الاتحاد

دنيا

المروحة اليدوية تستعيد عزَّها القديم

مدريد ـ نادية السباعي:
ما الذي يميز الأنيقة عن غيرها من النساء؟
الإكسسوارات هي الفارق بحسب المصممين الأوروبيين المعنيين بالأزياء والأناقة··· وهي الشيفرة المفرقة بين صبية وزميلتها، بين امرأة ومنافستها (في باب الأناقة بالطبع)، بين الحسناء 'الاوريجينال' والعادية، بين من تلبس للسترة أو لاتقاء أحوال الطقس وتعاقب الفصول وبين المنغمسة في غوى الشكل من رأسها حتى أخمص قدميها· باختصار الاكسسوارات هي كحبة الكرز التي تزين قالب الحلوى على حد تعبير الفرنسيين·
لا يتوانى المبتكرون موسما بعد موسم عن استحداث اكسسوارات تطرح في الأسواق دفعا بالنساء باتجاه المزيد من التميز والفرادة· لا بل تستعاد أدوات ونماذج من عصور وحقبات سالفة كنا نخمن أنها باتت أسيرة المتاحف أو مجرد ذكرى عابرة تهم بعض الهواة· هكذا يبدو أن المروحة اليدوية في طريقها إلى استعادة مرتبتها كإحدى الاكسسوارات اللازمة لكل امرأة عصرية حتى تكتمل أناقتها بمسحة خاصة تميزها عن الأخريات·
من كان يفكر بأن المراوح اليدوية ستستعيد عزها في زمن المكيفات ووسائل التبريد المتقدمة المعروفة اليوم··· لا بل وتباع في فصل الشتاء أيضا؟
على هوى الناس
كانت المراوح دائما على هذه الشاكلة· تغيب وتحضر على هوى الناس ورغباتهم· الفراعنة هم من حقق أول نموذج واشهره من الأبنوس لـ 'توت عنخ آمون'· استخدم الهنود المراوح وتملك الصين أقدم تصميم معروف حتى اليوم يعود إلى القرن السابع قبل الميلاد· ظهرت المروحة كأداة لإبعاد الذباب والبعوض والحشرات عن الإله والفرعون والملك فيما يعتقد البعض أنها وجدت منذ أن أشعل الإنسان النار أول مرة··· فلا نار من دون مروحة تؤججها·
صارت اكسسوارا أنثويا مع الإغريق وكانت حاضرة في طقوس بيزنطة الشرقية· ودخلت ضمن لوازم أثاث القصور وسخر شبان أشداء لحملها والترويح بها عن السلطان· تلقفها البحارة البرتغاليون عام 1540 من اليابان وادخلوها إلى البلاطات الأوروبية من خلال سوق ليشبونة اكبر أسواق الجملة في ذاك الزمان· وانتشرت المراوح في اسبانيا وايطاليا وأولعت بها 'كاترين دو ميديسيس' التي أوصلتها إلى بلاط فرنسا· وصنعها العطارون والحرفيون قبل أن تصير نتاجا صناعيا وكانت حكرا على السادة وعلية القوم قبل أن تصير سلعة في متناول الجميع·
ملهمة الشعراء
ألهمت المروحة الشعراء··· فقد كتب الفرنسي مالارميه فيها قصيدتان من عيون الشعر الحديث واستوحى منها الرسامون بيكاسو ومانيه ورينوار وغوغان وآخرين مواضيع للوحاتهم· صنعت من أوراق اللوتس وريش الطاووس وجلد البجع واستخدمت للدعاية التجارية وتدوين النوتات الموسيقية والأغاني في إنجلترا وفرنسا ولنشر الأفكار السياسية عام 1789 خلال الثورة الفرنسية·
لغة الأنوثة
تعود المروحة مجددا أو بالأحرى تعاود حاليا بعض دور الأزياء التذكير بها خصوصا المصممين الشبان الذين يعتبرونها أداة تعبير شخصية مميزة· وتقدم عدد من الدور الأوروبية المتخصصة بالاكسسوارات المروحة ضمن مجموعاتها الصيفية بالإضافة إلى أن بعضهم يعرضها على امتداد السنة· فالمراوح بحسب الدعاية المسوقة لها هي نموذج للهدية الظريفة في جميع المناسبات والاحتفالات· وما أكثرها في أوروبا بدءا من أعياد رأس السنة وعيد العازبات وعيد الام وعيد الجدات والسكرتيرات وأعياد الميلاد مرورا بعيد الحب··· فهدية فالنتاين لهذا الموسم يريدها البعض على شكل مراوح حمراء كقلوب العاشقين أو زهرية ندية للصبايا الخجولات· ولأن الموضة تتلاعب بأمزجة النساء كما تتلاعب المراوح بالنسيم فقد عرضت احدى المبتكرات الفرنسيات أكثر من 15 نموذجا يتراوح سعر المروحة منها بين 20 و25 يورو لتتمكن السيدات من توليفها يوميا مع ملابسها ومناسباتها العامة أو الخاصة وعلى الأخص مع مزاجها اليومي·
من كل شكل ولون
بين المراوح تلك المستوحاة من الشرق ذات الرسوم اليابانية والصينية أو المستنسخة من جلد الأفاعي أو الحمار الوحشي كما في الأدغال الأفريقية إلى المراوح المروجة لشعارات متداولة ك 'بيس اند لاف' ـ سلام وحب ـ أو للقطة سينمائية أو مرقطة كما اللباس الحربي··· ومن المراوح المطعمة بحبات الكرز المكتنزة أو قطع السكاكر الملونة المناسبة لصغيرات السن والصبايا إلى المراوح ذات اللون الواحد، السوداء أو المزاوجة بين الأبيض والأسود للأنيقات الأكثر جدية··· من مراوح الحرير الممهور بالرسوم المرفهة أو المزنرة بالدانتيل وبشرائط الساتان إلى مراوح الموسلين والتفتا والاورغنزا المطرزة أو المرصعة بالأحجار الكريمة إلى مراوح القطن والقش وأنواع الورق الشرقي وريش الديكة والحمام والنعام·
مراوح قبضاتها من خشب الورد والجوز والتفاح والأجاص والأراسيا والكستناء والأبنوس الإفريقي والخيزران أو من الصدف الياباني أو العاج الهندي والإفريقي أو العظم وقرون الأبقار (الشقراء الايرلندية هي المفضلة عند حرفيي ألـ 'هوت كوتور' لتنفيذ مقابض المراوح المرهفة)، ولكن أيضا من البلاستيك ومواد أخرى صناعية للمراوح العادية··· مراوح قبضاتها مغشاة بالذهب أو مطلية أو خام تبرز عروق الخشب وتشكيلاته الطبيعية الفريدة·
مرواح ذات طرز مبتكرة تنافس المراوح التراثية التي اعتبرت لوقت طويل مجرد تذكارات يحملها السائح كدليل على هواه بحرف هذا البلد أو تلك المنطقة التي زارها· في هذا المجال المراوح الاسبانية هي الأكثر شهرة في أوروبا وأفضل تصاميمها وأغلاها هو ذاك الذي يحققه أهل فالنسيا المدينة المطلة على البحر المتوسط التي عرفت شهرة واسعة في الحرفة منذ النصف الأول من القرن التاسع عشر·
الأسبانية··· تراثية
في أسبانيا لم تقطع النساء علاقتها بالمروحة وليست القصة عندهن قصة اكسسوار على الموضة· هي عادة تتناقلها الأجيال فيما بينها· تهديها الجدة إلى الحفيدة في سن مبكرة والأم إلى ابنتها وتنتظرها الصغيرات بحرارة وولع· للمراوح محلاتها الخاصة في مدريد والمدن الاسبانية الأخرى وغالبيتها بيوت عريقة معمرة منذ عقود· ولن تجد المراوح في المتاجر والمحال الكبرى كما الألبسة أو باقي الاكسسوارات وهذا دليل على المكانة الاستثنائية التي تتفرد بها عن مجمل لوازم الزينة والأناقة·
في اسبانيا تبدو المروحة وكأنها امتداد لليد تشغل أصابع النسوة وهن يتبادلن الأحاديث في المقاهي والحانات· وهذه عادة ألطف من الإمساك بسيجارة بحسب آداب السلوك الاجتماعي المتعارف عليها عند الاسبان و دليل أكيد عندهم على أناقة متكاملة· يكفي النظر إلى صور الملكة صوفيا أو الأميرة ليتيزيا المأخوذة لهن صيفا للتحقق من أن المراوح اليدوية الاسبانية باقية كرمز من رموز البلد مثل الفلامنكو رقصا وموسيقى·
يوجد مروحة في حقيبة يد كل اسبانية مهما كان عمرها وموقعها الاجتماعي خصوصا ان الاسعار تتناسب مع كل الميزانيات· ويمكن العثور على مروحة ب 6 يورو في حين أن بعض موديلاتها يصل سعره إلى 2500 يورو· هذا الفرق الشاسع في الأسعار عائد بالطبع إلى الفروقات في كلفة المواد الخام المستعملة والتصميم المبتكر واليد العاملة المتخصصة في حرفة يدوية كادت أن تندثر في عواصم أوروبية عدة·
منافسة فرنسية وإيطالية
وتراهن المحترفات الأوروبية الأخرى خصوصا الإيطالية والفرنسية القليلة المتبقية على التميز والمنافسة من خلال تصاميم إبداعية تتناسب مع التغيرات في أمزجة الأوروبيات والخطوط العريضة للموضة وانقلاباتها المتسارعة· وهي تحاول حاليا منافسة اسبانيا والصين المنتجان الوحيدان في العالم للمراوح بكمية كبيرة وبأسعار زهيدة معتمدة على تبني دور الأزياء الراقية للاكسسوار القديم وإعادة تشكيله بشكل عصري· طبعا هذا لا يقلل من القيمة الفنية للإنتاج الاسباني فقد قدرت مروحة اسبانية خضراء مطعمة بالذهب ترجع إلى عصر النهضة بحوالي 12 ألف يورو في آخر مزاد علني لمراوح تاريخية أقيم في العاصمة الفرنسية وما زالت اسبانيا تملك خبرات وإبداع مميز في هذا المجال· أما المراوح الحرفية الآتية من الشرق ألاقصى فيعتبرها الأوروبيون قطعا فنية فريدة يعلقونها كاللوحات أو يعرضونها كالتحف والأيقونات داخل إطارات فخمة·

اقرأ أيضا