الاتحاد

عربي ودولي

الدكتورة نيفين مسعد: دخول الملف الإيراني مجلس الأمن لا يعني عقوبات فورية

حوار- محمد أبو الفضل :
وصل الملف الإيرانى لدرجة خطيرة من التراشق والتصعيد ، وتداخلت فيه الملفات وتشابكت القضايا، وتزايدت معالم الإثارة في المشهد النووي، عقب نجاح الولايات المتحدة في جره الى حلقة مجلس الأمن والتعامل معه برؤية تستند الى قدر من الاجماع الدولي ، وفي ظل سياسة شد الحبل بين واشنطن وطهران بدأت الأزمة مرحلة جديدة ، لا تزال ملامحها النهائية مجهولة ، فعند أي منعطف قد تحدث تطورات تقلب الموازين وتؤثر في المعادلات التي نراها بالعين المجردة ، فكل طرف له حساباته ودوافعه وأغراضه ، التي ربما تلتقي في لحظة معينة عند صيغة محددة فتتراجع مؤشرات التصعيد ويتم لملمة الأوراق المبعثرة في اتجاهات مختلفة ،أو نصل الى نقطة اللاعودة التي يصبح معها حديث المصالح المشتركة غير ذي جدوى ، وللتعرف على بعض خلفيات الأزمة وأوجه التعاطي معها وحدودها وتأثيراتها على بعض الدول العربية طرحت ' الاتحاد' على 'الدكتورة نيفين مسعد' أستاذة العلوم السياسية بجامعة القاهرة وخبيرة الشؤون الإيرانية ، مجموعة من التساؤلات التي تتعلق بالملف وآفاقه من وجوه متباينة ·· وهنا نص الحوار :
تبدو الكثير من الدول العربية منزعجة من المشروع الإيراني ، فما هي مكونات التهديد التي يمثلها للأمن القومي العربي في المدى المنظور ؟·
لا يثير تهديدا بصورة مباشرة لكنه يفتح المجال لهواجس متعددة، منها طبيعة الأهداف التي تدفع طهران لامتلاك سلاح نووي ، في الوقت الذي تعاني فيه إيران من مشكلات اقتصادية مختلفة ، كما أن وضعها الأمني حاليا أفضل من أي وقت مضـى لأسباب عدة، في مقدمتها انهيار القدرات العسكرية العراقية ونجاحها في تطوير آلياتها المسلحة بما يمكنها من الوصول لأهداف غربية بموجب صواريخ بعيدة المدى ، وإذا كانت الولايات المتحدة تستطيع تطويق الجمهورية الاسلامية ، فإن الأخيرة لديها الامكانيات التي تفعل بها ذلك لتصبح مصدرا لتهديد مصالحها ، مع وجود فروق نسبية واضحة بين القوتين والظاهر أن الوضع الأمني لايران أفضل من أوقات سابقة كثيرة،بحكم عدد من التحولات التي جاءت نتائجها لصالحها ،من هنا ظهر القلق العربي من مشروعها·
لماذا أخذ المجتمع الدولي موقفا تصعيديا الآن من ايران ، بلغ حد التلويح بعدم استبعاد استخدام القوة العسكرية ضدها ؟·
التصعيد الحاصل حاليا في الدرجة وليس فى الطبيعة ، فإذا تأملنا قضية الملف النووي الايراني منذ إثارتها ، نجدها تتخذ خطوة للأمام وأخرى للخلف ، فمعنى أن التصعيد الايراني بشأن المضي قدما في مشروع تخصيب اليورانيوم وصل الى الذروة فى بعض الأحيان ، وعندما تبدأ القوى الدولية فى الاستنفار والتهديدات المقابلة لها كانت طهران تتراجع وتعلن تجميد مسألة التخصيب ، لذلك فالتصعيد الايراني الراهن ليس جديدا ، وارتفاع حدته له علاقة بالمكونات الشخصية للرئيس أحمدي نجـاد ، لكن فكرة المناورة هى سمة من سمات الدبلوماسية الايرانية ،حيث تريد طهران استخدام الملف النووي للحصول على تنازلات من الأطراف الدولية بخصوص ترتيب الأوضاع فى العراق والتبادلات التجارية مع دول الاتحاد الأوروبي ، وتسعى الولايات المتحدة تحديدا للضغط على ايران من خلال الملف النووي بغرض تقليل أو تكييف تدخلها فى العراق بما يتسق مع المصالح الأميركية ، ما أريد قوله: أن المتابع للمشروع الايراني يلاحظ أن طهران لم تكف في أى وقت عن التصعيد ثم المهادنة والعكس ، وما ظهر على السطح حاليا هو غلبة التصعيد، وهذا لا يمنع صدور تصريح من حين لآخر يفتح طاقة ضوء بامكان حدوث قدر من المرونة الايرانية ، فبعد كل أشكال التصعيد والاشارات التي أرسلها أحمدي نجاد قال ذات مرة : أن بلاده أميل للتسوية الدبلوماسية ، هذا النوع من التصريحات يأتي ليمثل تواصلا مع مرحلة ما قبل نجاد ، الرئيس خاتمي بشكل خاص ·
هل معنى ذلك أن الصعود والهبوط في التهديدات (التصريحات) له علاقة بالرئيس الايراني ذاتـه ومكونات شخصيته؟·
بالطبع ، الأمر الذي تظهر تجلياته من خلال المقارنة بين خاتمي ونجاد ، الأول خطابه أكثر دبلوماسية ، لذلك فطبيعة الثاني ( نجـاد ) الخاصة هى التي جعلت التصعيد يبدو على درجة عالية من الحدة والتركيز عليه أوسع نطاقا ،ربما لأنه يفتقر الى الحنكة التي كانت متوافرة في خاتمي وإدارته ·
تلوين الخطاب
لكن الرئيس نجاد بدا تصعيده أكثر اتساعا ، حيث ابتعد قليلا عن المشروع النووي الى درجة توجيه اللوم لدوائر غربية بخصوص مسؤوليتها عن وجود اسرائيل ، هل هذا أيضا يدخل ضمن طبيعة شخصيته ؟·
في مسألة الصراع العربي- الاسرائيلي يمكن القول أن ما فعله أحمدي نجاد يمثل بدرجة ما نوع من الأنواع التغيير اللفظي ، فطهران تجيد تلوين الخطاب والحديث بأكثر من لغة ولسان ، فمنذ عهد الرئيس هاشمي رافسنجاني وايران أعلنت أن ما سيقبله العرب بشأن هذا الصراع ستقبل به طهران ، واذا قررت سوريا الحليف الاستراتيجى لايران استئناف عملية التسوية السياسية ، عندما كان ذلك مطروحا فى التسعينيات ، أعلنت طهران أنها تعارض التسوية لكنها لن تعرقلها ، من هنا أقول أن ما فعله نجاد يعد تواصلا مع مرحلة ما قبل التسعينيات ، حيث بدأ يتحدث مجددا عن رفض اسرائيل كدولة بشكل عام ورفض التسوية والاشارة للمحرقة وخلافه ·· ويعتبر هذا الكلام بمثابة انقطاع عن مرحلتي رافسنجاني وخاتمي ، وحيال الملف النووي الايراني أقول أن طهران لا تمثل انقطاعا من حيث المناورة ·
إذا كانت المسألة برمتها مناورة إيرانية للحصول على مكاسب سياسية فما هى التطمينات الحقيقية التي يمكن أن تقدمها طهران لدول الجوار؟·
انزعاج دول الجوار لم يبدأ من إثارة الملف الايراني فقط، فقد بدأت الهواجس تتسرب إليها عقب احتلال العراق، وإعادة ترتيب الخريطة العراقية لصالح الشيعة وسيادة أجواء طائفية بما يمكن أن يلقي بتداعياته على بعض الدول العربية ، خاصة أن طهران تتعامل مع ما يجري في العراق وكأنه قضية ايرانية ، وقد لفت نظري تصريح للسيد علي خامنئ قال فيه ' الانتخابات التشريعية نصر لنا وللعراقيين ' معنى ذلك أن الوضع شديد التداخل ، فالدور الايراني في العراق هو الذي أقلق في المقام الأول دول الخليج العربي ، يأتي بعده الملف النووي ليضاعف من المخاوف ويضيف نقطة ثانية فى غاية الحساسية ، وباعتقادي ليس من المصلحة الايرانية لإثارة فزع دول الخليج ، لأن ذلك من شأنه يرخى بظلال سلبية على بعض المصالح التجارية المشتركة، ولطمأنة هذه الدول على ايران أن تخطو في مسارات إيجابية وعملية تزيل أى هواجس خليجية ، وتؤكد بالدليل أنها لا تنوي تهديدها أمنيا ، وأتصور أن إعادة طرح فكرة دخول إيران مجلس التعاون الخليجى التي أثيرت فب عهد الرئيس خاتمي يمكن أن تمثل نوعا من التطمين ، أى بافتراض أن طهران امتلكت سلاحا نوويا فسوف يكون تحت قيادة مجلس التعاون كله ، وفي تقديري أن إنتاج تصريحات لفظية من هذ النوع يعطي الانطباع أو يشيع الارتياح لدى دول الخليج لأن هذا السلاح بفرض صحة امتلاكه سيصبح في خدمة هذه الدول ·
مفتاح العراق
الإصرار الايراني على الاستمرار في المشروع النووي أدى الى ظهور حالة من الإستهداف الدولي وحدث تقارب في المواقف بين القوى الكبرى باتجاه إيران ، فما هى أسباب التقارب؟·
لا زال هناك تمايز نسبي في موقف الولايات المتحدة ومواقف بعض القوى الدولية ، حتى عندما كانت قضية الإحتواء المزدوج تطرح في الثمانينيات وكانت طهران وبغداد توضعان في سلة واحدة من زواية الخطر الذي تمثله كل واحدة على المنطقة ، كان الصوت الأوروبي دائما يتصدى لهذا الموقف ، والآن صعد إلى سدة الحكم رئيس ايراني ( نجاد) يفتقد الى الخبرة السياسية ويطلق تصريحات ساخنة تنطوي على قدر من المزايدة أكثر من احتوائها على تهديدات واقعية ، فأكسب الموقف الاميركى مزيدا من المصداقية ، وساعد على ذلك مضي طهران فى توجهاتها إزاء الاستمرار في تخصيب اليورانيوم ، مما أدى لتقارب بين واشنطن وحلفائها الأوروبيين ، أصبح يميل لصالح استمرار الضغط على إيران ، لأنها لم تأخذ عملية تنشيط تخصيب اليورانيوم من قبل طهران بشكل جاد كما أخذته في المرحلة الراهنة ، وهو ما استتبع حدوث تغيرات في مواقف روسيا والصين مثلا ·
ذكرت قبيل الحوار أن الولايات المتحدة مدركة عدم قدرة طهران على امتلاك سلاح نووي ، فما هى الأهداف الأميركية الكامنة وراء التصعيد المتواصل؟·
أهمها الحد من الدور الايراني في منطقة الشرق الأوسط عموما وفي العراق تحديدا ، وتريد منها أن تفعل في العراق كل ما يخدم مصالح واشنطن فقط ، بدليل أن الأخيرة فى الأزمات التى تعرضت لها فى العراق كانت تستدعى الدور الايراني ، لذلك لا تمانع الولايات المتحدة فى وجوده من الأساس، لكن بشرط عدم تصادمه مع مصالحها، فاذا كان هذا الدور سيخل بالمعادلة السياسية بما يسمح بقيام دولة دينية على غرار إيران فانها سوف تقف ضده ، مع مراعاة أن هناك تيارا فى الإدارة الأميركية ( يمثله المحافظون الجدد) يؤمن أن الشيعة هم مفتاح العراق ، إلى حد أن شبّه أحد الصقور القضية بقوله' إذا خسرنا الشيعة فقد خسرنا العراق ' وأردف قائلا ' إذا خسرنا السيستانى خسرنا الشيعة '، هذا اختزال مخل تسبب فى مشكلات كثيرة لواشنطن، لذلك لجأت الولايات المتحدة اضطرارا للاستعانة السياسية بإيران في بعض الأحيان ·
هل يعني هذا الكلام أن واشنطن هى التي عززت الدور الايراني في العراق بأشكاله المختلفة ؟·
لا أعتقد أن الولايات المتحدة هى التي خلقت المشكلة الحالية أوعززت عمدا دور إيران بكل أشكاله ، لأن هذا يقتضي أن تكون واشنطن ممسكة بكل أوراق اللعبة في العراق ، في حين لا يوجد طرف يمسك مئة بالمئة بالأوراق ، ولا حتى العراقيين أنفسهم ، فإذا قلنا أنها سمحت للايرانيين بالدخول الى العراق فان ذلك يستلزم مراقبة صارمة للحدود من قبلها وهذا غير متحقق في ظل حالة عارمة من الفوضى ، وبالتالى لم تعط الولايات المتحدة الايرانيين تأشيرة دخول مجانية، ولا ننسى أن بعض الذين دخلوا الى العراق عبر الأراضي الايرانية هم أصلا لهم جذور عراقية،كانوا قد هاجروا منذ سنوات لأسباب متباينة ، لذلك هناك جزء كبير مما يجري فالعراق يتم بقوة دفع ذاتية ، ونتيجة الفلتان الذي يسود بعض مناطق العراق ، وأدلل على صدق كلامي بالاشارة الى أن الولايات المتحدة عندما تولى ابراهيم الجعفري رئاسة الحكومة لم تكن راضية عنه ، لكنها لم تستطع إزاحته ، وفي هذا السياق أؤكد أنها لم تخلق قوة طهران في العراق ، غير أن الأوضاع بصفة عامة وطبيعة التركيبة الديموجرافية والمعارضة السابقة بصلتها الوطيدة بايران هى التي أدت الى هذا الواقع، وحاولت الولايات المتحدة الاستفادة منه ·
الى أى درجة تمثل الطموحات الإيرانية في المنطقة خطورة على أمن المنطقة ؟·
من المهم فك الاشتباك بين مواقف الأطراف العربية بخصوص ايران ، فما يقلق دول الخليج يختلف عن ما يثير هواجس مصر مثلا ، التي كلما بدت علاقاتها قريبة من طهران نشاهد تطورات تقلب الموازين فتعود الى المربع الأول ، كما أن المناخ الدولي المضاد لإيران والرافضين لقبولها كدولة نووية يلقي بأثقاله على مواقف الدول العربية ، مع ملاحظة أن الضغوط الدولية للتأثير في قناعات وتوجهات أى دولة عربية نحو ايران لن تحرز نتائج ايجابية إلا إذا كانت هذه الدولة أو تلك لديها ما يبرر الاستجابة إليها ·
أميركا ··والجواد الرابح
كيف نفك شيفرات المعادلة التي تقول أن الولايات المتحدة تسعى لاجراء حوارات مع التيارات الاسلامية المعتدلة وتأخذ مواقف متشدة من إيران التي يتردد أنها تدعمها ماديا ومعنويا ؟·
باليقين أن الولايات المتحدة تدرك أن المعارضة الاسلامية هي الجواد الرابح في ظل ضعف المعارضة الأخرى، وبالتالي لا تريد أن تكرر في أي دولة عربية ما سبق أن فعلته مع إيران قبل الثورة ، حيث راهنت على نظام الشاه ثم فوجئت بمعارضة إسلامية اكتسحت الشارع الايراني ،وأزعم أن الصدام الراهن بين واشنطن وطهران فيه من التهويل أكثر من الواقعية، فقبل عامين كشف النقاب عن وجود قنوات اتصال خفية بين أعضاء الكونجرس الأميركى ونظراء لهم في مجلس الشورى الايراني ، وعند الكشف عن هذه الاتصالات طالب خامنئي بوقفها لأنها ظهرت إلى العلن،أي ليست كل القنوات المفتوحة معلومة للكافة، إنما بعضها الذي يكون معروفا·
ماهي أغراض هذا التهويل والإخفاء؟·
منطقيا مصالح هاتين الدولتين متصادمة ، فإيران دولة قائمة على نظام ثيوقراطي به قدر من الديمقراطية لكن به أيضا قدر يعتد به من الاستبداد ، ويتناقض ومفهوم ولاية الفقيه بكل ما يحتوي عليه من هيمنة على المؤسسات مع مفهوم الولايات المتحدة للحرية ، ومع ذلك تدرك الأخيرة أن هناك مصالح تجمعها مع إيران في النهاية ، سواء في العراق أو حزب الله في لبنان ، ولا أستبعد في مرحلة من المراحل أن يكون الدور الايراني مطلوبا لعزل سورية أو لإحكام الخناق حولها ·
إذا كانت طهران تملك أورقا بهذا الحجم للتأثير في المنطقة ، فهل يعني ذلك استمرارها في مشروعها النووي ونجاحها في النهاية ؟·
من الذي يعطي إيران التكنولوجيا اللازمة لصناعة قنبلة نووية ؟، لعل الإجابة على هذا السؤال تكشف الكثير من الحقائق ، فاذا قلت روسيا ، أقول أن مصالحها الاقتصادية مع طهران لا تعتبر دليلا كافيا ، فلا ننسى أن حدودها الجغرافية الطويلة مع إيران سوف تصبح مهددة من جانبها ، ومن وجهة نظري لا توجد دولة نووية راغبة في امتلاك إيران لهذا النوع من التكنولوجيا، حتى باكستان أو كوريا الشمالية ترفضان ذلك ، كما أن ثمة قيودا اقتصادية كبيرة تفرض على طهران لجعلها غير قادرة على مواصلة مشروعها ، ولا ننسى أن أخطر الأزمات السياسية التي حدثت في ايران جاءت من روافد اقتصادية ، ومقارنتها بدولة مثل الهند مقارنة غير متوازنة ، فالثانية لديها ديمقراطية يمكن أن تشبع المواطن العادي في مقابل العجز الاقتصادي ، وايران لا تملك هذه الميزة، ويصعب عليها الجمع بين الاستبداد السياسي والقمع وعدم حرية التعبير والأزمات الاقتصادية ، فهذا الوضع يبدو مثاليا للانفجار الداخلي ·

اقرأ أيضا

مجلس الأمة الجزائري يبدأ إجراءات رفع الحصانة البرلمانية عن عضوين