الاتحاد

دنيا

التوك شو بين الديمقراطية والثرثرة بلا مضمون

القاهرة ـ جميل حسن:
حققت برامج 'التوك شو' جذبا جماهيريا بعد انتشارها في الفضائيات العربية لكن الاختلاف على مضمونها لا يزال قائما، حيث يراها البعض فارغة ولا يتفاعل معها سوى المراهقين لانها اقتصرت في ضيوفها على الفنانين ، ويراها البعض الاخر انطلاقة في طريق الحرية حيث اجبرت طبيعة برامج 'التوك شو' المسؤولين في الفضائيات على رفع سقف الحرية، ولان الجدل حول هذه النوعية من البرامج مستمر، خصصت ادارة معرض القاهرة للكتاب ندوة عنوانها 'اثر برامج التوك شو على ثقافة الحوار' تحدث فيها الاعلاميون ايمن الصياد مدير تحرير مجلة 'وجهات نظر' وجمال الشاعر رئيس قناة 'النيل' الثقافية وراندا ابوالعزم مدير مكتب قناة 'العربية' بالقاهرة والاعلامية اللبنانية ماريا معلوف·
تباينت آراء المتحدثين في الندوة حول برامج 'التوك شو' واثرها على ثقافة الحوار فمنهم من اشاد بها لانها حققت جذبا جماهيريا إلا أن اصحاب هذا الرأي عادوا ليؤكدوا ان هذا الجذب تحقق للبرامج التي تستضيف فنانين ولا تؤثر على ثقافة الحوار، ومنهم من رأى أن برامج 'التوك شو' حتى لو اقتصرت في ضيوفها على فنانين فإنها قفزت الى الصدارة لان الموضوعات التي تناقشها تمارس فيها ديمقراطية الحوار وهذا اثراء لثقافة الحوار التي ينشدها الجميع·
ايمن الصياد يضع في بداية كلامه مصطلح 'التوك شو' في اطار محدد حيث يؤكد ان هذا المصطلح انجليزي في الاساس ويختلف معناه من بلد الى اخر لكنه وبرغم اختلاف معناه يتطلب قضية يتم طرحها وضيوفا يتحدثون عنها، ويتساءل الصياد: ماذا يريد الجمهور من هذه البرامج؟ وهل تطرح برامج 'التوك شو' قضايا مهمة يستفيد منها الجمهور؟ وما هي برامج 'التوك شو' التي يراها الجمهور متميزة في القنوات العربية؟ ويعود ايمن الصياد ليؤكد ان الجمهور لا يقبل على البرامج التي تطرح قضايا ثقافية أو علمية وهذه قضية تؤرق اصحاب القنوات المتخصصة في المجالين وسببها تنشئة الشباب الذين لم يهتموا بالعلم والثقافة منذ طفولتهم لذلك يقبلون على برامج 'التوك شو' التي تستضيف فنانين أو تناقش قضايا فنية·
ويضيف الصياد: ارى ان تنشئة الاسر لاطفالها تنشئة ثقافية تخلق جيلا من الشباب محبا للعلم والثقافة، خاصة ان كل الدراسات التي اجريت على البرامج التليفزيونية اكدت ان نسبة المشاهدة الاكبر تحتكرها برامج 'التوك شو' الفنية حتى البرامج التي لا تغوص في القضايا الفنية يقبل عليها الجمهور وخاصة قطاع الشباب واذا لم نغير سلوكيات الشباب فسيظل الاقبال على البرامج التي تخلو من مضمون مستمرا وسوف يتزايد وهناك قضية اقبال المعلنين على هذه البرامج التافهة لتمويلها باعلاناتهم لان المعلن لا يهمه ماذا يقدم البرنامج، ولكن اهتمامه ينصب على نسبة المشاهدة التي يحققها هذا البرنامج، و يرى ان البرامج الثقافية والعلمية تحتاج الى رفع يد الرقيب عنها ليمارس مقدموها حرية بلا حدود أثناء طرحهم للقضايا، هذه الحرية سوف تجذب اليها الجماهير·
عدوى
ويرى ان عدوى برامج 'التوك شو' التافهة تنتقل من قناة الى اخرى بسبب الاقبال عليها، والقنوات العربية تنقل برامج الغرب حرفيا دون النظر الى الجمهور الذي تخاطبه، فالجمهور العربي يختلف في عاداته وتقاليده عن الغرب، ويجب ألا ننشيء اطفالنا ونغرس في شبابنا قيما دخيلة وقطاع كبير من الجمهور العربي يبحث عن البرامج الثقافية الشيقة ولا يجدها·
واكدت ماريا معلوف ان قنوات التليفزيون اللبنانية تتمتع بقدر كبير من الحرية أكثر من أي دولة أخرى ولهذه الحرية سلبيات رغم ايجابياتها الكثيرة، ومن هذه السلبيات وجود قنوات انشأتها احزاب وطوائف لتعبر عن سياساتها دون الاهتمام بسياسات الاحزاب والطوائف الأخرى، وتبرز هذه القنوات في الدفاع عن الطوائف التي تنتمي اليها بحرية كاملة وهذا يخلق نوعا من تشتيت المشاهد، لكن القاسم المشترك بين كل هذه القنوات انها تعمل بلا رقيب، ولذلك حظيت برامج 'التوك شو' بأعلى نسبة مشاهدة لانها تطرح الموضوعات بحرية وصراحة وتكشف عما يجري في كواليس السياسة والثقافة والاقتصاد والفن، ولا يستطيع أحد أن ينكر الجماهيرية الكبيرة التي تحظى بها القنوات اللبنانية حتى لو اختلف البعض حول مضمون بعض البرامج التي تقدمها ، فبرامج 'التوك شو' الفنية إذا كانت جذورها أجنبية فقد نقلتها القنوات اللبنانية وطورتها بشكل جذاب· لكن ماريا معلوف تعود لتؤكد ان 99 في المئة من برامج 'التوك شو' التي تقدمها الفضائيات العربية ضيوفها من الفنانين، وهذه النسبة فيها ظلم لنوعية البرامج الاخرى الثقافية والسياسية، وأعربت عن أملها في مشاهدة برامج سياسية واقتصادية وثقافية على غرار برامج 'التوك شو' الفنية·
وبدأت راندا أبوالعزم بتعليق على كلام ماريا معلوف فأكدت انه لا يعيب برامج 'التوك شو' اعتمادها على الفنانين بنسبة كبيرة لان الفنان أهميته تكمن في 'الكاريزما' التي يتمتع بها والجماهيرية التي يحظى بها، وهو القادر على نشر الوعي والمفاهيم بين الجماهير، لأن هناك الكثيرين الذين يحذون حذو الفنانين ويسيرون على نفس ظروفهم، ومن هنا تكمن أهمية الفن باعتباره المجال الوحيد الذي يتمتع بسرعة في التأثير وقدرة على اقناع الجماهير، وقد لعب الفن والفنانون دورا مهما في كل الأحداث التي تجري على الساحة، وهناك اعمال سينمائية وتليفزيونية وغنائية حركت الجماهير ولعبت دورا في تعبئة الشعوب·
وتؤكد ان ظاهرة برامج 'التوك شو' ايجابية لان مقدميها يمارسون ديمقراطية في الطرح، لكن ما يعيب هذه البرامج هو اعتمادها على التقليد الأعمى، لذلك رأينا جمهورها الموجود في الاستديو يتم استئجاره ليصفق فقط حتى لو لم يكن هناك تواصل بينه وبين ضيوف البرنامج، وهذا أهم ما يعيب برامج 'التوك شو' رغم الجماهيرية الكبيرة التي تحظى بها، وما أتمناه هو احداث تفاعل بين الجمهور في الاستديو وضيوف البرنامج من خلال مناقشات وتبادل للآراء على ان يكون جمهور الاستديو مقتنعا بضيوف البرنامج وموضوع الحلقة وهذا سوف ينعكس على الشاشة واعتقد ان هناك برامج قليلة في طريقها إلى تحقيق هذا التفاعل·
تطوير
وتؤكد راندا أبوالعزم ان برامج 'التوك شو' يتم نقلها من برامج أخرى بلا تطوير، ولذلك وقع العديد من القنوات الحكومية في فخ التقليد عندما أصرت على دخول حلبة المنافسة دون ان تلتزم الحياد والموضوعية في طرح القضايا، ولذلك يعتمد التطوير في برامج 'التوك شو' على المذيع نفسه، والمذيعون الذين نجحوا في تطوير برامجهم حققوا نسبة مشاهدة أعلى وكانوا نجوما في هذا المجال·
وتضيف: في مصر يقوم عدد كبير من المذيعين بتوجيه الضيوف، حتى انهم يطلبون منهم الالتزام بالحديث في موضوعات معينة دون التطرق إلى موضوعات اخرى قد يمارس الضيف الديمقراطية عندما يتحدث فيها وهذا أمر مرفوض لانهم بذلك يحولون ضيوف برامجهم إلى أطفال في حاجة إلى توجيه وهذا يدل على ضعف مساحة الحرية الموجودة في التليفزيون المصري والتي أضعفت مستوى مقدمي البرامج·
وتؤكد راندا أبوالعزم ان الكبت الذي تعانيه القنوات العربية في ظل غياب الديمقراطية أدى إلى انفجار برامج 'التوك شو' التي يمارس فيها المذيع الديمقراطية ونحن كاعلاميين في مصر نعاني الخوف، لذلك نجد المذيع يقف أمام الكاميرا وهو خائف ليقول ما لا يقتنع به ومع ظهور برامج 'التوك شو' مارس المذيعون بعض الديمقراطية في حواراتهم مع الضيوف·
وتؤكد ان برامج 'التوك شو' أصبحت بمثابة البرلمان العربي الذي يتحدث فيه الضيوف بحرية ولا يستطع احد انكار، حقيقة ان برامج 'التوك شو' حركت مياه الأمة العربية الراكدة ومن خلال هذه البرامج تم اعلان موت الرقيب الذي مارس سطوته على الإعلاميين العرب·
وقال جمال الشاعر إن برامج 'التوك شو' تفتقد ضيوفا من الكُتاب والادباء والسبب في ذلك اننا نفتقد وجود العالم والاديب القادر على تبسيط الادب والعلم·
وأضاف: في مصر لا يوجد أي دعم للبرامج الثقافية وفي فرنسا تم انتاج فيلم تسجيلي عن الملكة 'نفرتيتي' بلغت تكلفته 750 ألف يورو وتم تجميع مادة الفيلم من العلماء والمؤرخين وهذا يدل على ان مصر لا تدعم الثقافة، وفي رده على سؤال: لماذا يتدنى مستوى المذيعين؟ قال الشاعر: اتفق على ان بعض المذيعين يفتقدون الثقافة والمعرفة لدرجة وصلت إلى انهم لا يعرفون طبيعة البرامج التي يقدمونها، لكن هذا لا ينفي وجود مذيعين على درجة كبيرة من الثقافة والمعرفة·
وأشار إلى اننا في مصر نخطيء في رؤيتنا للاعلام، لاننا نتعامل معه على انه المنفذ الوحيد لنا وهذا غير صحيح، فالاعلام وحده غير قادر على حل كل مشاكلنا، وبرامج 'التوك شو' رغم اعتمادها على المكاشفة والصارحة فإن هذا يتحقق في بعض القضايا فقط كما ان هذه المصارحة تتحقق في حدود لكنها لم تصل حتى الآن إلى الدرجة التي نطمح إليها·

اقرأ أيضا