الاتحاد

عربي ودولي

الحكم يسعى لانتــــزاع ملف الاغتيـــــال من المعارضــــة

غسان مكحل:
بعد يوم من تشييع رئيس الوزراء اللبناني الراحل رفيق الحريري، عدل الرئيس الاسبق أمين الجميل، قليلا، من لهجته في الاتهام ضد سوريا، وقال ان دمشق و'ان لم تكن مذنبة بالاشتراك' في اغتيال الحريري، فإنها 'مذنبة بالإغفال'·
ومع ان الرئيس الجميل واصل اتهاماته الى سوريا، الا ان لهجته كانت أخف من لهجة المعارضة، والتي هو احد ابرز قياداتها، التي اتهمت منذ اللحظة الاولى سوريا بأنها وراء عملية الاغتيال· يقول الجميل انه بوصفه محاميا فإنه يؤمن بأن المتهم بريء حتى تثبت إدانته· وهي لهجة أخف من لهجة بيان البطاركة الموارنة يوم التشييع الذي إتهم 'النظام الديكتاتوري' بأنه المسؤول عن الإغتيال· وأخف من لهجة الزعيم الدرزي وليد جنبلاط الذي اتهم سوريا مباشرة ومن دون مواربة، ودعا الى وضع لبنان تحت الوصاية الدولية·
النقطة الاساسية فيما جرى في بيروت مؤخرا انه لم يصب في مصلحة لبنان كما اراده الرئيس رفيق الحريري في حياته، وعمل من اجله لسنوات عديدة· جنازة الرئيس الحريري كان يفترض ان تكون تعبيرا عن الوحدة الوطنية في ابهى صورها، وتعبيرا عن استمرارية لبنان وثقة لبنان بنفسه· كان يفترض ان يكون للحريري، بصرف النظر عن الاتهامات والشكوك بشأن إغتياله، جنازة وطنية رسمية شعبية، يحضرها كبار الشخصيات من انحاء العالم العربي ولبنان· وغالب الظن لو ان باستطاعة الرئيس الحريري ان يقرر لكان اختار مثل هذه الجنازة، ولكان اختار تأجيل الانقسامات والخلافات حتى اجراءها بما يليق به كشخص وبما يليق بما يمثله·
الا ان الانفعال طغى، وهو امر يمكن تفهمه بسبب عمق الكارثة على اسرته ومحبيه· وفي هذا لا يمكن لوم اسرة الحريري على الانفعال والحزن، لكن لا بد من التساؤل عن الاهداف وراء تشجيعهم على ذلك من جانب اطراف معارضة، حاولت اختطاف جنازة الرئيس الحريري، لتوظيفها في خدمة أهدافها·
وبرغم الموقف الاميركي الاحتجاجي ضد سوريا بعد اغتيال الرئيس الحريري، الا ان واشنطن لم تصل الى حد اتهام السوريين بأنهم مسؤولون عن الاغتيال، وكان كلام المسؤولين الاميركيين، خصوصا وزير الدفاع دونالد رامسفيلد ووزيرة الخارجية غونداليزا رايس، بعد اغتيال الرئيس الحريري متركزا على مطالبة سوريا بالتعاون مع اميركا بشأن العراق، كونها بحسب اتهاماتهم غير متعاونة في مكافحة المقاومة العراقية·
يقول النائب الاميركي الجمهوري داريل عيسى'لا يوجد اي دليل على ان سوريا مسؤولة مباشرة عن هذا الاغتيال، لكن لا يوجد ادنى شك في ان سوريا بقيت في لبنان أطول من المدة التي حددها إتفاق الطائف في العام ··'1999
ومع انه من الصعب توقع الخطوات الاميركية المقبلة تجاه سوريا، الا ان الامر المؤكد هو ان تلك الخطوات متعلقة بالعراق، اكثر مما هي متعلقة بالوضع في لبنان· ولا بد من الاشارة هنا الى ان سوريا لن تقدم على خوض مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة بشأن لبنان، اذا ما لمست إصرارا اميركيا فعليا وخطوات عملية تطالبها بالانسحاب من لبنان·
مناسبة للتوحد
وبرغم الحشد الهائل في جنازة الرئيس الحريري الذي هز مقتله لبنان واللبنانيين، الا ان مظاهر في تلك الجنازة اثارت اسئلة، حول القرار الذي اتخذ بعد إقامة جنازة رسمية للرئيس الراحل· فرجل كالرئيس الحريري يستحق جنازة رسمية وشعبية، وهو امر لا يمكن ان يكون منة من اي جهة رسمية او غير رسمية، ولا علاقة له بمواقف واشخاص المسؤولين·
الجنازة الرسمية الوطنية هي حق للحريري و وفاء له بسبب دوره وانجازاته الوطنية الكبيرة، بصرف النظر عن طبيعة الحكومة وشخصية رئيس الجمهورية· ولا بد من الاشارة هنا الى الصعوبات التي واجهها المنظمون في غياب الادارة الرسمية للجنازة بالنسبة الى تأدية الصلاة على الجثمان ومن ثم دفنه بطريقة مناسبة·
وكان المشهد المتوقع من جنازة لشخصية بحجم الرئيس الحريري، ان ترى شخصيات كبرى محلية وعربية وعالمية تسير وراء النعش· وفي هذا تعبير مجسد عن التقدير والدور التاريخي للراحل· وعلى سبيل المثال لم يكن مناسبا ان يغيب عن التشييع شخصية مثل البطريرك الماروني نصرالله صفير وسائر البطاركة ورؤساء الطوائف· ولم يكن مناسبا الا يكون وراء النعش كبار السياسيين وقادة الجيش وقوى الامن الداخلي ولم يكن مناسبا اطلاقا ان لا نرى في الجنازة حشد الشخصيات العربية والاجنبية التي قدرت الرئيس الحريري وارتبطت معه بصداقات حميمة، كانت ذات فائدة كبرى للبنان·
كان يفترض ان يخرج طلبة الجامعات والمدارس وممثلو النقابات والهيئات والجمعيات والمؤسسات كافة في لبنان وان تكون تعبيرا مجسدا عن الوحدة الوطنية اللبنانية وعن البعد العربي والدولي لشخصية الفقيد الكبير·
الرد الاولي··
هذه الصورة التي كنا نتمناها كان يمكن ان تكون الرد الاولي الابرز على منفذي الجريمة الذين ارادوا اشاعة الفتنة في لبنان بين مختلف فئاته· وارادوا تغليب العنف والفوضى والمنطق الميلشياوي، على الساحة اللبنانية وتغليب الفرقة على المستوى الاقليمي، في هذه المرحلة بالغة الصعوبة على العرب جميعا·
كان مؤسفا للغاية ان تطغى على جنازة الرئيس الحريري اعلام الحزب التقدمي الاشتراكي في مشهد لا يذكر الا بمشاهد الحرب الاهلية التي بذل الحريري كل جهده من اجل انهائها ومن اجل حل مليشياتها ومظاهرها·
وبدلا من ان يكون الرد الاولي بتعزيز الوحدة، مع التركيز على التحقيق لكشف الجريمة والتركيز على محاسبة المهملين والمقصرين في الدولة· جرى توجيه المناسبة لتكون تعبيرا عن الانقسام اللبناني، وهو امر عارضه الحريري دائما·
ولا بد ان نشير هنا الى ان الرئيس الحريري عزف دوما عن الانضمام الى تحالف المعارضة الذي يقوده لقاء قرنة شهوان (تغلب عليه شخصيات مارونية) والزعيم الدرزي وليد جنبلاط، كون هذه المعارضة اختصرت كل شيء وركزت على الصراع مع سوريا·
وكان الرئيس الحريري قد قال في آخر مقابلة معه نشرت قبل يوم من اغتياله في صحيفة السفير اللبنانية انه يتوقع تحسنا كبيرا في العلاقات مع سوريا· وكتب صحافيون مقربون منه بأنه كان يتوقع ان يلتقي الرئيس بشار الاسد · وقال صحافيون جلسوا معه قبل اقل من ساعتين على اغتياله انه ابلغهم بأنه يتخذ خطا غير خط المعارضة وانه يصعب عليه ان يتقبل مواقف مثل مواقف الرئيس الاسبق امين الجميل·ومع ذلك فقد نجحت تلك المعارضة في مصادرة الجنازة وحولتها الى مناسبة لاستهداف سوريا والدولة واطراف لبنانية منافسة· واستفادت من مواقف نواب مقربين من الحريري، يعتمدون على اصوات المعارضة في الانتخابات المقبلة·
وهنا لا بد من الاشارة الى ان المعارضة وجدت من السهل توجيه الاتهام الى سوريا، اساسا بسبب الموقف الشعبي العام في لبنان وفي بيروت تحديدا المستاء من السياسات السورية في لبنان، تلك السياسات التي بات اللبنانيون يحملونها المسؤولية عن كل شيء·
بعد إقليمي
ثم لا بد من الانتباه الى العامل الاسرائيلي فيما جرى ويجري على الساحة اللبنانية· فقد كان رد الفعل الاسرائيلي الاول على حادثة الاغتيال كلام لوزير الخارجية الاسرائيلي سيلفان شالوم يتهم حزب الله بأنه وراء عملية الاغتيال·
ويبدو واضحا ان هذا الكلام يحمل واحدا من تفسيرين· الاول اما ان يكون قصده ان فشل الحريري في حل حزب الله هو السبب وراء اغتياله· واما انه يريد اتهام حزب الله في سياق المخطط الاسرائيلي على مستوى المنطقة لاشعال حرب اهلية عربية - عربية، ابرز مظاهرها تأجيج الصراع الطائفي من العراق الى لبنان مرورا بأقطار عربية واسلامية أخرى·
ولا بد من الاشارة مجددا الى 'مصادفة' ان اغتيال الحريري جاء بعد يوم واحد من بدء تنفيذ الاتفاق الاسرائيلي- الفلسطيني، لوقف الانتفاضة·
ثم لا بد من التذكير بأن اسرائيل شعرت دائما بالمرارة من سياسات الحريري، الذي تجنب دوما الخوض في صدامات داخلية مباشرة ، كانت تأملها اسرائيل، وتحديدا مع حزب الله، الذي تعتبره اسرائيل عدوها اللدود الاول·
وكانت اسرائيل تتوقع من الحريري، منذ تشكيل حكومته الاولى في العام ،1992 ان يسير بلبنان بإتجاه سلام منفرد معها، وان يقوم بإتخاذ خطوات عملية لحل المقاومة ونزع سلاح حزب الله، وان يعمل مباشرا على انسحاب السوريين من لبنان، والاهم من هذا ان يعمل على توطين اللاجئين الفلسطينيين في لبنان·
ولا بد ان نتذكر هنا ان النائب وليد جنبلاط شخصيا كان يتهم حكومات الحريري بأنها عازمة على تنفيذ هذا البرنامج ويوجه اليها الاتهامات مباشرة·
وكان ابلغ سبب وراء الاستياء من سياسات الرئيس الحريري في الفترة التي سبقت وفاته، هو انه لم يوافق علانية على القرار الدولي 1559 الذي يطالب بالانسحاب السوري من لبنان، ولم ينضم الى المعارضة التي وضعت تحقيق هذا الانسحاب على رأس جدول اعمالها·
والملفت ان الرئيس الحريري استمر حتى بعد خروجه من الحكومة وخلافاته مع دمشق في محاولة اعادة مد الجسور مع العاصمة السورية، التي لا بد من التذكر بأنها كانت عاملا اساسيا وراء وصوله الى رئاسة الوزراء وبقائه فيها لاكثر من ثلاث عشرة سنة·
وغالب الاعتقاد ان الرئيس الحريري دفع ثمن تمسكه بالوحدة الوطنية اللبنانية وبالعلاقة المميزة مع سوريا، برغم اعتراضه على الكثير من السياسات السورية، ودفع ثمن المخططات الهادفة الى اشاعة الفوضى وتأجيج الحرب الاهلية، ابعد من نطاق لبنان· ووفاته في هذا الشكل تركت حسرة عميقة في نفوس اللبنانيين، وكذلك جنازته التي كان يمكن ان تكون نهوضا جديدا للبنان، كما كانت حياته السياسية منذ اواخر الثمانينيات·
مؤشرات ايجابية
الا انه لا يمكن الا ان نشير الى مؤشرات ايجابية، كان ابرزها زيارة وزير الداخلية سليمان فرنجية اسرة الحريري للتعزية بعد يوم واحد من التشييع· وهو مؤشر ايجابي يشير الى الاتجاه الى بعض الاعتدال وتخفيف التوتر، خصوصا وان فرنجية من ابرز رموز الحكم والموالاة·
وكان ملفتا ان فرنجية ذكر بأن الحريري كان حتى شهرين من اقطاب الموالاة وهو لم يتعاون مع المعارضة الا في الشهر الاخير قبل وفاته· مشيرا ايضا بأن الدولة اللبنانية هي المتضرر الاول اضافة الى سوريا مما حصل·
ومن المؤشرات الايجابية تغير لهجة الوزير السابق فؤاد السنيورة بإتجاه مزيد من الاعتدال، الذي يتعارض مع لهجة الوزير الاسبق باسم السبع يوم الاغتيال·
وكان موقف المملكة العربية السعودية الرافض للجنة تحقيق دولية للتحقيق في جريمة الاغتيال، بحسب الاقتراح الفرنسي ، مؤشرا آخر الى تدخلات اقليمية للتهدئة، واعادة وضع الامور في نصابها··
وهي خطوات يفترض ان يتبعها خطوات اخرى في الايام المقبلة، لإعادة الامور الى نصابها ومنع استغلالها من اطراف داخلية، هي اقلية، ومن اطراف اقليمية لا تريد الخير للبنان والعرب، وهي المستفيدة الرئيسية من تغييب الرئيس الحريري بهذه الطريقة التي لا مثيل لهمجيتها واجرامها·

اقرأ أيضا

جنوح سفينة في النرويج وجهود لإجلاء 1300 راكب