الاتحاد

عربي ودولي

"ريكي هفيلشوي - العالم إمرأة


السعد عمر المنهالي:
اتفق الدانماركيون - والغربيون عموما - على مقولة سقراط و القائلة : 'بما أنه ليس في قدرة أحد الوصول إلى أحكام صحيحة···فمن الضروري أن يفسح المجال أمام الناس لمناقشة جميع المسائل بحرية ودون تدخل من قبل السلطات'، حتى لو حملت هذه المسائل تشويها أو إساءة·
وتسابقوا وسبقوا الأمم الأخرى في إعلاء حرية الرأي والتعبير، إلا أن دلالات جديدة بدأت تشير إلى اختلال هذه الأرضية بعد أن أعلنت وزيرة الهجرة والاندماج الدانمركية 'ريكي هفيلشوي' في الثامن من فبراير الجاري 2006 أنها ستستثني الأئمة من دورهم المستقبلي في جهود الحكومة للدمج الاجتماعي، هذا بجانب تهديدات متعددة من مستويات سياسية مختلفة تتوعد بهم، وذلك بعد أن تزايد الانتقادات لدورهم في تشويه وإساءة قضية الرسوم الكاريكاتورية أمام المسؤولين والإعلام العربي!!·
ولدت 'ريكي اسرين هفيلشوي' في الخامس من مايو عام ،1970 بمدينة أو مقاطعة 'آروس' -ثاني أكبر مدن الدنمارك، ويقع فيها الميناء الرئيسي للساحل الشرقي لـ'غوتلاند' حصلت على شهادتها الثانوية من مدرسة 'زاهليس' الثانوية عام ،1989 التحقت فيما بعد بجامعة 'كوبنهاجن' لدراسة العلوم السياسية، ثم حصلت على الماجستير في الاقتصاد عام 1997 من نفس الجامعة·
انشغلت 'ريكي' مبكرا بالعمل السياسي، فكانت سنتها الأولى في جامعة 'كوبنهاجن' هي بدابة انضمامها عام 1990 لحزب 'فنستري' -أو حزب الأحرار وهو أكبر الأحزاب السياسية في الدنمارك، تتركز أهم أفكاره في تحرير السوق- جعلت 'ريكي' من سنواتها الأولى في الحزب فاعلة إلى أن أصبحت رئيسة لجناح الحزب في منطقة 'فريدريكسبيرغ' بالعاصمة 'كوبنهاجن' حتى عام ،1992 ثم رئيسة لاتحاد الشباب للحزب في العاصمة الكبرى 'كوبنهاجن' منذ عام 1992 وحتى ،1994 وذلك حتى حصولها على درجة البكالوريوس·
شغلت 'ريكي' منصب عضو في المجلس البلدي لمنطقة ' فريدريكسبيرغ' -أصغر المناطق في العاصمة الدنمركية وأكثفها سكانا- في عام ،1994 وقد ظلت فيه لثماني سنوات متتالية، ثم رشحت عن حزبها في هذه المنطقة في البرلمان عام ·1996 وفي عام 1998 شغلت رئيسة للجنة الاتصالات لمدة أربع سنوات، ثم عضو في مجلس تجارة وصناعة في البلدية لست سنوات، ونائبة لرئيس بلدية 'فريدريكسبيرغ' لثلاث سنوات·
اليمين والمهاجرين
كانت الفاعلية التي عملت بها 'ريكي' والتمييز في أدائها الحزبي سببا في دخولها البرلمان الدنماركي 'فولكتنج' -وتعني صدى الشعب- في الحادي عشر من مارس عام 1998 بعد نجاحها عن حزبها في دائرة غرب كوبنهاجن، وهو التتويج الذي تزامن مع عضويتها في اللجنة الإدارية لحزب 'فنستري' (الأحرار الليبرالي) منذ عام ،1998 والمتحدثة باسمه في البرلمان في شؤون المساواة بين الجنسين والسياسات الإسكانية حتى عام ،2001 وكذلك في السياسات التجارية والصناعية منذ ذلك الوقت وحتى عام ،2004 ثم الناطقة عن حزبها في السياسات المالية حتى الثامن عشر من فبراير عام ·2005
أقرت الانتخابات البرلمانية التي سبقت هذا التاريخ بعشرة أيام فقط في الثامن من فبراير 2005 بقوة أحزاب اليمين، فبقي تحالف اليمين من جديد على رأس حكومة مملكة الدنمارك -مملكة برلمانية ديموقراطية- بعد أن فازت أحزابه وعلى رأسهم حزب 'فنستري' الليبرالي بأغلب مقاعد البرلمان الـ،179 وظل زعيم الحزب 'أندرسن فوغ راسموسين' على رأس الحكومة التي عاد وشكلها، رغم كل الانتقادات التي وجهت لحكومته أواخر عام 2004 وأوائل عام 2005 بعد أحداث 'تسونامي' الذي راح ضحيتها -في ضمن من قتلوا- سياح دنمركيين، بحجة تباطؤ حكومته في التعامل مع الأزمة!
عاد 'اندرسن فوغ راسموسين' من جديد ليشكل حكومة جديدة بدل فيها بعض الوجوه، من ضمنهم وزير الاندماج 'برتل هاردر' الذي نصبت محله 'ريكي هفيلشوي' في أول منصب وزاري في تاريخها السياسي وهي لا تزال في الخامسة والثلاثين من عمرها· ورغم هذا الوجه الجديد في الحكومة الدنمركية، بيد أن الخط السياسي العام في الحزب لم يتغير إطلاقا، بل على العكس، ظهر أكثر تشددا مع الوجه النسائي الجديد·
اتفق أغلب المحللون الدنمركيون على وجه الخصوص والأوروبيون عموما، على أن الاستقطاعات الضريبية الكبيرة والإجراءات المتشددة حيال المهاجرين إلى الدنمارك -تعد الأقسى أوروبيا- كانت أكبر المآخذ التي استغلتها أحزاب المعارضة ضد حزب 'فنستري'، ولذا كان نصيب الوزيرة الجديدة نقدا لا بأس به وصل لدرجة قيام مجهولين بعد أربعة شهور فقط من توليها منصبها في العاشر من يوليو عام 2005 بحرق سيارتها ومنزلها مما أضرها وزوجها وطفلاها مغادرة منزلهم بعد أن أتلفت النيران جزءا منه، وانتقالها إلى مكان سري·
أعلن المهاجمون المجهولون في رسالة الكترونية بأن عملهم هذا يأتي ردا على السياسة العنصرية التي تتخذها الحكومة ضد الهجرة، الأمر الذي اضطر الوزيرة 'ريكي' وعدد كبير من السياسيين من اتخاذ حراس لهم، وذلك كإجراءات جديدة تماما على المجتمع الدنمركي الذي يتجول فيه سياسيوه بحرية كاملة· ويبدو هذا الإجراء جاء متأخرا نوعا ما، فقد كان للتغيرات الاجتماعية والسياسية والقانونية التي شهدتها مملكة الدنمارك قبل وصول 'فنستري' والتي مهدت الطريق لوصوله بعد انتخابات 20 نوفمبر عام 2001 ارتداد طبيعي لأحداث الحادي عشر من سبتمبر في الولايات المتحدة الأميركية، سيما وأنها أجواء وافقت تماما مع وعوده باللجوء لإجراءات أكثر تشددا حيال المهاجرين·
جاء الحزب بإجراءات رئيسية أثارت المهاجرين كجعل الزواج المبكر في سن الرابعة والعشرين من المستحيل -اعتبر الكثيرون أن القانون موجه بصفة رئيسية لمواطني دول الشرق الأوسط-، وذلك لمنع انتقال غير الدنمركيين إليها بحجة الزواج، كما صاحب هذا القانون مجموعة شروط تعجيزية للحد من دخول المهاجرين بحجة جمع العائلة، إلى درجة تراجع أعداد المهاجرين إليها عام 2002 من 5156 إلى 2447 ، وتراجع أعداد تصاريح لم شمل العائلة من 10,021 إلى 4791 تصريح فقط عام 2003 حسب مكتب الإحصاءات الوطنية الدانمركية··هذا بجانب تعمد بعض المسؤولين الإساءة لبعض أديان الأقليات، كل هذا وغيره أوجد موجة غضب وإن كانت محدودة، غير أنها كانت موجودة تنتظر شرارة لاشتعالها وانتشارها، خاصة في بلد لا يزيد عدد سكانه عن 5,4 ملايين نسمة، يشكل المسلمون فيه ما نسبته 5 بالمائة تقريبا، يعتقد أغلبهم أنهم يواجهون تمييزا متزايدا من حكومة 'اندرس فوغ راسموسين' منذ سنوات·
تسونامي ··من جديد
استطاع رئيس الحكومة 'اندرس' بعد أحداث تسونامي استغلال الانتقادات الموجه له بعد زلزال تسونامي في أواخر ديسمبر ،2004 بعدما اتهم وحكومته بالتقصير والتباطؤ في التعامل مع الأزمة التي راح ضحيتها مواطنين دانمركيين، فدعا لانتخابات مبكرة، أكد تواجده وحزبه على الخريطة السياسية في الدنمارك، سيما وأنه كان قد أجاد التعامل مع الأزمة بأفضل ما يكون·،غير أن هذه السرعة لم تنجده في تسونامي الجديد الذي هز الدنمارك بشكل لم تتعرض له مسبقا في تاريخها الحديث!
ككرة الثلج تصاعدت أزمة الصور المسيئة للنبي محمد 'صلى الله عليه وسلم'، والتي نشرت في الثلاثين من شهر سبتمبر عام 2005 في 'جيلاندس بوستين' -أحد الصحف الدنمركية- وبعد يومين فقط وصل رئيس الوزراء الدنمركي 'راسموسين' رسالة شكوى من سفراء عشر دول عربية حول المنشور في الصحيفة، غير أنه لم يرد عليها، وفي الرابع عشر من أكتوبر خرج ما يقارب خمسة آلاف متظاهر يحتجون على الصور، ورغم هذا الاحتجاج رفض رئيس الحكومة استقبال السفراء العشر بدعوى عدم قدرته التدخل في حرية الرأي والتعبير للصحيفة!
بشكل عام كانت هذه المكونات الأولى للكرة التي كبرت كثيرا وأصبحت قابلة لتدمير ما تقابله أثناء حركتها منذ أربعة شهور، غير أن منعطفا رئيسيا مرت به كان سببا في تسارع حركتها، وهو ما حدث عندما تقدم مجموعة من الأئمة المسلمون الدانمركيون في السابع والعشرون من أكتوبر الماضي 2005 واتجهوا بملف متخم لبعض القيادات الدينية والسياسية في الشرق الأوسط، ومن ثم لقادة دول المؤتمر الإسلامي اللذين اجتمعوا في مكة بالمملكة العربية السعودية في أواخر ديسمبر عام ·2005
ورغم كل ما جرى فيما بعد من إعلان المملكة العربية السعودية في السابع والعشرين من يناير الماضي 2006 من مقاطعة السلع الدانمركية وما تبعها مسيرات سلمية في أغلب الدول الإسلامية واحتجاجات شعبية في كل من اندونيسيا وماليزيا وأفغانستان وإيران والأراضي الفلسطينية وسوريا ولبنان وما صاحبها من أعمال عنف، ظلت الحكومة الدانمركية تتعامل بتوار مع الأزمة كما صرحت بعض الأحزاب المعارضة هناك، وحسب ما قال رئيس الحزب الشعبي الاشتراكي 'ويلي سوندال' في الثلاثين من يناير الماضي: 'نحن نتحدث عن تصعيد خطير جرى خلال عطلة نهاية الأسبوع حيث تم إحراق العلم الدانمركي في أكثر من مكان وفقدت البلاد جزء من دخلها التجاري وأصبح الدانمركيون في الخارج عرضة للخطر، ومع ذلك فان رئيس الوزراء مازال متواريا'·
ويبدو أن هذا التواري الذي استغله الكثيرون من المعارض السياسيين لحزب ' فنستري'، قرر أيضا الحزب الحاكم استغلاله بشكل يدعم توجهه المعهود في تعامله مع المهاجرين، فجاءت تصريحات المسؤولين الحكوميين في التحالف اليميني الحاكم تتوعد أئمة المساجد، كما قال الناطق السياسي باسم حزب رئيس الحكومة ، بقوله في الثالث من فبراير الجاري: 'الوقت ليس مناسباً الآن ولكن بعد أن ينتهي الوضع الحالي، يجب علينا أن نرتب ونصنف كل الأمور، ومن الواضح أن بعض الأئمة سيكونون ضمن اهتمامنا، فليس معقولا أن نقبل بعمل من هذا القبيل' وذلك في اشارة لموقف الأئمة اللذين توجهت لبعض دول الشرق الأوسط بملف الصور·
وحسب التقارير الصحفية فإن الحملة التي يتوقع أن تشنها الحكومة الدانمركية تركز على شخص الإمام 'احمد عبد الرحمن أبو لبن' الفلسطيني الأصل باعتباره -حسب المصادر الإعلامية- المحرض الأول على الأزمة التي تعيشها الدانمرك، غير أن المثير هو التقارير الجديدة السرية المرتبطة بالمخابرات الدنمركية والإيطالية التي تشير لعلاقة بينه وبين تنظيم القاعدة وبعض الجماعات المصرية المتطرفة!
وهو ما تأكد بعدما أعلنت الوزيرة 'ريكي هفيلشوي' في الثامن من فبراير الجاري أن الحكومة لن تتعاون بعد الآن مع أئمة المساجد في الدانمرك حول مسائل دمج الأجانب، وذلك بعد قولها 'اعتقد أن الصورة قد أصبحت واضحة جداً بان الأئمة ليسوا هم الطرف الذي سنتعاون معه إذا أردنا تفعيل الاندماج الاجتماعي'، وذلك -حسب المصدر- بأنهم تعمدوا تشويه الصورة ونقلها للإعلام العربي··بينما كان كل ما نقله الأئمة هو رأيهم في قضية، أما حقيقة التشويه والإساءة -حتى وإن ثبتت- أمور يضمنها حق التعبير والحرية التي تتسابق الدانمرك أمام الرأي العام العالمي في ضمانها لمواطنيها!!
Als_almenhaly@emi.ae

اقرأ أيضا

لبنان: الاتفاق على إنجاز الموازنة دون أي ضريبة أو رسم جديد