الاتحاد

دنيا

الحب سرٌّ يرفض التعريف ويأبى التصنيف

حوار ـ هناء الحمادي:
وما أدراك ما الحب··· عندما نسمع هذه الكلمة البسيطة في حروفها والكبيرة في معناها، فإننا نقف مكتوفي الايدي لما لها من تأثير على القلوب، لا أعتقد بأن هناك من لا يعرف ما هو الحب، ولكن يصعب عليه تفسيره·
والحب اجتماع بعد فرقة، ووصل بعد هجر، وكلمة حب كلمة عامرة لها أنداء وأفياء وظلال وأبعاد، كما هي كلمة مؤنسة مشجيه مشوقة معجبة مطربة مغرية، لكنها في المقابل ذائعة شائعة رائعة، غير أنها خفية لطيفة شريفة، وهي باسمة مبهجة مشرقة، عليها طلاوة ولها حلاوة وفيها نضارة، وفي كلمة حب بسمة وضمة ولهفة واشتياق ولوعة··· إنها رحلة في عالم التآلف والتآخي والتفاهم والتضامن·
ومهما وصفنا، يظل سؤال: ماهو الحب؟ أقدم سؤال في الدنيا، وكل فنان له جواب، وكل فيلسوف له رأي·
لقد سمعت كثيرا عن الحب، راقبت أناساً تحب، قرأت قصصا طويلة عن الحب، أحببت قيس أحببت روميو وتعبت، لا 'قيس' وجدت ولا 'روميو' رأيت، فأدركت أني تائهة في متاهة الحب، وأني لست من أبطالها فضعت وتعلمت أشياء غريبة عن الحب···
وفي هذا اللقاء الذي نبحر فيه لمعرفة ما هو الحب، وجدت الإجابة الشافية عند الدكتورة فائقة حبيب ـ خبيرة ومستشارة في العلاج النفسي والأسري في 'مؤسسة ألفة للاستشارات التربوية والاجتماعية' وهذه هي الإجابة:
تقول الدكتورة: إن محاولة الإجابة على هذا السؤال وتعريف الحب هي أصعب مهمة على أي إنسان سواء كان مفكرا أو فيلسوفا أو شاعرا أو عالما، وهذه المحاولة تشبه اقتناع إنسان بأنه صار قادرا على الميزان بميزان الذهب· هناك حب الآباء لأولادهم، حب الوطن، حب الرب، حب القمر، أو حب أي شيء له ذكرى في الوجدان، وبالرغم من كل هذه الأنواع السابقة تندرج تحت عنوان كبير واحد هو الحب، فإن كلا من هذه الأنواع له معنى ومذاق مختلف، وإذا كانت اللغة الإنجليزية تقتصر على كلمة loveللتعبير عن الحب وقاموسه الواسع، فان اللغة العربية أشمل وأكثر قدرة على الاحاطة بهذا الشعور المستعصي على التعريف، والمراوغ لمن يحاول وضعه في قفص التصنيف والتبويب·
وتضيف الدكتورة فائقة: إذن الحب هنا هو التعلق والحميمية والاهتمام الكبير بالآخر، ونعني بالتعلق الحاجة إلى القرب من المحبوب ودعمه ومساندته، والحميمية هي الرغبة في التواصل الحميم مع المحبوب في ظل خصوصية معينة، ومشاركة الحبيب أفكاره ومشاعر معينة دون أي شخص آخر، أما الاهتمام الكبير فيتضمن الشعور بالمسؤولية تجاه الشخص المحبوب والاهتمام بشؤونه·
أنواع الحب
* إذن في مقابل ذلك، هل للحب أنواع؟
** بالطبع يمكننا أن ننظر إلى الحب كنوع من الاتجاه النفسي يحمله الشخص المحب للمحبوب، وبالتأكيد للحب عدة وجوه وأنواع ويمكن أن نقسمه إلى نوعين: الحب السوي' السليم'، وهو الحب الناضج المطمئن النامي في أجواء صريحة وواضحة ومقبولة شرعيا واجتماعيا وتربويا، ويطمئن له الحبيب والمحبوب· والحب غير السوي 'المريض' أي المتهور، غير الناضج، الذي يجعل صاحبه يسهر ويأرق ويعيش حالة من الاكتئاب، والقلق وربما يصاحبه العديد من الأمراض النفسية والجسدية معا، وقد يفقد فيه أحد الأطراف الكثير من القيم أو يتنازل عن العديد من المعايير الشرعية والقانونية والأخلاقية، مما يؤثر على صورة الفرد عن ذاته وتقديره واحترامه لها، فقد يموت في بدايته أو في أي مرحلة حتى لو انتهى بالزواج، فلا يكتب له الاستمرار أو الرضى في أغلب الحالات·
عناصر الحب
أما بالنسبة لعناصر الحب فتجد الدكتورة فائقة حبيب أن للحب عناصر ومكونات من أهمها أن يكون حبا في ظل الحب في طاعة الله، وان يتسم بالحميمة، وهي الجزء الانفعالي من الحب وتتضمن الإحساس بالقرب والارتباط الوثيق بالآخر، والعاطفة بأنواعها المتأججة أو المتوسطة أو البسيطة، وهي العنصر الدافعي من عناصر الحب الذي يوقد المشاعر والتجاذب بين الزوجين، كما أن الحب يحاط بالالتزام مهما كانت درجته، وبالتالي فلا بد أن يصاحب الحب أفكار عقلانية من أهمها 'لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق'·
ميلاد الحب
وبالتالي نرى أن للعلاقة الزوجية آدابها المشتركة بين كل زوجين، كما لها خصوصيتها التي لا ينال منها تحديد مقوماتها، ومن اجل المحافظة على قدسية العلاقة الزوجية ومنها الحب تستطرد الدكتورة حديثها قائلة: تبدأ النظرة للحب في ظل العلاقة الزوجية من خلال قدسية حبنا لله تعالى، وأهم معانية وأسسه هي الطاعة والحب والتفاني، والإحسان والتعبير عنه من خلال أداء واجبات محددة، فالزواج الشرعي الاجتماعي القانوني في أفضل درجاته المبارك من خلال الإشهار الاجتماعي، هو أحد أدوات تأسيس الحب السوي الذي يوفر الأجواء الهادئة الواضحة المعنونة والتي تقود إلى السعادة التي تتفوق على الحب المريض الجالب للحزن والتعاسة وسهر الليالي وإحداث المشكلات والقلق والانتكاسات بل وأحيانا يؤدي إلى الاكتئاب، تقليدا لما يحدث في وسائل الإعلام الغربية عن قيمنا الإسلامية·
وعندما يولد الحب من خلال العلاقة الزوجية نجده يتألق، وبدلا من القلق يسود السواء النفسي والصحة النفسية على صاحبه، بل والسعادة والرضا الاجتماعي والمهني والأسري والنفسي، ويلبي حاجات الزوج والزوجة معا، في احترام لمعتقداتهما وقيمهما وذات كل منهما، وينمو خلال الاهتمام والتبادل العاطفي المطمئن والسليم· وهناك دراسات عالمية كثيرة أشارت إلى ظهور نتائج مرتفعة لنسب الطلاق بأنواعه النفسي والاجتماعي والانفعالي بين الأزواج المتزوجين بعد علاقة حب، بينما يتأجج الحب وينمو بشكل سليم في كنف البيئة الزوجية وداخل أسوار العلاقة الزوجية الحميمية المباركة من قبل الأهل والمجتمع، وتنمو مشاعر الحب وتزداد بمرور الأيام رغم وجود عقبات حول الزوجين المتحابين·
* لماذا إذن يخفت وهج الحب واتقاده بعد الزواج؟
تجيب الدكتورة: في أغلب الأحيان يبتعد الحب عن أهداف الزواج والأفراد، ويتناسى كل منهم أسرار الحب في الزواج السعيد، إذ لا يمكن فصل الحب عن الزواج، ولذلك هنا أتحدث عن الحب السليم وليس الحب المريض، كالذي يتم الاحتفال به في يوم من أيام السنة والذي لا يعبر عن الحب الدائم المستمر، ومن خلال تجربتي في تقديم الاستشارات بنموذج متعارف عليه في العلاقات الزوجية وهو - منحنى الرضى الزواجي - أجد أن العلاقة الزوجية عند بدء الزواج ترتبط ببعض المكافآت والتكاليف، وربما تكون بدرجة عالية في السنوات الأولى ثم تشهد هبوطا بالمكافآت والتكاليف في السنوات الوسطى، وفي السنوات الأعلى تشهد استقرارا في انخفاض التكاليف وصعودا في معدل المكافآت، وعلى الرغم من اختلاف المكافآت من شخص لآخر، إلا أن الدراسات أظهرت بعض العوامل ذات الأهمية في الجاذبية بين الناس نظرا لما تنطوي عليه من قيمة تعزيزية مثل: القرب، تكرار المشاهدة، الألفة، التشابة، جاذبية الهيئة، الود المتبادل، التكامل، الكفاءة، ولذلك فقد يخفت الحب بعد الزواج عندما يخل أحد أطراف العلاقة الزوجية بأحد الشروط أو الأدوار·
وتضيف الدكتورة: لذلك من اجل إحياء هذه المشاعر لابد من تفعيل علامات الحب بين الزوجين ومن أهمها: إدمان النظر إلى الأمر الذي أحبه، وإقبال العين عليه، كثرة ذكر المحبوب والحديث عنه، الانقياد لأمر المحبوب وإيثاره على مراد المحب، قلة صبر المحب عن المحبوب، الإقبال على حديثه والإنصات إليه، ومحبة أهل المحبوب وأهل بيته، الإسراع إليه في السير وحث الركاب نحوه، وخلاصة الأمر ينبغي من كل زوج وزوجة فهم العلاقة الزوجية ومراعاة صفات الزوج الآخر ما يحب ويرغب، وان يصبر كل منهما ويرضى ويأمل في محبوبه وزوجه وعلاقته·
منهجية الحب
* إذن هل يمكن الحديث عن منهجية معينة لنجاح أي علاقة زوجية؟
تجيب الدكتورة فائقة بكل وضوح حول هذه النقطة، فتقول: لكل مهارة منهجية محددة ينبغي اتباعها لكسب هذه المهارة الفعالية والنجاح، وللحب عدة منهجيات منها: مراجعة الأزواج للمفاهيم غير الواقعية والبدء بتصويبها وفقا لبيئتهم الزوجية، تزويد الأزواج وأفراد الأسرة بالمعارف والمهارات الخاصة ببناء الخارطة العاطفية، تفعيل التفكير الابداعي، اتباع استراتيجيات الباب المفتوح والاتصال بشفافية بين أفراد الأسرة الواحدة، تغيير طرق اللقاءات العاطفية وأساليبها، كشف المشاعر الايجابية للآخر، تكرار مراجعة حوار النبض الداخلي والمشاعر، تقارب الاتجاهات والقيم أو المعايير التي ينظر بها كل من الزوجين للعلاقة الزوجية، وأخيرا اعتماد أسلوب الحوار الايجابي والاتصال الفعال بين الزوجين·
وهكذا في الأخير··· نجد أن الحب في النهاية اختصار لأشياء يعجز الإنسان عن وصفها مهما تعددت الأسباب، فالحب كلمة تشمل الإحساس، النبض، الروح، الوجدان، بل هو الإنسان بكل ما يشكله من جسد وروح وماض وحاضر ومستقبل، لكنه بات صفة نادرة في الوجود، رغم أنه وردة تتفتح كل يوم بل هي الوردة التي لا تذبل مهما مر عليها الزمن··· وهو النبع المتجدد الذي لا تنضب مياهه مما مر عليه من الظروف، فقبل أن تحب إبحث عن معاني الحب والإخلاص والوفاء في حياتك، وستعرف كيف تجد الحب الذي طالما بحثت عنه·

اقرأ أيضا