الاتحاد

تقارير

أميركا.. ومواجهة الإرهاب في أفريقيا

اختطفت جماعة «بوكو حرام» الإرهابية مئات التلميذات النيجيريات لتستغلهن كسبايا، وأردى تنظيم «القاعدة» عشرات الضحايا في فندق «سبلنيديد بمنطقة «أوغادوغو» في بوركينا فاسو. وهاجم إرهابيون آخرون فندق «راديسون بلو» في مالي، بعد أسبوع واحد من هجمات تنظيم «داعش» في باريس. وتعاني الدول الأفريقية من اعتداءات إرهابية وتفجيرات وهجمات انتحارية بصورة منتظمة.
فكيف ترد الولايات المتحدة على هذه الهجمات الإرهابية المتزايدة في أفريقيا؟
اكتشفت القيادة الأميركية هناك طريقة حكيمة لإحداث اختلاف كبير من دون تجاوز أوامرها. ولكن مع استمرار مشكلة التمرد هناك، لا يزال على الولايات المتحدة البحث عن سبل لتعزيز مهمتها وأهدافها.
وفي الوقت الراهن، تعتمد السياسة العسكرية الأميركية على المتابعة بين عمليات مكافحة التمرد ومكافحة الإرهاب في تعاملها مع الأحداث الإرهابية في القارة السمراء.
وتستهدف عمليات مكافحة الإرهاب بقسوة الأشخاص المتورطين في هجمات عنيفة (أو يخططون لاعتداءات) على الولايات المتحدة أو حلفائها. والهدف المعلن من وراء هذه العمليات هو: «تدمير أعدائنا، أو على أقل تقدير أن نجعل من الصعب عليهم مهاجمة أصدقائنا». وفي الوقت الراهن، تقوم الولايات المتحدة بعمليات مكافحة إرهاب، من خلال قواتها الخاصة وطائراتها من دون طيار المسلحة، في اليمن وأفغانستان.
والطريقة الأخرى الأساسية هي «مكافحة التمرد». وتحاول من خلال هذه الاستراتيجية تعزيز الهياكل الاجتماعية المحلية من أجل «الفوز بالقلوب والعقول»، لكي يمتنع المواطنون المحليون عن دعم المقاتلين المسلحين. وتتضمن عمليات مكافحة التمرد معارك مباشرة أو إجراءات شرطية محدودة ضد الإرهابيين أو المتمردين لحماية الجهود الرامية إلى بناء مجتمع محلي فعال. ولكن هدفها الحقيقي هو تعزيز دولة مستقرة واجتماعية من المستبعد أن تنحدر إلى براثن الإرهاب، وعادة ما يكون ذلك من خلال تطوير الهيئات الحكومية والنيابية، مثل الدساتير وحقوق التصويت والاستثمارات المحلية، وتدشين بنية تحتية من شأنها تحسين حياة المواطنين.
غير أن «القيادة المركزية الأميركية في القارة الأفريقية» المعروفة بـ «أفريكوم» تختلف عن القيادات العسكرية الأميركية الأخرى كافة. لا سيما أن تحقيق التوازن بين «مكافحة الإرهاب» و«مكافحة التمرد» أمر يتسم بصعوبة خاصة في أفريقيا. وتسيطر «أفريكوم» على الأنشطة العسكرية في القارة، كما أن معظم القيادات المقاتلة الإقليمية الأخرى، مثل «قيادة الباسيفيك»، التي تضطلع بأنشطة عسكرية خالصة.
وأما في حالة «أفريكوم»، يبدو الوضع مختلف تماماً، ذلك أنه رغم قيامها بمهام عسكرية حتى قبل هيكلتها في كان تأسس عام 2008، إلا أن قادتها يشرفون أيضاً على جهود وزارة الخارجية الأميركية ووكالة التنمية الدولية، إضافة إلى إدارة مقراتها العسكرية.
وكان التصور الأساسي لـ«القيادة الأميركية في أفريقيا» هو أن تكون قيادة غير مقاتلة مع «تأثير محدود» في القارة. وهدفها هو التنسيق على الأصعدة الدبلوماسية والتنموية والسياسات الدفاعية مع الحفاظ على تواجد محدود في أفريقيا، وتفادي المهام القتالية المباشرة. وكان الغرض من هذه القيود هو طمأنة الحكومات الأفريقية الخائفة من وجود طموحات استعمارية جديدة، كما أن الولايات المتحدة لا تزال تتخذ مواقف حذرة في أفريقيا منذ تواجدها في الصومال عام 1993.
ونتيجة لذلك، تراجع التأكيد على العمليات الدفاعية لصالح الدبلوماسية والتنمية المدنية. وركزت العمليات العسكرية التي تم السعي لتنفيذها على أنشطة تدريب وتجهيز جيوش الدول الحليفة للولايات المتحدة بحيث يمكنها حماية الجهود التنموية الدائرة. وعليه، تظهر المشكلة الحقيقية عندما لا تستطيع «أفريكوم» محاربة الإرهاب. فمنذ سقوط «معمر القذافي» تاركاً ليبيا في اضطرابات عنيفة ومن دون حكومة واضحة، ظهر على الساحة متطرفون في أنحاء الصحراء الشاسعة في دول ضعيفة على طول الحدود الجنوبية، في المنطقة المعروفة باسم «الساحل». ورغم جهود «أفريكوم» منذ أعوام لبناء جيوش شريكة في الدول الساحلية، مثل مالي والنيجر وبوركينا فاسو ونيجيريا، إلا أن هذه الجيوش أصبحت إلى حد كبير غير ملائمة في محاربة هذه الموجة الجديدة من المتطرفين.
وكان الحل هو إرسال طائرات من دون طيار غير مسلحة للمساهمة في عمليات المراقبة والاستطلاع، مع استمرار تدريب وتجهيز الحلفاء مثل نيجيريا والكاميرون لتشكيل تعاون إقليمي بين هؤلاء الحلفاء. وأحدثت الطائرات من دون طيار غير المسلحة توازناً ملائماً، إذ تخلت «أفريكوم» عن المغامرات العسكرية وفق مهمتها، بينما تساعد شركائها بصورة مكثفة. لكن على الرغم من أن استخدام الطائرات من دون طيار كان حلاً مبتكرا، إلا أنه يواجه عقبات، لا سيما أن رموزاً محلية شعبية شعرت بالقلق من أن قلة أعداد الجنود الأميركيين غير المحاربين يمكن أن تؤدي إلى زعزعة استقرار المنطقة.

*أستاذ مساعد للدراسات العسكرية المقارنة في كلية القيادة الجوية والأركان في «مونتجومري»
يُنشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفيس»

اقرأ أيضا