منذ اللحظة التي أطلقنا فيها صفحتي الإبداع الجديدتين بملحق الاتحاد الثقافي لأول مرة في العشرين من يوليو الماضي، ونحن نتلقّى عشرات القصائد والنصوص القصصية والسردية من مختلف أنحاء العالم العربي، كان استقبال المبدعين والقراء احتفائياً بالصفحتين، واحتفالياً بالنصوص التي تضمّنتها، وهو ما جعلنا نوقن أننا إزاء مساحة إبداعية جديدة تحتاجها لحظتنا الثقافية الراهنة، وسيدفعنا هذا الترحيب الجميل إلى أن نكون عند حسن ظنّ قرائنا ومبدعينا بنا على الدوام. بدايتنا اليوم ستكون مع قصيدة للشاعرة السورية نسرين أكرم خوري، حيث الشعر في بساطته الآسرة، وهو يرقب اليد التي تتحسس خرائط أحياء دمشق، كأن الأمكنة القديمة أصبحت مجرّد خطوطٍ مرسومة على ورق، تتعامل خوري مع اللغة بعفوية طفلة تلعب، فتضعنا أمام حالة الخسران التي تشعر بها أمام الحدث السوري في أغواره العميقة: «بذَّر كلّ شيء / واحتفظ لنفسه بإبرة / قال: تلزم / ثم قعد ينفخ كيس حياته الفارغ / ويلوّح بالإبرة أمامه». أما القاص الفلسطيني سليم البيك، أو قل المخرج السينمائي الذي لا ينسى تفصيلة أو لوناً أو شكلاً أو جزءاً من المشهد الذي يبرع في رصده لنا، فيحولنا جميعاً إلى مشاهدين أمام شاشته العملاقة وهو يترقب لقاءه «الثالث الأوّل» بفتاته: «تلك الفِتنة المتجسّدة في امرأة تلمّ شعرها»، والتي ينازع تردده في الاقتراب منها، بكتابة البطء مجسداً، وإنْ لم نعدم كذلك لغته اللاهثة من فرط الترقب. ويقدم لنا الشاعر الليبي عاشور الطويبي المقيم بالنرويج، قصيدتين قضّتا من حجر اللغة، تشعر حين تقرأ الطويبي كأنك أمام راهب معتكف في معبد على قمة جبل، عمله اليومي هو تقطير مئات الزهور ليقدم لك قطرة عطر جدّ صغيرة، لكنها القطرة التي تكمن فيها خلاصة الرائحة، ثمة قانون لُغوي ما يحكم قصيدة الطويبي، كأنه يكتب ما يشبه الهايكو: «ليت يدي الأخرى جرادةٌ حطّت بعد شبع». وإذا كان سليم البيك اتخذ من فتاته بطلة لنصه، فإن القاصة الإماراتية مريم الساعدي تقترب من تفاصيل الحياة أكثر وهي تتبع الفتى الذي كُتب عليه أن يكون رجلاً قبل الأوان، في رحلته للبحث عن عمل: «رحيل والده كان مفاجئاً بشكل لم يستطع استيعابه، لكن لم يكن الوضع مناسباً لرفاهية الحزن». تكتب الساعدي لغة بصرية تعتمد رصد التفاصيل الصغيرة ووضعها، واحدة بعد أخرى، في سياق سردي يعتمد في بنائه على الجمل القصيرة الخاطفة، كما لو كانت ترسم مشهداً برأس فرشاة. ويحاول الشاعر المصري مهاب نصر أن يجد لنفسه عصا اتزان فوق حبل الحياة الطويل في قصيدته، هو الذي يقول لحبيبته: «أنا وأنت مثلاً، نصنع قوارب صغيرة من الورق، ونسمِّيها: الحب»، وبين الأمطار التي «توخز اليد» وقوارب الحب الورقية، يقدم لنا صاحب «يا رب أعطنا كتاباً لنقرأ» حالة من الأسى الشفيف، تنتهي بشخصين ناجيين من معركة الحياة. وختاماً، نقدم في هذا العدد كاتبة شابة من تونس الخضراء، تكتب القصة القصيرة جداً، هي زينب هداجي، ليكون لدينا في المحصلة اليوم ثلاث مبدعات عربيات من الإمارات وسوريا وتونس، إلى جوار ثلاثة مبدعين من مصر وفلسطين وليبيا، فأهلاً بهم وبكم. خسارات كبيرة نسرين أكرم خوري سوريا (1) بذّر رئتيه على التَّبغ شتائمه على البلاد عينيه على الكتب جاراته على العلاقات العابرة حبيباته على الوداع قدميه على العثرات أهله على الطّبيب النفسي بذَّر كلّ شيء واحتفظ لنفسه بإبرة قال: تلزم. ثم قعد ينفخ كيس حياته الفارغ ويلوّح بالإبرة أمامه. (2) كنّا نرى الابتسامةَ نافذة والقلبَ بحراً التدلّي عناقاً طويلاً وشروقَ الشّمسِ رائحة المطرَ أجنّةً والصّحوَ نشوة. كنّا نزوّجُ الفصول بلا خواتم ونرشّ الرّزّ والمُلبَّس لأسراب السّنونو المهاجرة كنّا نهيّء فتحةً في الجدار للغراب الأعرج، في الأرض لبيوض العظاءة ونكنسُ الخرافات كلّها. سمّينا البيت عالماً وقلنا: هكذا لن يفنى. (3) لطالما كنتُ فرداً من العائلة الصغيرة أتحرّك في حيّزٍ ضيّقٍ خصّصوه لي لذا أتعامل مع فكرة «ربة المنزل» برعب حيوانٍ أليف أطلقوه في غابةٍ فسيحة صدري لا يتّسع لكلّ هذا الهواء والملابس التي تدور في الغسالة أملك نصفها، الشَّعر الأشقر المتناثر على البلاط المنقوش تهمتي وحدي، مهمّة إرخاء السّتائر الزّرقاء موكلة إليّ، حتّى ذلك الرجل المضطجع على الأريكة كلّه لي. .. لماذا لم يخبرني أحدٌ أن الرّحابة تبدّد العزلة بهذا الشكل المريب؟ (4) غرّةٌ قصيرة لا تردّ الصّداع ولا الكوابيس، غرّةٌ قصيرة تخفي خلفها ندبة قديمة وذنوباً كثيرة، غرّةٌ قصيرة مُسدلةٌ فوق جبينٍ ضيّق لامرأةٍ صغيرة الحجم تزعق في الليل، تعصّب رأسها في النهار، وتفكّر بارتكاب خطيئةٍ جديدة، بينما تزيحُ لها غرّتها وتقبّل الندبة القديمة. (5) أنا مدرّسةُ الكلمة الواحدة: اُرسمْ مثلثاً صغيراً، ضع له يداً قصيرة، دعها تمسك بحرف الباء، هل نسيته؟ الذي يشبه بسمةً عريضةً، لا هذا «نون»، عنيت ذلك الذي نضع النقطة تحته مثل طابع الحسن على ذقنك. حسناً حصلنا على «حُبّ» يعني Love املأ الصفحة بهذه الكلمة برافو، لقد تخرّجت الآن لا تصدّقهم مهما علّموك، لن يلزمك غيرها. .. أنا مدرّسةُ الكلمة الواحدة أقول ذلك للصّبيان والبنات بعد أن يفقدوا أوّل أسنانهم ويخرجوا من فتحته لغةً بأسرها. (6) أفتح خارطة دمشق أحرّك إصبعي على طول شارع «مدحت باشا» ثمّ أنعطف إلى «الميدان» في الوقت ذاته أحرّك إصبعاً ثانياً في شارع «بغداد» ثمّ أنعطف إلى «الأموي» من دون أن تعيقني زحمة السير أو يوقفني أي حاجز، يتابعان تنقّلهما حتّى أجعلهما يلتقيان في «سوق ساروجة» يتبادلان التّحايا - هل وجدته؟ - لا، وأنت؟ - لا. - جيّد، فلنعطها مبرّراً آخر للغيرة. (7) أشتهي أن أقايض آخر عشر سنوات بدرّاجة هوائية أن توقفني امرأةٌ لتروي لي قصة حياتها أقول لها: لماذا أنا؟ تقول لي: لأنّكِ أصغر بعقد وأكبر بدرّاجة. تماماً وهي تهمّ بدخول الثّلث الأخير من الحديث أدفع بساقيّ الفتيّتين الدواسات  متجاوزةً ترهّلات قلبها. (8) حاولت إخبارك مراراً بأنني امرأةٌ حزينة تضحك بلا سبب وتبكي لأسبابٍ كثيرة. .. حاولت إخبارك مراراً بأنني سعيدةٌ معك كلّ ما في الأمر أنهم علّموني أن «أخبّئ قرشي الأبيض» لذلك تراني أضحك بلا سبب وأبكي لأسبابٍ كثيرة في أيّامٍ لم أعد أميّز لونها. .. حاولت إخبارك مراراً بأنني أحبّك. أرجوك قُل شيئاً أرجوك لا تخبّئ قرشك الأبيض حتّى ذاك الأسود أخرجه. .. حاولت إخبارك مراراً بأنني أحبُّ ألعاب الحظّ وبأنني خاسرةٌ كبيرة خاسرةٌ كبيرة فازت بك. ثالثُ لقاءٍ أوّل سليم البيك فلسطين - فرنسا لم يكن قد اقترب من طاولة «أمنستي» بعد، لكنّه رآها، من طرف السّاحة وقد دخل إليها من ممرٍّ فرعي. كانت واقفة هناك، خلف الطّاولة، بجاكيت أسود وشال مطرّز وملوّن ملفوفٌ حول رقبتها. اقترب إليها، يراها ترفع شعرها بيديها وتكوّمه خلف رأسها، ترفع يديها عنه وتفلته لينهار على كتفيها. شنطتها على الطّاولة، فتحتْها وفتّشتها دون أن تُخرج شيئاً منها. تركتْها وعادت تلملم شعرها عن كتفيها وتكوّمه خلف رأسها، مدّت يداً وسحبت عن الطّاولة واحداً من أقلام الرّصاص الموزّعة عليها وغرزته في شعرها المكوّم لتثبّته. أنزلت يديْها وتركت خلف رأسها تَكوّر شعرها بخصلاتٍ فالتة منه كالرّيش، وكانت الخصلات، كأنّها، تزيد عن تلك التي كُوّرت وثُبّتت بالقلم. كان يمشي ببطء، متردّداً، محتاراً في ما يقوله، في ما يبدأ به، وقد قرّر أن يقول شيئاً هذه المرّة. يقترب ويراها منهمكة في شعرها، كان الشَّعر ذاته الذي رآه أوّل مرّة في موقف الباص قرب بيته، عاد كلّه بلحظة إلى ذاكرته. اقترب منها، لم يبتعد كما فعل في المرّتين السابقتين، مرّةً نازلاً من باص بقيت هي فيه جالسة، ومرّةً صاعداً إلى باص بقيت هي واقفة خارجه كأنّها تنتظر شيئاً ما، غير باصها. تقف مقابلةً له، قريبة منه، ولا باصات تقتحم السّاحة محطّمةً كل ما عليها لتقف بينهما وتخطفه قبل وصوله إلى تلك الفِتنة المتجسّدة في امرأة تلمّ شعرها، الغريب عنها والمفتون، رغم ذلك أو بسببه، بها. خطر له الباص وكان يعرف أنّ اقتحامه لا يحصل في غير أفلام رديئة، لكنّ واقعه هو قد يكون أشدّ رداءة، فكّر. أسرع في مشيه حالما أتاه الباص إلى مخيّلته قافزاً عالياً من خلف الطّاولات ليحطّ أمامه. أسرع واقترب أكثر إنّما بحذر، وهو يراها لا تزال واقفة كعصفور ثابتٍ مكانه قد يختفي، متلاشياً في السّماء، كالعطر، في أيّة لحظة. واقفة خلف الطّاولة، لا تفعل شيئاً، تبدو شاردة. تُخرج موبايلها من جيبها وتلتهي به. يمّر رجل يسألها وتجيبه مبتسمة، يسحب مما على الطاولة ويكمل طريقه ورأسه لا تزال تجاهها، مبرومة. يمرّ آخر، لا يتوقّف إنّما ينظر إليها ممرّراً أصابعه على حافّة الطّاولة، وقد أبطأ في مشيه. موبايلها في يدها، تعيده إلى جيب بنطلونها، تَثبت لثانيتيْن قبل أن تلتفت إلى خلفها كأنّ أحداً ناداها. يقترب، يراها واقفة، لا تزال، على مسافة تَقصر، مديرةً ظهرها أو كتفها أو رأسها إلى الخلف. الشّال الأحمر على رقبتها مطرّزٌ بالوردي والبنفسجي وقليل من الأزرق، كانت تحادث أحدهم. اقترب كثيراً جداً، صار أمام الطّاولة، ثبت مكانه دون أن يرفع رأسه لينظر إليها. يسمعها تتحدّث، ينتبه لصوتها، يلتقطه من الهواء كما تُلتقط الفراشات، يحفظه، ينتبه لهيئات الكلمات الخارجة من فمها، أرادها أن تضحك، أراد سماع ضحكتها، أراد التقاط أكبر تنويع ممكن في صوتها. كانت تتحدّث بحياديّة، غير أكيدة مما تقوله. قالت بأنّها ستعود بعد نصف ساعة أو خمس دقائق، لا تعرف لكنّها لن تتأخّر، وقالت كلاماً آخر لم يفهمه جيّداً لطغيان الصّوت على المعنى، وامتصاص أذنيْه لصوتها صافٍ، لسكَّره، دون كلمات مفهومة تشوّش معانيها على الصّوت الآتي بها إلى مسمعه. لم تلتفت إلى الطّاولة، لا سبب لذلك أساساً. شنطتها كانت على كتفها. قالت «أراكَ لاحقاً» للواقف معها، وتركته، تركت يوسف الذي سمع إثرها صوتاً لأحدهم يقول «بونجور»، وكان ينظر جانباً، حيث بدأت تلك الغريبة الأليفة تبتعد، تمشي بسرعة وتغوص بين النّاس، فلم يعد يرى غير أجزاء منها، تصغر وتختفي وتعود لتظهر أصغر. لم يَرد. ترك الطاولة واتّجه إليها، لم يُرد أن تفلت منه هذه المرّة، أسرع في مشيه ليقترب أكثر، صارت أمامه، تمشي، لا أحد بينهما، تماماً كما كانت تمشي مبتعدةً في المكتبة قبل أسابيع، إنّما الآن لو مدّ يده، للامست كتفها. ناداها كأنّه يسألها: - لِيا. توقّفت ولم يكن اسمها القصير قد خرج بعد كلّه من فمه، كأنّها انتظرت أن تسمعه لتتوقّف في أية لحظة. وقفت والتفتت وكان أمامها تماماً، لو مدّ ذراعيْه لاحتضنها. وقف كالواقع على قدميْه، لو لم يتدارك خطوته الأخيرة بأخرى ثابتة لارتطم بها. * (مقطع من رواية «تذكرتان إلى صفورية»، صدرت مؤخراً عن دار الساقي في بيروت) قصيدتان عاشور الطويبي ليبيا - النرويج من أقوال الطائر هذا الصباح سيكون غنائي خافتاً، صيف مبكّر. * القمر الذي فوق البئر بعيد، القمر الذي في البئر بعيد. * في السماء خطر، في الأرض خطر. * المنيّة لا تخطئ أبداً. * أقضي عمري، سابحاً في السماء حيناً أو نائماً على صدر حجر حيناً * السواقي، الأودية، الأنهار، السماء، جروحٌ لم تطب بعد. * لا شقشة تشبه أخرى. * آهاتهم كحبّات الشعير، لا غنى عنها. * آخر الرشفات أحلاها. * أيها العاشقُ لا تنهض قبلَ أنْ تبلّلَ شفتيك بنبيذها. * النكهةُ في فم العنقود. * العبقُ في ارتعاشة النعناع. صوّان الحجر النبعُ بعيد والتراب وصل إلى أعلى الرقبة السائرُ وقرينه ضربا شفة الأفق بحجر صوّان الحجر مملوء بأصوات الإبل العطشى إلى البياض يأخذ بكاءه وإلى المنحدر يأخذ الدائرة لقد كان على الماء أن يرجع إلى شيء من حقول القمح تأتي العيس فتنتعش البيداء ليت يدي جَبءٌ تمتلئ بالماء ليت يدي الأخرى جرادةٌ حطّت بعد شبع ليت رجلي لامست بركة الشعراء ليت سرّتي بستان صبّار ليت عيني لا تغيب عن امرأة جَبأى صمتُ وحشيّ القفار صلاة كم من سيفٍ تقطّعت به رقابٌ متى يحن موته أو يغفو أبكماً على الرمال صبي صغير في عالم كبير مريم الساعدي الإمارات يعدّل الشاب الصغير من وضع «غترته» في مرآة المصعد، يخفي تحتها شعره الطويل نسبياً. لم يحب أن يقصه، نصحته أمّه أن يفعل لكنه لم يفعل، يحب شعره، يصادقه، يُشعره شعره أن لديه شيئاً خاصاً به، ويرى أنه لا يمتلك شيئاً جميلاً غير شعره. ملامحه نافرة، وجهه مليء بحبوب الشباب، يرى شكله منفّراً، أنفه كبير، أو هكذا يعايره الأولاد في المدرسة وكذلك أمه، عيناه جاحظتان، فكّه متقدمة إلى الأمام قليلاً، أسنانه متفاوتة، مراهقاً بكل فورة الشباب في مرحلة التشكل، ثم إن أباه كان يحب شعره. راح يبحث عن عمل، أبوه مات وأمه مريضة وأخوته صغار وهو الكبير، رغم أنه لا يشعر أنه الكبير، كان أبوه يعتبره الصغير، كان يدلِّـله بما استطاع تدليله، ولو بعدم تكليفه بعمل شيء، والمسح على شعره؛ أبوه كان يحب شعره، لطالما ردّد ضاحكاً أنه ورث عنه جمال شعره وعن أمه حدّة ملامحها؛ وهو لم يكن يتردد في المساعدة، لكن لم يكن يُطلب منه شيئاً، لا يزال يدرس، الآن فكّر أن يبحث عن عمل، بقيت سنه واحدة ويتخرج من المدرسة، أي عمل قد يساعد العائلة بجانب راتب أبيه التقاعدي. أراد أن يجلس ويحزن على رحيل أبيه، أراد أن يظل ملتحفاً بطانية ثقيلة ملتفّاً بها في سريره ولا ينهض حتى ينسى هذا الخبر المفجع. رحيل والده كان مفاجئاً بشكل لم يستطع استيعابه، لكن لم يكن الوضع مناسباً لرفاهية الحزن. كان عليه أن يقف ويستقبل المعزّين والزوار بعد ذلك، ويعتني بأخوته ويبعد ضجيجهم عن أمه التي تفرغت للحزن والبكاء. أمّه حادّة وقاسية غالباً، صوتها دوماً مرتفع غضباً على كل شيء وكل أحد، وعليه بالخصوص، أبوه كان يصدّها عنه. الآن أصبح مكشوفاً أمامها بلا درع حماية، في الحقيقة أصبح يشفق عليها، بكت كثيراً عند وفاة أبيه، لم يكن يظن أنها كانت تحبه لهذه الدرجة، كانت دائمة الشجار معه، ولطالما أزعجه ذلك وأحس أن أباه يستحق امرأة أكثر حناناً ومحبّة، ولكنّ أباه كان يقول له دائماً إنه لم يحب أحداً سوى أمّه، وأنه لو عاد الزمن لتزوجها هي ذاتها بطبعها الحاد وعصبيّتها، وأنه يعرف أن وراء شخصيتها هذه روح رقيقة محبّة، وكل ما تفعله فقط من فرط حرصها على مصلحتهم. رغم كلام والده هذا إلا أنه لم يقتنع به أبداً، وظل يعتقد أن أباه يستحق زوجة أكثر رقة. حين رحل والده الطيب ذات مساء في فراشه بكل بساطة، صار عليه أن يعتني بوالدته. أصبحت منكسرة وتبكي كثيراً، ودوماً حزينة. ظل يقف أمام بابها متأملاً حزنها، يودّ لو يجعلها تتوقف عن البكاء لكن لا يعرف كيف، فيقف هناك ذاهلاً صامتاً حتى تهدأ وتطلب منه أن يذهب ليهتم بدروسه. قال الولد سأعمل، قالت له عليك أن تبدو رجلاً أولاً لكي يقبلوا بك. جسده الضئيل لم يكن يساعده ليبدو كذلك، وقصّة شعره الكثّ المتهدل على جبينه وكتفيه توحي بنعومة طفولة لم يخرج منها بعد. أخبره عمه أنه رتب له مقابلة عمل في إحدى الشركات الخاصة، ذهب مع صديق له، يحمل ملفاً فيه أوراقه الثبوتية وشهادة الإعدادية، في مصعد الشركة بدا صغيراً جداً؛ ضئيلاً حزيناً وضائعاً، رغم ذلك انشغل بتعديل «غترته» على رأسه، ظلّ يتدرب على لبس شماغ الرأس بشكل محترف لأيام عدة، عليه أن يبدو كرجل، لم يكن يرتدي غطاء الرأس كثيراً، كان يميل لارتداء الزيّ الرياضي أغلب الوقت، الآن عليه أن يتعود عليه ليحترمه الرجال. يخرج بتردد من المصعد حين ينبهه صديقه الضئيل مثله والذي طلب منه أن يرافقه، أنّ هذا هو الطابق المذكور في رسالة عمه الهاتفية له هذا الصباح حين كتب له ليذكّره بالموعد. يستفسر عن مكتب المدير ويعرّف بنفسه. يجلس بانتظار أن يؤذن له بالدخول. يخرج السكرتير ويأذن له بالدخول. المدير رجل ضخم يجلس خلف مكتب كبير، يقف الصبي وحيداً وسط غرفة مكتبه الواسعة. المدير منشغل بالهاتف، وبالتوقيع على أوراق كثيرة يحملها له سكرتيره وينبهه لدخول الصبي الباحث عن عمل. يرفع رأسه بانشغال، ومن دون تعليق يعاود التوقيع على الأوراق، الرد على الهاتف، يخرج السكرتير، يغلق الباب، الصبي يقف هناك بانتظار أن يوجَّه له الكلام. الرجل الكبير يظل منشغلاً عن الانتباه له. ينهض بعد مُدّة، يحمل مفتاح سيارته وهواتفه وسبحة الكهرمان يحركها بين أصابعه ويمرّ بالصبي سريعاً دون التفاتة، حركة مروره السريعة بجسده الضخم داخل «كندورة» فضفاضة عامرة، تُحرك الهواء حول الصبي الضئيل، فيتقلقل في وقفته ويسقط ملفه من يده وعن رأسه تنحسر غترته، ينتبه له المسؤول الضخم ويقول له قبل أن يخرج «الرجل لا يربي شعره هكذا، ونحن لا نوظف الفتيات هنا»، يضحك مقهقهاً وهو يخرج مغلقاً الباب خلفه. يظل الصبي مكانه وقد انحسر غطاء رأسه عن شعره الكثّ. ينحني لالتقاط ملفه، يعدّل غترته على رأسه كيفما اتفق، ويتجه نحو الباب، بينما يده المتعرقة المرتجفة تقبض على ملف أوراقه الثبوتية وشهادته. * «الغترة»: غطاء الرأس للرجال في الخليج وبعض الدول العربية وتُسمى أيضاً «شماغ». * «الكندوره»: اسم الزي الرجالي في الإمارات وتُسمى «دشداشه» أو «ثوب» في بقية دول الخليج. قال ما يريده مهاب نصر مصر - الكويت حينما سكت فجأة كان قد اكتشف أنه قال كل ما يريده فعلاً لدرجة أنّه للمرّة الأولى نجح في السير على ذلك الحبل الممدود إلى السماء دون حاجة إلى عصا اتزان كان بإمكانه أن يرجع كان بإمكانه أن يتقدّم لكنه في المنتصف تقريباً، أو هكذا خيِّل إليه، شعر بألم ما وأراد أن يقول كلمة .... كلنا يفعل ذلك صدِّقني.. كلنا يحتفظ في مكان ما بكلمة كلنا يتوقّع من شخص ما أن يكون عصا اتزانه الأخيرة. أمطار لا علاقة لي بالأمطار وحين تتقدّم السماءَ غيمةٌ أقول لأصدقائي: لست أنا.. صدّقوني إنني أجفل حتى من قطرة إن قطرتين منه يمكن أن تدمرا حياتي أمّا ما يحدث الآن فهو الجنون بعينه.   يسألني أحدهم ماذا تريد الأمطار منَّا؟ يا صديقي نحن لا نعرف أصلاً من أين تأتي نخرج أيدينا من النوافذ وفجأة نشعر بوخزة خفيفة ثم يصبح كلّ شيء موجعاً   على الزجاج تجري خيوط مضفورة وفي الشوارع ترى دوائر سوداء نسميها «مظلات» تمشي وحيدة كأنها في جنازة   ربما لو كنّا نفكّر بطريقة أخرى ربما لو منحتني يدك مثلاً أو..، لا أريد أن أبالغ، لَكُنّا الآن في وضع أفضل أو على الأقل لصرنا قادرين على احتمال كلّ هذا الحزن. أشياء ضرورية أنا وأنت فقط نصنع أشياء «ضرورية» أو نسمّيها كذلك لننجو أقسم لك حتى فمي الذي يخاطبك الآن كان يمكن أن تجده في مكان آخر على هيئة قوس مشدودة، أو فوهة مدخِنة من المعدن، ثم على صورة كهف حيث تدفن الأصوات التي أرادت أن تعبر بطريقة أفضل أقسم لك.. أنا وأنت مثلاً نصنع قوارب صغيرة من الورق ونسمِّيها: الحب لكنّنا ندرك أنّ الأمور ليست على هذا النحو مطلقاً ومن الشعور بالإهانة نختلق لأنفسنا قصةً، أسطولاً من القصص. يعبر بنا فعلاً إلى الشاطئ الآخر وهناك نبتسم طبعاً كأنّنا ناجيان من معركة. هندسة الروح زينب هداجي تونس لا تستطيع الجلوس أو الوقوف. بركان من الغضب ينفجر داخلها. كل معالم المكان تتحوّل إلى قضبان حديدية شائكة. كل المفترقات لا تشبهها. كل صوت قادم من ذلك السجن لا تحتمله مسامعها. وضّبت كل أمتعتها وتركت له صوراً تجمعها به. كانت قد مزقتها قطعاً صغيرة جداً ووضعتها في مطفأة السّجائر على حافة الطاولة وليمة للريح. لم تترك له رسالة أو أي مؤشّر يدل على أنها سترحل. لقد سئمت تلك الرجولة العنترية الزائفة التي أتت على زهور عمرها. لن تطالبه باستعادة هذا البيت رغم أنه ملكها. ستتركه له ليستقبل فيه أصدقاءه الذين كان يفرضهم عليها فرضاً، وعشيقاته التي كانت تباغته وإياهنّ كلما سافرت. لديها خطط أخرى للمستقبل. سيصدم عندما تغادر حياته نهائياً، فهو يمقت كل من يلمس أشياءه. ألم يعتبرها دائماً أحد أشيائه؟ لم يعد يهمّها أن تفكر في ما يحدث له بعد أن حدث لها كل شيء لا يشبهها. نفحة جديدة تطوقها وتحملها عالياً. قادت سيّارتها وخرجت من مأوى البناية وهي تدير المقود. رفعت صوت الموسيقى وبحثت في هاتفها عن رقم صديق لها يعمل مهندساً معمارياً ضرب لها موعداً بعد ساعة. أخذت تجوب الشوارع وهي تحس بأنها تتجول فيها لأول مرة. تلك المدينة التي عاشت فيها سنين طوالاً أصبحت أجمل؛ حدائقها أكثر نضارة وسمائها أصفى. ركنت السيارة وصعدت إلى المكتب على السّلم بدلاً عن المصعد الكهربائي، فقد باغتتها شحنة من النشاط. استقبلها المهندس بوجه بشوش وهو يسألها عن أحوالها وأحوال زوجها. فأجابته مستغربة من كلامه بأنها غير متزوجة. بهت ولم يشأ أن يحرجها رغم أنه متأكد أنها متزوجة، وعاود الابتسام وهو يرحب بها من جديد ويسألها عن سبب الزيارة. وضعت ساقاً فوق أخرى وقالت: «أريد بناء بيت، بلا نوافذ ولا أبواب ولا مفاتيح، ليس له مساحة محددة، شفّاف كالماء وعاكس كمرآة...» نظر إليها المهندس بعينين مملوءتين بالشفقة والرثاء، بينما راحت تقهقه في هستيرية وتنظر إليه بحدقتين مفرغتين.