صحيفة الاتحاد

دنيا

الصورة نص مواز


القاهرة ـ ابراهيم فرغلي:
'بيروت شي محل' العنوان الذي اختاره الكاتب يوسف رخا لكتابه الذي ضمنه تفاصيل رحلته الى بيروت خلال الصيف الماضي لكنه اختار له شكلا غير تقليدي بالمرة فهو كتاب مصور من القطع الكبير ويضم العديد من الصور بالابيض والاسود وكذلك تمت كتابته بشكل غير تقليدي فهو ليس كتاب رحلات تقليديا·
كتب يوسف رخا عما يراه بعينيه واختبر الانطباعات العامة التي يعرفها هو عن بيروت مقارنة بما يراه في الواقع واختيار شكل الكتابة يعبر عن مضمون الكتاب فهو يذهب الى بيروت لاول مرة ويدرك انه يعرف الكثير عنها لكنه لا يفهم كثيرا لذلك يبدو النص وكأنه شذرات او اضاءات ليست متصلة زمنيا وانما تومض كلما عبر عن فكرة او موقف او حالة او موضوع يحتاج للمناقشة· ولذلك اختار يوسف رخا دار امكنة لاصدار كتابه وهي دار نشر تابعة لدورية امكنة التي يشرف عليها الكاتب علاء خالد والمختصة بثقافة المكان·
وتضم الشذرات رصدا لحالات يصف فيها الكاتب مشاعره بحيث يصبح جزءا اساسيا مما يراه فهناك مثلا وصف لمشاعره في الفترة التي سبقت السفر: 'لا استمرئ الخوف، ربما لست خائفا· لكن شيئا كالضياع يحيط بالمساحة التي يشغلها جسدي ومنذ سنين لم اغادر الحدود المصرية ولم اضطر لحمل جواز سفر او تعبئة بطاقة مغادرة ولا الوقوف بالصف امام شباك خلفه ضابط ومررت بالفعل من حاجز الامان لكن لحظة رعب مفاجئة تنتابني ان اصبح في صالة المغادرة لا مهرب الان من الاقلاع في طائرة لبنانية ولا مهرب من الهبوط في مدينة لم ازرها ابدا'·
اما معرفته بلبنان فهي تتطور معرفيا فقرة بعد اخرى دون ان تخفي هذه المعرفة ارتباك قلة المعرفة: 'لم افهم شيئا من 'بيروت بيروت' لصنع الله ابراهيم· لم تسعفني الارادة قبل ان يصبح لي أصدقاء من هناك· عليّ البحث عن كتب أو أفلام توثيقية وزملائي بمكتب 'الأهرام ويكلي' يسردون تفاصيل الأخبار لصالح هذه الفكرة أو تلك· ثمة اتفاق مضمر على ان إسرائيل وأميركا شر· 'كذلك كل من يتعاطف معهما· عكس العرب والمسلمين المغبون حقهم· واخر حدث تابعته بنفسي نجاح حزب الله في تحرير جنوب لبنان وخروج إسرائيل لم يكن في الحقيقة أكثر من مناورة عسكرية في حربها مع سوريا هكذا اخبرني اللبنانيون، جبهة الجنوب 'المقاومة' لم تؤثر الا على ثلاث مستوطنات، ولم يكن تأثيرها كبيرا مثل موضوع 'مزارع شبعا' حيث يتحجج حزب الله بتحريرها ليظل دونا عن كل التجمعات الاخرى ممسكا بالسلاح·· لكنني ـ فجأة هكذا ـ مهتم بحكاية لبنان وفرحان لانني سأحضر ذكرى 13 نيسان· ولانني لبيت نداء 'س'· ولانني سأعرف أخيرا ماذا تعني بيروت، وصديقي الذي لم أره الصحفي الشاعر وألحان زياد رحباني وشاطئ بعيد للبحر الأبيض ومنقوشة الزعتر على 'الترويقة'·
ويستخدم يوسف رخا نصا موازيا عن الإسكندرية تظهر ملامحه احيانا بجوار النص الأصلي الخاص ببيروت واحيانا يظهر ذلك النص وحده، ووجود النصين يؤدي إلى نوع من المقارنة الضمنية بين المدينتين وبين حالتين نفسيتين يمر بهما الكاتب في مدينة الإسكندرية المألوفة له ومدينة بيروت التي يصل اليها لأول مرة·
جوانب مزنوقة
'نهار كامل شعرت فيه انني أتعرف على جوانب مزنوقة من روحي· كأن يكشف النساء شيئا من اجسادهن في الشوارع أو يستطعم الإنسان البن في القهوة، أو يقف لك سائق التاكسي قبل ان يعرف وجهتك حتى الصحف فيها اخبار ـ مجرد انطباع ـ وكونك موظفا يعني انك تمارس وظيفة والخروج يؤدي فعلا للترويح عن النفس·· يمكن ان تعمل نادلا أو حوذيا دون ان تضرب على قفاك وإذا اجتمعت باعداد كبيرة، في مكان عام لن تحاصركم اعداد اكبر من جنود الأمن'·
وتمثل الصور في الكتاب أيضا سردا موازيا للنص الأصلي، أي انها لا تؤدي دور التكرار بشرح ما يقوله النص، وانما تقدم نصا آخر يعطي فكرة أوسع، لها طابع بصري، عن بيروت كما شاهدتها عين الكاتب·· من صور عامة، إلى الرسوم، والتعليقات على جدران المنازل، والمقاهي، أو صورة لشخص يصطاد في مياه البحر وافيشات أفلام سينمائية مصرية قديمة أو صورة كبيرة لعبدالناصر أو رسوم لشجرة الأرز الشهيرة على بعض الجدران أو الملصقات ذات الطابع السياسي والوطني أو صور لمدينة بيروت في أثناء الليل·
'اليوم اتخذ لروحي ركنا في 'ملك البطاطا'؟ لا نعرف كيف نأكل وأتمشى بطول الممر ولن اترك المنطقة حتى يحين موعد 'س' في 'المايفلاور'، انا التائه دائما في شوارع المدينة كأعقاب السجائر ماذا يربطني بهذه الدروب؟ نسيم بحري يحمل صوت سيارة عابرة على الكورنيش· ثمة لقاء مع عباس بيضون وآخر مع كريستين طعمة· بالليل أحمل الكمبيوتر من 'جان دارك' لـ'الحمرا' حتى تكون معي الصور والنصوص والكلام عن الادب والسياسة والفن وربما الفلسفة أيضا'·
وفي مقاطع عديدة يتأمل المؤلف هواجس الطائفية في بيروت، ومعناها وما أدت اليه، والتقاء الطوائف اخيرا بعد اغتيال الحريري، ومع ذلك يلمح ما يشبه اليأس في ان تتحول بيروت إلى منطقة انتخابية واحدة· حلم ثقافي كما يقول له احد الكُتاب· يحاول ان يفهم أكثر تأثير الطائفية في لبنان، وينقل هواجس الحرب عبر اطيافها التي مازال بعضها ماثلا·
'حدثني محمد سويد ـ في الحمرا ـ عن الحرب من منظور انثوي وقال ان هذا يفتح احتمالات غائبة في المنظور الذكوري السائد'· ويعود الكاتب إلى استشهاد من صديق اخر يفهم منه ان الحرب اصلا لم تنته صحيح ان الميليشيات اختفت والموت لم يعد يوميا لكن منطق العنف الميليشياوي لا يزال يحكم التفاصيل خاصة في السنين الأولى لوقف اطلاق النار· ثم يتأمل في موضع آخر كيف انه بين يوم وليلة سيختفي العساكر والعمال غير المصرحين وتُزال صور بشار وتماثيل باسل تحت ستار الليل· لكن احدا لا يفكر في صوغ برنامج يمنع حدوث تصادم لا شيء أكثر من البازار الوطني والمطالبة بالحقيقة·
خبرة ذاتية
ويبدو هذا الكتاب حميما بسبب الخبرة الذاتية للكاتب التي تمتزج بنص الكتاب، وتضفيره لاجزاء من علاقته هو بوالديه، ورأيه في المثقفين الماركسيين المصريين، ومشاعره الشخصية، سواء علاقاته العاطفية أو تأثره العاطفي امام ساحة الشهداء في لبنان، بما يجعل من الكتاب تجربة خاصة في العلاقة بين رؤية المصريين للبنانيين والعكس·· أي كأنه في الكتاب يقدم نسيجا من المرايا المتقاطعة تعكس كل منها جزءا من صورة هذه العلاقة بكل تركيباتها وتعقداتها ومستوياتها وأفكاره عن العروبة، وعن الطبيعة العصرية لبيروت، واللغة الفرنسية التي يستخدمها الجميع·
اما النص الذي يتقاطع مع النص الأصلي للكاتب فهو نص كتبه قبل عامين ونشر في مجلة 'زوايا' بعنوان 'قلبي على الترابيزة'·
وبالاضافة إلى المشاهدات والحوارات واليوميات واللقطات التي يلتقطها يوسف رخا في كتابه فإنه اعتمد أيضاً على عدد من المصادر من بينها كتب من أعمال الروائيين اللبنانيين الياس خوري وربيع جابر ومحمد سويد ورشيد ضعيف بالاضافة إلى بعض الأفلام الوثائقية والتسجيلية مما يجعل من الكتاب وثيقة تصور راهن بيروت الآن وتراجع علاقة العاصمة المصرية بالعاصمة اللبنانية تاريخيا وفي الوقت المعاصر على السواء·
وعي بالجسد
عمارة 'راس بيروت' مثل 'الميكانو' متعدد الطبقات· الطريق يصعد ويهبط· يستدير وينسد وعندما نمشي قليلا والكورنيش وراءنا يأتي احساس باختباء الاشياء داخل بعضها كأن دستة مدن كاملة قامت وانهدمت خلال الشهر، وبقيت اثارها ـ في المدينة الحالية ـ على بعد طرفة عين من أسطح الواجهات· لا يوجد وسط بلد باللغة العربية، نمشي باتجاه 'الداون تاون' والعجائز الجالسون على العتبات يشيرون لنا كما يفعل أطفال المدارس مع السياح في احياء القاهرة الشعبية· وعلى الشارع العمومي نصطدم بمعرض أو ملاه محطات مرتجلة لتبادل الهتافات والأجسام تستعرض بقصد وتتجاوز التحرر وثمة وعي بالجسد يجعلك بعيدا جدا عن أوروبا لكن كل شيء هنا يحاول ان يقنعك أنك هناك·
صبرا وشاتيلا
ليس فقط لانها ذكرى اندلاع القتال· من أول نفس هواء في بيروت أبحث عن معنى للحرب ثم انتهائها ولا شك ان للمسألة صلة بادراكي المتأخر 'للي صار' لم أكن أعرف ـ مثلا ـ كم هي قريبة مجزرة 'صبرا وشاتيلا' ولا ان شارون ـ في الرواية الإسرائيلية ـ لم يأمر بتنفيذها أصلا· ثمة رأي يقول بان 'ايلي حبيقة' وثلاثة من قادة الجناح الأمني للقوات اللبنانية تطوعوا بها· وإيلي حبيقة ـ بعد الحرب ـ صار وزيرا في الحكومة اللبنانية وايلي حبيقة قُتل يوم قرر ان يكشف عما حدث امام محكمة دولية·
اشياء كثيرة لم أكن أعرفها، لكن المكان أيضا معبأ· الجلبة دون صوت· بخار كثيف غير مرئي يتصاعد من الادمغة والكيانات كأن مؤامرة ضخمة تتحكم في تصرفات الناس والمهم ان يكون 'مفيش مشكلة' والكل يحب الكل وظلال السوريين تطارد كل واحد منهم من خلف الاسطح والجدران·
لا شيء يهم
أي مدينة بمثل هذا الصغر: لا تكاد تلف بالسيارة من أبعد نقطة في الاشرفية حتى تجد نفسك في ساحة البرج من جديد وإذا تركت وجها في 'الروضة' قاصدا مقهى' ليناز' مرجح ان تصل فتجد الوجه ذاته يطالعك هناك· أي مدينة لم يعرف سكانها الوحدة بالدرجة التي تقنعهم بأنه لا شيء يهم، ولا حتى الوقت يهم، ولا الآخرون· غفوت وفي الصباح مضيت ناحية الجامعة الأميركية مجددا دون ان أبكي، ودون ان اتهم بيروت بالريفية ولا حتى بيني وبين نفسي وكنت متحمسا للبشر والاماكن مأخوذا بعروبة عجائبية تشغلني منذ المرور من بوابة المطار والفضول ينفض جسمي تقريبا طول الوقت·