد من الشبان ، ومن أوضحها الصراع العربي الإسلامي والاحتلال الإسرائيلي للأرض الفلسطينية والقدس الشرقية وهي مظلمة تسيطر بقوة على عواطف ومخيلات العرب المسلمين وطالما أفسدت العلاقات مع أمريكيا والغرب·
لكن ذلك ليس السبب الوحيد للغضب المتأجج في هذه الجتمعات فلهذا الغضب صلة أيضا بالإحباط الذي يشعر به العرب والمسلمون في بلدانهم نفسها حيث يحرم عشرات الملايين من الشبان على وجه الخصوص من فرص تحقيق قدراتهم الكاملة من خلال وظائف جيدة
ومدارس حديثة، وما يزيد من حدة هذا الإحباط أن العالم المسطح يمكن الناس من مقارنة ظروفهم بالظروف التي يعيشها الآخرون بسهولة شديدة، لقد اختار بعض هؤلاء الشبان والشابات العرب الهجرة سعيا وراء الفرص في الغرب، واختار آخرون المعاناة بصمت في البيوت على أمل حصول نوع من التغيير المواتي ·
وتساءل فريدمان ما الذي أنتج الجماعة الإسلامية العنيفة ، ولماذا تجد هذا الكم الكبير من الدعم السلبي لها رغم أنني مقتنع بأن الغالبية العظمى في العالم العربي الإسلامي لا تشارك هذه المجموعات في أجندتها العنيفة ورؤاها الدينونية ؟
وأجاب قائلا: إذا ما حدث هجوم آخر في الولايات المتحدة مماثلا لهجوم 11أيلول / سبتمر أو أسوأ فستعلو الجدران في كل مكان وسيصاب العالم بانتكاسة طويلة جدا ، وهذا هو ما يريده الإسلاميون بالضبط ·
وللرد على تهديد الانفتاح اختار المتطرفون متعمدين مهاجمة الشئ الذي يبقي على الانفتاح والابتكار والتسطح في المجتمعات المنفتحة ألا وهو الثقة ، عندما يأخد الإرهابيون أدواتهم من حياتنا اليومية - السيارة والطائرة وحذاء الرياضة والهاتف الخلوي- ويحولونها إلى أسلحة عنف عشوائي فإنهم يضعفون الثقة ، إننا نثق عندما نركن سيارتنا في الصباح في وسط المدينة بإن السيارة المجاورة لها لن تنفجر ، ليس هناك مجتمع منفتح بدون ثقة ، إذ لا يوجد عدد كاف من رجال الشرطة لحراسة كل منفذ في مجتمع منفتح وبدون الثقة لا يمكن أيضا أن يكون هناك عالم مسطح ، لأن الثقة هي التي تتيح لنا تدمير الجدران ورفع الحواجز وإزالة الاحتكاك على الحدود ، الثقة ضرورية للعالم المسطح، حيث توجد سلاسل متاجر يشترك فيها عشرة أشخاص أو مئة شخص أو ألف ، لم يلتق قط معظمهم بعضهم مع بعض وجها لوجه وكلما ازداد تعرض المجتمعات المنفتحة إلى الإرهاب العشوائي زال المزيد من الثقة ورفعت المجتمعات المنفتحة مزيدا من الجدران وحفرت مزيدا من الخنادق بدلا من ذلك·
منظمة سياسية
ويصل الكاتب إلى التعريف بمؤسسي القاعدة برأيه قائلا: إن مؤسسي القاعدة ليسوا أصوليين دينيين بذاتهم ، أي أنهم لا يتوجهون إلى العلاقة بينهم وبين الله وإلى القيم والمعايير الثقافية للمجتمع الديني ·· إنهم ظاهرة سياسية أكثر مما هم ظاهرة دينية وأنا أحب أن أدعوهم إسلاميين لينينيين ، واستخدم مصطلح ( لينينيين) لنقل الرؤية الشمولية الطوباوية للقاعدة فضلا عن صورتها الذاتية ، وكما قال أيمن الظواهري ، المنظر الرئيسي للقاعدة ، القاعدة هي الطليعة الأيديولوجية التي صممت هجماتها على الولايات المتحدة والأهداف الأوروبية الأخرى لتعبئة الجماهير الإسلامية وإمدادها بالطاقة من أجل التغيير، وعلى غرار كافة اللينينيين الصالحين فإن الإسلاميين اللينينين على يقين من أن الجماهير الإسلامية مستاءة جدا من قدرها وأن عملية جهادية رائعة أو اثنتين ضد (أركان الطغيان) في الغرب سيدفعان إلى الإطاحة بالأنظمة المتعلمنة واللا أخلاقية والظالمة التي شوهت الإسلام ، ولا يريد الإسلاميون اللينينيون أن ينشئوا مكانها جنة للعمل وإنما جنة دينية ، فيتعهدون بإقامة دولة إسلامية فوق الأراضي نفسها التي حكمها الإسلام في ذورة أمجادها يقودها خليفة ، وهو القائد الديني السياسي الأعلى الذي يوحد الشعوب الإسلامية في مجتمع واحد·
ويتابع: نشأت اللينينية الإسلامية في كثير من الأوجه من السياق التاريخي نفسه الذي نشأت منه الأيديولوجيات الأوروبية الراديكالية في القرنين التاسع عشر والعشرين ، فقد نمت الفاشية والماركسية اللينينية وترعرعتا في ظل التصنيع والتحديث السريعين اللذين شهدتهما ألمانيا ووسط أوروبا ، حيث تشتتت المجتمعات التي تعيش في القرى ذات الروابط المتلاحمة والعائلات الكبيرة فجأة وتوجه الآباء والأبناء إلى المناطق الحضرية للعمل في الشركات الكبيرة ، وفي هذا العصر من التحولات ، فقد الشبان على وجه الخصوص الإحساس بالهوية والجذور والكرامة الشخصية التي كانت توفرها البنى الاجتماعية التقليدية ، وفي ظل ذلك الفراغ ، جاء هتلر ولينين وموسوليني وأبلغوا الشبان بأن لديهم الرد على مشاعر الاغتراب والإذلال : ربما لم تعودوا في القرية أو البلدة الصغيرة ، لكنكم لا تزالون أعضاء معززين مكرمين في المجتمع الأوسع ـ الطبقة العاملة أو الأمة الآرية ·
الظواهري··ومهاتير
يستطرد فريذمان قائلاً: كان صديقي عبدالله شيلفر، وهو أستاذ للصحافة في القاهرة، يعرف أيمن الظواهري، القيادي الثاني في القاعدة بعد ابن لادن ، والمنظر الأيديولوجي ، عندما كان شاباً على الطريق ليصبح ثورياً إسلامياً جديداً ، أبلغني أثناء إحدى زياراتي إلى القاهرة أن أيمن انجذب منذ أن كان مراهقاً إلى رؤية طوباوية للدولة الإسلامية ، لكن بدلاً من الانجذاب إلى الاهتمام التقليدي للدين ـ العلاقة بين العبد وخالقه ـ انجذب الظواهري إلى الدين كأيديولوجية سياسية ·· وتابع شليفر إن الظواهري مثله مثل أي ماركسي أو لينيني اهتم ببناء مشكلة الله على الأرض ، وأصبحت أيديولوجيته الطوباوية ، وما مكان محمد عطا بالظواهري إلا نقطة التقاء الغضب بالذل بالأيديولوجية التي ستصلح كل شيء ، يقول أيمن لشخص مثل محمد عطا، ( هل ترى الظلم ؟ لدينا نظام ـ نظام انتبه نظام يمنحك العدل ، لا دين لأن الدين يمنحك السلام الداخلي ، وهذا النظام لا يحل أي مشكلة اجتماعية بالضرورة ، لكن الظواهري يقول إن لدينا نظاماً يمنحك العدالة ، هل تشعر بالإحباط ؟ لدينا نظام يمكنك من الازدهار ، هذا النظام هو ما ندعوه بالإسلامية ـ إسلام أيديولوجي عالي التسييس يستمد فيه المحتوى الروحي ـ من الإسلام ويحول إلى أيديولوجية دينية شبيهة بالفاشية أو الشيوعية ، لكن خلافاً للينيين الذين أرادوا حكم الطبقة العاملة ، وخلافاً للنازيين الذين أرادوا حكم العرق الكامل ، اي العرق الآري ، أراد ابن لادن والظواهري حكم الدين الكامل ·
واستطرد الكاتب قائلاً : تحدث إلى الشبان العرب والمسلمين في أي مكان ، تجد كلمة
(ذل) دائماً في الحوار ، لقد كان ملفتاً عندما ألقى مهاتير محمد كلمته الوداعية في 16 تشرين الأول / أكتوبر 2003 كرئيس لوزراء ماليزيا في القمة الإسلامية التي استضافها في بلده أنه بنى ملاحظاته إلى زملائه القادة المسلمين حول السبب الذي جعل حضارتهم تتعرض للذل والمهانة ـ وهي لفظة استخدمها خمس مرات ، فقال مهاتير ( لن أعدد حالات الذل والمهانة التي تعرضنا لها ، فقد كان ردنا الوحيد تزايد الغضب أكثر فأكثر ، والغاضبون لا يستطيعون التفكير بشكل صحيح ، هناك شعور باليأس يسود البلدان الإسلامية وشعوبها ، فهم يشعرون أنهم غير قادرين على فعل أي شيء صحيح ·
إن هذا الذل هو المفتاح ، فطالما اعتبرت أن الإرهاب لا ينتج عن الافتقار إلى المال ، بل يتولد عن الافتقار إلى الكرامة ، الذل هو القوة الأكثر تعرضاً للاستخفاف بقيمتها في العلاقات الدولية وفي العلاقات الإنسانية ، وعندما تذل الشعوب أو الأمم فإنها ترد بالضرب والانخراط في العنف المتطرف ، وعندما تأخذ أوضاع العالم العربي والإسلامي اليوم ، وتضيف إليه عظمة الماضي ، وتمزجه مع التميز والاغتراب الذي يواجهه هؤلاء الذكور العرب والمسلمين عندما يغادرون الوطن ، ويتوجهون إلى أوروبا ، أو عندما يكبرون في أوروبا تحصل على مزيج قوي للغضب ، أخبرني أحد الأصدقاء العرب أن خاطفي الطائرات في 11 أيلول / سبتمبر كانوا يمشون في دروب الحياة بحثاً عن مبان شاهقة ، عن أبراج يهدمونها لأنهم غير قادرين على أن يتطاولوا مثلها ·
قطع الرؤوس
وفي موضع آخر من الكتاب يتعرض لظاهرة قطع الرؤوس في العراق بالقول : تعلم ابن لادن ومقلدوه الرد علينا بالطريقة نفسها ، أتريدون أن تفهموا لماذا يقطع الإسلاميون اللينيون رؤوس الأمريكيين في العراق ثم يوزعون الصور بعد ذلك على الإنترنت والرأس الدامي موضوعاً على الجثة المقطوعة الرأس ؟ لأنه ما من شكل للإعدام أكثر إذلالاً من قطع رأس أحدهم ، إنه طريقة لإظهار الازدراء الشديد لذلك الشخص أو وجوده المادي ، وليس من قبيل المصادفة أن المجموعات التي قطعت رؤوس الأمريكيين في العراق ألبستهم أولاً السترات الرياضية البرتقالية نفسها التي أجبر سجناء القاعدة في خليج غوانتانامو على ارتدائها ، لقد عرفوا عن تلك السترات الرياضية من الإنترنت أو التلفزيونات الفضائية ، لكن يدهشني تمكنهم وهم في وسط العراق من الحصول على السترات الرياضية نفسها مصنوعة في العراق لإلباس سجنائهم ، أنت تذلني وأنا أذلك ، وماذا تظنون أن أبا مصعب الزرقاوي قال في الشريط المصور الذي نشر في 11 أيلول / سبتمبر 2004 الذكرى الثالثة لهجمات نيويورك قال : لقد اذاق المجاهدون الائتلاف الدولي طعم الذل ·· وهي الدروس التي ما زالوا يكتوون بنارها ·
وقال فريذمان : إنني مقتنع بأن العرب والمسلمين لم يكونوا يحتفلون بموت ثلاثة الآف أمريكي بريء في 11 أيلول / سبتمبر ، وأعرف أن أصدقائي العرب والمسلمين لم يكونوا كذلك ، لكن العرب والمسلمين كانوا يحتفلون بفكرة توجيه لكمة إلى أمريكا التي تدعم إسرائيل بما هو صحيح أو خاطىء ·
ويورد الكاتب حوارا تم بينه وبين بعض الشبان الفلسطينيين جرى في العام 2004 حيث يقول عندما كنت في الضفة الغربية أصور فيلما وثائقيا آخر عن النزاع العربي الإسرائيلي ، وكجزء من ذلك المشروع توجهت إلى رام الله وأجريت مقابلات مع ثلالثة شبان فلسطينين أعضاء في تنظيم فتح بقيادة ياسر عرفات· كان الأمر المدهش في المقابلة تقلب مزاج هؤلاء الشبان من الياس الانتحاري إلى التطلعات الحالمة ، وعندما سالت أحد الثلاثة ، محمد معطف ، ما هو أسوء ما في العيش في ظل الاحتلال الإسرائيلي فقال الحواجز العسكرية ، عندما يطلب مني أحد الجنود خلع ملابسي أمام الفتيات ، ذلك إذلال كبير لي أن أخلع قميصي وبنطولي وأستدير فيما الفتيات واقفات ، وتابع يقول إن ذلك من الأسباب التي جعلت كل الشبان الفلسطينين اليوم انتحاريين ينتظرون أن يحين دورهم ، وقد أسماهم (الاستشهاديين المنتظرين) فيما هز رفيقاه رأسيهما تعبيرا عن الموافقة ، وحذراني من أنه إذا حاولت إسرائيل قتل ياسر عرفات الذي كان لا يزال حيا في ذلك الوقت (وقائدا يعرف كيف يثير الذكريات فحسب لا الأحلام ) فسيحولون المنطقة بأكملها إلى جحيم ، وللتشديد على هذه النقطة أخرج معطف محفظته عرض أمامي صورة عرفات ، لكن ما لفت انتباهي هي صورة فتاة إلى جانبها ·
سألته ، (من تكون) ؟ أوضح لي انها صديقته ، واحمر وجهه قليلا ، إذا هاي هي محفظته - يوجد ياسر عرفات في جهة منها وهو مستعد للموت في سبيله وصديقته في الجهة الأخرى وهي التي يريد العيش من أجلها ·
وبعد بضع دقائق استبدت العاطفة لأحد زميليه أنس عشاف ، كان الوحيد الملتحق بالجامعة بين الثلاثة ، كان يدرس الهندسة في جامعة بيرزيت قرب رام الله ، وبعد حديثه الحماسي عن استعداده للموت أيضاً من أجل ياسر عرفات ، بدأ يزداد فصاحة في الحديث عن رغبته الشديدة في الذهاب إلى جامعة ممفيس ، حيث يعيش عمه ، لدراسة الهندسة ، لكن لسوء الحظ كما قال ، لا يستطيع الحصول على تأشيرة لدخول الولايات المتحدة الآن ، ومثل زميليه ، أبدى عساف استعداده للموت من أجل عرفات ، لكنه يريد ايضاً الحياة للدراسة في جامعة ممفيس ·
وقد وصف فريدمان هؤلاء الشباب بالقول : هؤلاء فتيان طيبون ، وليسوا إرهابيين ، لكن الذين يقتدون بهم رجال غاضبون ، وأمضى هؤلاء الشباب الكثير من الوقت يتخيلون كيف يمكنهم التنفيس عن غضبهم دون أن يدركوا إمكاناتهم ·
واستعاد في هذا المجال قصة زيارة قام بها لإحدى المدارس في أمريكا للتدليل على أن هذا الجيل ليس إرهابياً فيقول : سألت الأطفال ماذا يريدون أن يصبحوا عندما يكبرون ، فجاءت الإجابات كما يلي : رائد فضاء ، طبيب أطفال ، شاعرة ، فيزيائي وكيميائي ، عالم ورائد فضاء ، ( جراح ) ( رجل مباحث ) ( مؤلف ) · واستطرد قائلاً : كلهم حالمون ، يعملون وليسوا استشهاديين ينتظرون ·
واختتم فريدمان كتابه قائلاً : دعوني أنهي البحث بنقطة أخيرة ، ذهبت ابنتي إلى الجامعة في خريف سنة 2004 وقد أوصلناها أنا وزوجتي في يوم دافىء من أيام أيلول / سبتمبر ، كانت الشمس ساطعة ، وابنتنا مفعمة بالحماسة ، لكن بوسعي القول بصراحة إنه كان من أتعس أيام حياتي ، ولا يتعلق الأمر بأن يوصل أب ابنته الكبرى إلى الكلية ، بل ثمة شيء آخر أقلقني ، ، إنه الإحساس بأنني أوصل ابنتي إلى عالم أكثر خطورة بكثير من العالم الذي ولدت فيه ، شعرت أن بوسعي أن أعد ابنتي باستعادة غرفة نومها ، لكن لم أكن استطيع أن أعدها بالحصول على العالم ـ ليس بالطريقة الخالية من الهموم التي استكشفتها عندما كنت في سنها ، لقد أزعجني ذلك حقاً ولا يزال ·

اقرأ أيضا

إصابة فلسطيني بنيران الاحتلال في الضفة