الاتحاد

دنيا

طوي عشبة الإماراتي يخطف الخنجر الذهبي


دبي ــ إبراهيم الملا:
بحضورعربي طاغ وتواجد دولي وإعلامي فقيرنسبيا، اختتم مهرجان مسقط السينمائي مؤخرا دورته الرابعة بزخم قد يكون أكبرمن الدورات السابقة، ولكن المعالم الضبابية لهوية المهرجان مازالت مقترنة بغياب الأهداف الرئيسية المنبثقة من عنوانه ، حيث ازدحمت فعاليات المهرجان بالأفلام العربية الطويلة والقصيرة ، وخفت ضوء الحضورالدولي والجوائز المخصصة لأفلامه - عدا تخصيص جائزة واحدة فقط لأفضل فيلم أجنبي ـ
هذا الحضور العربي المكثف أفرزمشكلة أخرى تمثلت في عدم استيعاب القدرة التنظيمية لإدارة المهرجان لكامل الأنشطة والفعاليات المرافقة، وكان ذلك واضحا في اختلاط المسميات وفي الصلاحيات المربكة للنقاد وفي التوزيع العشوائي لجداول العروض، وعدم وجود كتيبات أو ملصقات إرشادية مخصصة للجمهور، وكان واضحا أن القدرات التنظيمية لم تتوفر بعد على إمكانيات تضعها في مجال مقارنة أو منافسة مع مهرجانات عربية أخرى استطاعت خلق نوع من التوازن الفني والكمي للأفلام المشاركة فيها، مثل 'مهرجان دبي' الذي ولد ناضجا وواثقا من قدراته وسطوعه الإعلامي منذ البداية، ومهرجانات أخرى اعتمدت على تاريخها وعمق تجربتها في هذا المجال كمهرجاني القاهرة وقرطاج·
أول فيلم عماني
جديد المهرجان هذه المرة تمثل في احتضانه لفيلم 'البوم' كأول إنتاج سينمائي خالص في سلطنة عمان، وبإدارة المخرج خالد الزدجالي الذي كتب قصة الفيلم أيضا ، وتدورأحداث القصة في بيئة عمانية معاصرة حول حياة مجموعة من الصيادين يعيشون في قرية تشتهر بصناعة سفن 'البوم'·
ويظهر الفيلم عددا من المشاكل التي تواجه هؤلاء الصيادين الذين ظنوا في البداية أنها من صناعة الصدف والحظوظ السيئة، لكنهم يكتشفون بمرورالوقت وجود أياد خفية وراء ما يواجهون من عقبات· ويشارك في الفيلم عدد كبير من الفنانين العمانيين يتقدمهم صالح زعل والفنانة فخرية خميس·
ويعتبر هذا العمل إضافة أخرى للحركة السينمائية الناهضة في منطقة الخليج، ورغم الأخطاء والهنات التي برزت في ثنايا السيناريو كما هي العادة مع كل التجارب السينمائية الأخيرة في المنطقة، إلا أن فيلم 'البوم' كان أكثر هذه التجارب نضجا وبحثا عن لغة خاصة، ورغم أن حداثة التجربة لم تسعف الفيلم في التماسك إلى النهاية، إلا ان البشارات الأولى في الاستمراروالتأكيد على التجربة كانت واضحة من خلال الجدية في طرح العمل، أوعلى الأقل من ناحية الإصرارعلى تنفيذ الفكرة العامة للمشروع، ومقاومة الاحباطات الداخلية قبل هجوم الاحباطات الخارجية المتمثلة في نقص الكوادرالفنية وعدم وجود أرضية مهيأة للسينما في كونها ثقافة ووعيا وحراكا مستمرا قبل أن تكون مرتبطة بالتمويل وحده أو بالتسهيلات الإنتاجية·
'طوي عشبة'
بعد حصوله على ذهبية 'أفلام من الإمارات' بالمجمع الثقافي بأبوظبي، والنخلة الذهبية لمهرجان بغداد السينمائي الأول، وعلى عدة تنويهات في مهرجانات دولية، واصل الفيلم الإماراتي القصير 'طوى عشبة' تألقه في مهرجان مسقط وحازعلى 'الخنجرالذهبي' عن فئة الفيلم الروائي القصير، والفيلم الذي أخرجه 'وليد الشحي' يتحدث وبلغة رمزية وشعرية عالية عن ثيمة العطش، وعن الإسقاطات الأخرى العميقة لهذه الثيمة من خلال قصة رجل يبحث من خلال أمل مستحيل عن ابنته التي غيبها القحط وسرقها العطش نحو مجاهيله المعتمة، دون رحمة، ودون انتظار لهدايا السماء ولغيومها المتحجرة في الأعالي·
أثبت فيلم 'طوي عشبة' أيضا أن الرهان الحالي على نضج التجربة السينمائية في الإمارات إنما ينبع من خلال التجارب الفيلمية القصيرة، وأن الفيلم الطويل ما زال بحاجة لتراكمات وبحث جمالي وتأسيسي متواصل، وإلى تكوين قاعدة ثقافية تنظر للسينما كفن مستقل ومتحررمن هيمنة الإنتاج والتسويق·
لقد أصبح للفيلم القصير في الإمارات ملامح واضحة، وثقة نابعة من التحكم في الأدوات الإخراجية، وتوليد النص السينمائي المكثف والمتماسك، كما أن هذا التوجه المخلص لخياراته في تجربة الفيلم الإماراتي القصير استطاع في الفترة الحالية على الأقل أن ينتج أفلاما بجودة عالية وبمضمون حافل بالرؤى والأفكار الجريئة والمتميزة مقارنة بمثيلاتها في الدول الخليجية والعربية·
'بابا عزيز'
الأفلام القصيرة الأخرى التي حازت جوائز مهمة في المهرجان تمثلت في فيلمي 'نساء بلا ظل' للسعودية هيفاء المنصور، و'خيوط تحت الرمال' للقطري خليفة المريخي، أما الأفلام الروائية الطويلة فقد ذهبت في الاتجاه الذي لم يخرج كثيرا عن توقعات الجمهوروالنقاد معا، حيث خطف فيلم 'بابا عزيز' للمخرج التونسي الناصرخمير'الخنجرالذهبي'، ويعتبرالفيلم تكملة للثلاثية المشتغلة على عوالم العشق والأساطيروالطقوس الصوفية للشرق
القديم، والتي بدأها المخرج بفيلمه الملحمي ··'طوق الحمامة المفقود'، ومعروف عن ناصرخمير ميله الكبيرلاختراق الأزمنة المغيبة في كتب التراث والى إحيائها من خلال الصورة السينمائية الفائضة بجماليات الشرق المتخيل والبعيد·أما الخنجر الفضي فكان من نصيب الفيلم المصري المميز'ملك وكتابة' الذي أخرجته كاملة أبوذكري، وذهب الخنجر الفضي مناصفة للفيلميين 'بحب السينما' للمصري أسامة فوزي، و'تحت السقف' للسوري 'نضال أبو دبس'، وأثبتت هذه الجوائز أن السينما المصرية أصبحت أكثر ميلا في الفترة الأخيرة للسينما المختلفة التي استطاعت من خلال الوعي الجديد لمخرجيها أن تتخلص من املاءات الفيلم التجاري، وأن تنحاز للتيارات الفنية في السينما، والتي دائما ما تتحصل على أصداء واحتفاءات مشجعة في المهرجانات الدولية، ولعل فيلم 'عمارة يعقوبيان' الخارج بقوة للمشاركة في المهرجانات الخارجية القادمة، سيمثل بلا شك أحد الرهانات الكبيرة في السينما المصرية الجديدة والمتمردة على إرث طويل من الهيمنة الإنتاجية والقبضة الخانقة لشروط السوق·

اقرأ أيضا