الاتحاد

الاقتصادي

صناعة النفط العالمية تصطدم بتراجع أسعار الخام

عمال يخرجون من منصة نفط بحرية حيث تتراجع الاستثمارات في الصناعة مع تراجع أسعار الخام

عمال يخرجون من منصة نفط بحرية حيث تتراجع الاستثمارات في الصناعة مع تراجع أسعار الخام

يبدو أن انخفاض أسعار النفط بات أشبه بمسألة الإدمان على العقاقير المسكنة، فهو يوفر نوعاً من الارتياح على المدى القصير، بينما يتسبب في آلام خطيرة على المدى الطويل· فقد استغرق الأمر فترة تزيد على الأربع سنوات حتى يتمكن النفط من الارتفاع من مستوى 35 دولاراً للبرميل في عام 2004 حتى يصل الى 147 دولاراً في يوليو الماضي· وعلى النقيض من ذلك فإنه لم يحتاج سوى الى فترة تقل عن ستة أشهر فقط لكي ينخفض مجدداً الى مستوياته الأولى· أما بالنسبة للأعمال التجارية والشركات وجموع المستهلكين الأكثر تأثراً من غيرهم في الولايات المتحدة وأوروبا وسائر كبريات الدول الأخرى المستوردة للنفط فإن انهيار الأسعار ما زال لا يمثل سوى شعاعاً واحداً من الضوء في كامل الصورة السوداء المعتمة للاقتصاد العالمي· ولكن انخفاض الأسعار من جهة أخرى أصبح يشكل صدمة لصناعة النفط العالمية بحيث أخذ يعيد تشكيلها بطرق لا تحظى في كثير من الأحيان بالترحيب والقبول من قبل جموع المستهلكين·
وفي الوقت الذي لا تزال فيه التداعيات والآثار الناجمة لم تظهر بكاملها بعد فإن ''الصناعة أصبحت أصلاً تعاني من الصدمة نسبة لحدوث جميع هذه التغيرات في وقت سريع جداً'' بحسب دانييل ييرجن في معهد كامبريدج لبحوث الطاقة·
وعلى كل، فإن هذه التداعيات أصبحت واضحة للعيان في تأجيلات وإلغاء المشاريع والجهود الرامية لخفض التكاليف الى جانب المشاكل والمصاعب المالية التي تمسك بخناق العديد من الشركات·
لذا فقد أصبحت المزيد من أنواع النفط الباهظة التكلفة والموارد البديلة مثل الوقود الإحيائي تواجه تهديدات سافرة، ويقارن ييرجن التهديد الذي يواجه النفط غير التقليدي بذلك الانهيار الذي شهدته أسعار النفط أثناء الركود الذي وقع فيه الاقتصاد العالمي في أوائل حقبة الثمانينات عندما وجدت شركة اكسون نفسها مجبرة على التخلي عن مساعيها الباهظة التكلفة لاستخراج النفط من التضاريس الصعبة في جبال كلورادو·
ولم يقتصر الأمر فقط على وقود النقل الذي ينافس النفط الخام بصورة مباشرة· فلقد أصبحت أسعار النفط الخام ترتبط بشدة بأسعار الغاز الطبيعي - أما بشكل رسمي في العقود في مناطق مثل الاتحاد الأوروبي واليابان وعبر سبل غير رسمية في مناطق أخرى - بحيث أدى ذلك الى انخفاض مماثل أيضاً في أسعار الغاز، وهو الأمر الذي يلقي بظلال من الشكوك حول أشكال الموارد الأخرى التي تتنافس مع الغاز بما في ذلك الطاقة النووية وأشكال الطاقة المتجددة مثل الرياح والفحم والطاقة الشمسية· فالنفط الرخيص من شأنه أن يضعف الحافز لدى الشركات والمستهلكين على حد سواء في تبني الوسائل التي تعمل على تقليل وترشيد استخدامات الوقود·
ويقدر جيسي توبراك المدير التنفيذي لموقع أدموند· كوم الأميركي المتخصص في مبيعات السيارات أن البترول بسعر 4 دولارات للجالون سوف يعني أن السيارة الهجين التي تعمل بالبترول والكهرباء سوف تتمكن من دفع ثمنها في فترة عامين أو ثلاثة·
أما بسعر أقل من دولارين للجالون فإن السيارة لن تتمكن من استرجاع ثمنها إلا في فترة سبع أو ثماني سنوات· علماً بأن البترول الذي بلغ ذروته بسعر 4,10 دولار للجالون في الصيف الماضي أصبح يباع الآن بسعر 1,66 دولار للجالون· لذا فإذا ما أرادت الإدارة الأميركية الجديدة أن تسرع وتيرة استخدام السيارات الهجين فليس أمامها خيار سوى أن تتجه الحكومة الى دعم وتشجيع إنتاج هذا النوع من السيارات، بحسب توبراك·
وإبان مؤتمر الدول المنتجة والمستهلكة للنفط الذي عقد في لندن في شهر ديسمبر المنصرم حذر علي النعيمي وزير النفط السعودي من أن العالم يحتاج الى نفط بسعر لا يقل عن 75 دولاراً للبرميل من أجل إدامة الاستثمارات على الإنتاج التقليدي والبحوث الخاصة ببدائل الطاقة على حد سواء·
ومضى يقول ''إن الأسعار الحالية من شأنها أن تضعف حالة الصناعة وتهدد الاستثمارات الحالية والمستقبلية''·
وربما يعتقد البعض أن مثل هذه التصريحات تخدم مصالح المملكة العربية السعودية، المنتج الأكبر في العالم للنفط إلا أنها وجهة نظر يتفق عليها العديد من المحللين والخبراء في الصناعة·
و أشارت وكالة الطاقة العالمية الجهة المراقبة للنفط لمصلحة الدول الغنية الى أن الانخفاض الحاد في الإنتاج من حقول النفط التقليدية بات يعني أن الحقول الجديدة يجب العمل على فتحها باستمرار وذلك ببساطة من أجل الاحتفاظ بتدفق نفس الكميات من الإنتاج حتى تتمكن من مقابلة الطلب المستقبلي الهائل المتوقع خاصة من الاقتصادات الناشئة كالصين والهند· فعندما يستعيد الاقتصاد العالمي انتعاشه وعافيته فإن المزيد من النفط وموارد الطاقة الأخرى سوف يحتاجها العالم بلا شك·
وعلى العكس من ذلك، ففي حال عدم ضخ الاستثمارات في إمدادات الطاقة فسوف تصبح هذه الإمدادات محدودة ونادرة وبشكل يؤدي الى ارتفاع الأسعار مجدداً ولربما الى مستويات أعلى بكثير مما شهدته في الصيف الماضي·
ويدعي أحد المحللين في مختبرات سانديا الوطنية، مركز البحوث الحكومي الأميركي الخاص ببحوث الأمن القومي، أن تقلبات وهشاشة الأسعار باتت تعتبر أحد أكثر المعوقات خطورة أمام تطوير موارد الطاقة البديلة·
وذكر أن الدول والشركات المنتجة ربما لديها مصلحة في الاحتفاظ بالأسعار في مستويات عالية· إلا أن انخفاض الأسعار الى مستوى بقيمة 10 دولارات للبرميل على سبيل المثال من شأنه أن يلحق أضراراً جسيمة باقتصاديات أي من هذه البدائل وبشكل يجعل الكل ينأى بنفسه عن الخوض في تطوير هذه البدائل·
أما المحللون من أمثال فيليب جوردون في معهد بروكينجز للبحوث فقد أشار من جانبه الى أن واشنطن بات يتعين عليها أن تفرض سعراً للنفط لا يقل عن 60 دولاراً للبرميل حتى تتمكن من منح المستثمرين المصداقية والقدرة على الاستثمار في الموارد البديلة· إذ أن ضرائب البترول المرتفعة خاصة في أوروبا بإمكانها أن تشجع على ترشيد استخدامات الوقود وتملك السيارات التي تعمل بالكهرباء في الولايات المتحدة الأميركية، إلا أنها ما زالت تثير جدلاً محتدماً حولها·
لذا فإن أحد الأجوبة على هذه المشكلة يمكن أن يتمثل في سعر الكربون بحيث يتم المضي قدماً في فرض تكلفة على انبعاثات ثاني أوكسيد الكربون والعمل على مكافأة الاستثمارات في الوقود الإحيائي والطاقة النووية وسائر أنواع الوقود غير الاحفوري· وإذا ما تم رفع أسعار الكربون بشكل كاف فإن الاستثمارات سوف تعود بقوة في مجال الموارد البديلة، إلا أن من المؤكد أن الحصول على هذه الاستثمارات وعودتها من شأنه أن يدافع عن أمن الطاقة المستقبلي ولكنه سوف يحتاج أيضاً الى المزيد من التدخل الحكومي·

عن ''فاينانشيال تايمز''

اقرأ أيضا

«موانئ دبي» تفتتح منصة كيجالي اللوجستية