الاتحاد

دنيا

جاذبية سري تحتمي بالبيوت من الكوارث

القاهرة - ياسر سلطان:
الفنانة جاذبية سري إحدى الفنانات المصريات اللاتي حملن الراية من جيل الرواد الأوائل هي وأقرانها من الفنانين أمثال حامد ندى وعبدالهادي الجزار وحسن سليمان وغيرهم وأوجدت لنفسها مكانة مميزة في الحركة التشكيلية المصرية بما تميزت به من غزارة في الانتاج وفهم لأدوات العمل التشكيلي وارتباطها بواقع الحياة المصرية وعناصرها الأصيلة والمتنوعة·
جذبتها الحياة الشعبية المصرية بكل ما تحمله من ثراء تشكيلي وعناصر لونية، وداعبت مخيلتها -بشكل خاص- مشاهد البيوت الشعبية المتراصة الى جوار بعضها والتي كانت عنصرا رئيسيا في اعمالها في فترة الستينات من القرن الماضي·
ولم تكن البيوت التي رسمتها الفنانة حينها مجرد حوائط ومساحات صماء، بل كانت تمثل لديها عالما آسرا ينبض بالحياة والعلاقات الدافئة·
بيوت كثيرة متلاصقة تحددها اللمسات والخطوط المتجاورة والمتداخلة في ليونة تارة، وفي حدة متوترة تارة أخرى· لقد كان عالما ساحرا، استطاعت الفنانة من خلاله أن تقدم العشرات من اللوحات المليئة بالتنويعات اللونية والزخرفية لتنتقل بعدها الى رسم الصحراء برحابتها وامتدادها، وما تحمله من مثيرات متباينة ومتناقضة وجذبتها اشكال الكثبان الرملية اللينة وخطوط الأفق المتباعدة وما يثيره المشهد المترامي من احاسيس ومشاعر صوفية اضافة الى توغله في الموروث الثقافي الشرقي·
ثم تداخلت الصحراء والبيوت في مرحلة تالية أكثر نضجا واكتمالا نجحت فيها الفنانة جاذبية سري في المزج بين عناصرها المختلفة داخل اللوحة الواحدة واتخذت فيها البيوت المرسومة اشكالا بشرية شاخصة وحزينة وتراوحت المساحات المترامية وتقاطعت خطوطها الأفقية مع زحام المدينة بثرائها الشكلي وتنوعات ألوانها الزاهية·· حينما بدت لمساتها -كما يقول عنها الناقد فاروق بسيوني- عريضة ومنهمرة يتكون عن طريق انهمارها الشكل ويتوالد بعضه من بعض في حيوية مدهشة·
وبدا الخط مفعما بالحركة ومحملا بسخونة الرسم السريع وتدفقه، كما أصبح اللون اكثر زهاء ونصاعة وتحولت اللوحة الى حالة من الحركة واتسعت العيون وبدا الابداع ساخنا بحيوية الأداء حاملا قدرا من النضج والبساطة البليغة التي يعكسها انصهار المعنى في الشكل وكأنما هي عملية توقيف قسرية للزمان ليذوب في المكان أو تحويل للمكان ليصبح زمنا مستمرا لا ينقطع·
واليوم تعود جاذبية سري الى رسم البيوت من جديد في معرضها بقاعة الزمالك بالقاهرة تحت عنوان 'فانتازيا التحور' ولهذه العودة الى رسم البيوت اسباب خاصة لدى الفنانة والتي عادة ما ترتبط اعمالها بقضايا الناس وهمومهم· اذ تقول: بدأت ارهاصات هذه المرحلة الأخيرة مع المستجدات التي طرأت على الساحة من تحول في موازين القوى العالمية وما صاحب من عنف ودمار في كل مكان بداية من احداث سبتمبر 2001 الى غزو افغانستان والعراق وما طرأ على المجتمع العربي من سلبيات وايجابيا·
واضافت: ما حدث من تدمير لبرجي التجارة في نيويورك آلمني · تألمت لهذا العدد من الأرواح التي أزهقت مرة واحدة لاسباب غير مبررة ولا تنطلي على عاقل· ثم زاد ألمي لما حدث بعد هذه الجريمة من جرائم اخرى بشعة صاحبت غزو افغانستان والعراق من عنف ودمار وخراب وامتهان لكرامة الانسان· الأمر الذي أثر في وجداني ومشاعري وجعلني أعود مرة اخرى لألتصق بالبيوت والناس· البسطاء الذين يدفعون ثمن جرائم لم يرتكبوها ويتأثرون بقرارات الحرب التي يتخذها الساسة الذين لا يشعرون بهذه المعاناة التي يشعر بها الناس العاديون·
كائنات ممسوخة
وعن أوجه التشابه والاختلاف واسباب العودة الى هذه المرحلة السابقة التي رسمت فيها الفنانة البيوت والناس بعد هزيمة يونيو 1967 تقول جاذبية سري: هناك تشابه في المفردات والعناصر وطريقة التناول بين هذه المرحلة والمرحلة السابقة، غير أن الناس الذين كنت ارسمهم وقتها كانوا اشبه بالحجارة أو الكائنات الممسوخة في حكايات ألف ليلة وليلة أما البيوت فقد كنت أضفي عليها بعض الملامح الانسانية وكنت واقعة حينها تحت تأثير صدمة عنيفة كغيري ممن عاصروا هزيمة 1967 التي ادت بي الى حالة اشبه بالجنون وكانت مرحلة مؤثرة في حياتي الفنية تركت بصماتها على مراحلي اللاحقة·
واضافت: الاسباب التي دعتني الى العودة مرة اخرى الى استخدام نفس هذه العناصر والمفردات تتشابه الى حد كبير مع الاسباب السابقة· فنحن نعيش اليوم حالة من الصدمة لما يحدث حولنا من كوارث وحروب· الامر الذي دفعني الى العودة مرة اخرى الى تناول هذه المفردات والعناصر· الا ان البيوت هذه المرة تختلف عن سابقتها· فلقد طغت عليها الملامح الانسانية وتحولت هي نفسها الى بشر وتحول الناس بدورهم الى بيوت متراصة الى جوار بعضها· في معالجات فنية تعكس هذه العلاقات الحميمة بين الناس البسطاء في مواجهة المتغيرات التي تحدث حولهم· وما يعتري المجتمع العربي بشكل عام من تحولات ومظاهر تبدو في بعض جوانبها سلبية تتمثل في القبح والعشوائية المسيطرة على سلوك الناس وايجابية في جوانب اخرى نرى مظاهرها في الحراك السياسي والاجتماعي والفكري الذي يحدث اليوم في مجتمعاتنا·
ونجحت الفنانة في التعبير عن كل ذلك في اعمالها المعروضة التي تتحرك فيها المفردات وتنسحب الشخوص من الصدارة والمواجهة متحولة الى عناصر داخل أنية تجريدية ينقسم فيها السطح الى مساحات هندسية متناغمة ومن خلال الحوار الذي احدثته بين الانسان كعنصر عضوي وبقية اجزاء التكوين الهندسية يتولد التعبير ساخنا فوق سطح التوال· فبدا الأمر كما لو انه حوار وجدل ما بين التجريد والتشخيص· فالسطح مليء بالتقاسيم الهندسية والأشكال الخالصة المتسقة الساكنة، وفي نفس الوقت تبدو متداخله مع شخوص متحركة متلاحمة معها تثير فيها نبضا حيويا يتوافق فيه الحوار بين لغة التشكيل والمعنى التعبيري دون طغيان لأي منها على الآخر· ويؤكد ذلك تلك الخشونة في السطح ووضوح لمسات اللون ذات الإيهام بالبعد المنظوري اللوني·

اقرأ أيضا