الاتحاد

عربي ودولي

رافضو العمالة صداع في رأس إسرائيل

أحمد إبراهيم:
تتواصل ردود الفعل الساخنة على الساحة الإسرائيلية بعد الكشف عن قضية 'رافضو العمالة' من المواطنين الفلسطينيين وهي القضية التي مازالت مشتعلة إلى الآن على الساحة السياسية في تل أبيب خاصة مع رفض العشرات من الفلسطينيين سواء في الضفة الغربية أو قطاع غزة الانضمام كعملاء للمخابرات الإسرائيلية وأجهزتها الأمنية المختلفة للتجسس على دولتهم ونقل كل كبيرة وصغيرة لما يحدث في الضفة الغربية وقطاع غزة إليها·
المعهد السياسي الإسرائيلي في تل أبيب أصدر في الخامس من شهر فبراير الجاري دراسة بعنوان ' رافضو العمالة············أزمة حقيقية لإسرائيل' وهي الدراسة التي صدرت عن وحدة الشؤون الأمنية في المخابرات الإسرائيلية ونشرها المعهد بعد أن سمحت السلطات القضائية بذلك على الرغم مما تحتويه من معلومات حساسة ومثيرة للغاية عن العملاء وأساليب تجنيدهم واعتماد المخابرات الإسرائيلية على أبناء العائلات الفلسطينية المعروفة من أجل ضمهم إليها لكي يكونوا بمثابة أعين لها في المناطق الفلسطينية وراصد لكل ما يجري من تطورات سواء سياسية أو اقتصادية أو حتى اجتماعية بها ·
المثير أن الدراسة تكشف عن 'تنكيل' إسرائيلي بأي فلسطيني يرفض التعاون معها وتقوم بانتهاج سياسات عقابية محددة في هذا الصدد ، ومن أبرز هذه السياسات ' الإبعاد' أو ' التشويه' أو 'هدم المنازل'وهو ما تنقله الدراسة ضاربة المثال بشخصيات فلسطينية معينة تم ضدها إتباع هذه الوسائل·
اللافت أن هناك العشرات من المآسي الإنسانية التي تحدث بين الفلسطينيين نتيجة لهذه السياسات ، خاصة وأن إسرائيل تسعى إلى إتباع سياسة حديدية ضد أي فلسطيني يرفض التعامل معها لكي يكون عبرة لأي رافض لهذه المهنة الوضيعة·
أولى هذه المآسي التي تنقلها الدراسة قضية الشاب الفلسطيني 'عمر رشوان' الذي أبعدته السلطات الإسرائيلية إلى قطاع غزة بعد أن رفض العمالة لإسرائيل وهو ما أصاب زوجته باليأس خاصة وأنه العائل الوحيد للعائلة التي تتكون من ثلاثة أبناء ووالدتهم·
تجنيد العملاء
وتشرح زوجة رشوان هذه القصة الإنسانية موضحة أنها تزوجت من زوجها وبعدها بعدة أشهر فليلة رزقت بابنتهم الأولى وأسمها دينا ، وكانا سعيدين بها وجاءت فرصة عمل لزوجها في إسرائيل التي تعتبر مصدر العمل الوحيد لعشرات الفلسطينيين في كافة المناطق المحتلة خاصة في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي يعيشها الفلسطينيون في المناطق المحتلة سواء في الضفة الغربية أو قطاع غزة·
واستقر زوجها في إسرائيل خاصة وأنه كان يعمل كخباز في متجر يمتلكه أحد كبار المسؤولين في تل أبيب ، غير أن أوضاع زوجها تبدّلت بسرعة حيث تعرّف ومن خلال عمله على أحد الإسرائيليين ويدعى إيتسحاق الذي اتضح بعد ذلك أنه من كبار وحدة ' تجنيد العملاء' في المخابرات الإسرائيلية ،وهي الوحدة التي توليها تل أبيب حالياً أهمية كبيرة وتسعى إلى تطويرها خاصة بعد الصفعة الكبيرة التي تلقتها على يد حركة حماس خلال الانتخابات الفلسطينية الأخيرة وفشل عملاء إسرائيل في نقل الصورة السياسية بصورة صحيحة لما يجرى من تطورات على الساحة الفلسطينية ·
وحاول إيتسحاق إقناع رشوان بالعمل كعميل لإسرائيل في الضفة الغربية خاصة في المناطق التي يعرف فيها العشرات من الشخصيات في الأجهزة الأمنية والمؤسسات السياسية الهامة ، غير أن رشوان رفض تماماً هذه الفكرة معتبراً أنها خيانة لا يجب القيام بها ·
واستمر إيتسحاق في محاولاته الهادفة لتجنيد رشوان وعرض عليه العمل في المخابرات الإسرائيلية مع العملاء الجدد الذي تهتم إسرائيل بتجنيدهم خلال الفترة الأخيرة وعرض عليه الحصول على مبلغ كبير من المال وبطاقة للهوية في إسرائيل ليعيش كأي مواطن بها غير أن رشوان رفض هذا العرض معتبراً أنه لن يخون وطنه فلسطين مهما كانت الإغراءات المادية التي تضعها إسرائيل أمامه·
ومع رفض رشوان عروض إيتسحاق المتكررة قررت المخابرات طرده من إسرائيل إلى الأراضي الفلسطينية وبالتحديد قطاع غزة حيث يعيش هناك في ظروف اقتصادية صعبة للغاية خاصة في ظل قلة موارده المالية وصعوبة الأوضاع الاقتصادية في القطاع مقارنة بالأوضاع سواء في إسرائيل أو حتى الضفة الغربية ·
وتتمنى زوجه رشوان من أن تجد دولة عربية تستطيع أن تمنحها حق اللجوء السياسي خاصة في ظل الظروف الصعبة التي تعيشها مع زوجها ومضايقة الإسرائيليين إليهم حتى وهم في قطاع غزة ·
خالد البطل
ومن رشوان إلى قصة الشاب 'خالد' - الذي لم تذكر الدراسة أسمه بالكامل زاعمة أنه لدواع أمنية - المريض العاجز الذي تعتبر قصته مثالا على السادية والعنصرية التي تسيطر على الإسرائيليين حيث كان 'خالد' من أبرز اللاعبين السابقين لكرة القدم في فلسطين وكان يتمتع بتواجد كبير على الساحة الفلسطينية وكانت لديه العديد من العلاقات سواء السياسية أو الاقتصادية مع العشرات من الفلسطينيين خاصة مع الشعبية التي يتمتع بها وكان كبار قادة الحركات الفلسطينية المقاومة للاحتلال يحرصون على التواصل معه خاصة مع مهارته الكبيرة والمتميزة، وهو ما دفع المخابرات الإسرائيلية 'شاباك' إلى محاولة إقناعه بالعمل لصالحها والتجسس على أكبر قدر ممكن من الفلسطينيين خاصة مع الشعبية التي يتمتع بها ، غير أنه رفض تماماً هذه العروض خاصة وأنه متمسك بالثوابت الوطنية الفلسطينية التي ترتكز على محاربة الاحتلال ودحر كافة صوره من الأراضي المحتلة والتي تعتبر ظاهرة العملاء من أخطرها·
وأنتهج عملاء الشاباك في الأراضي الفلسطينية وسائل متعددة من أجل إقناع 'خالد' بالعمل لصالحهم بداية من المال أو النساء أو حتى الحصول على بطاقة هوية إسرائيلية والإقامة في أفضل المدن في إسرائيل بعد انتهاء فترة عمالته وخدمته للشاباك غير أن خالد استمر في رفضه لهذه العروض الأمر الذي دفع بالإسرائيليين إلى الانتقام منه وبتر احدى قدميه حتى يجبروه على اعتزال الرياضة والعيش عاجزاً طوال حياته ·
وتمت عملية البتر بعد اختطافه في مساء أحد الأيام من أمام منزله الأمر الذي أصاب خالد وجميع أصدقائه والمقربين إليه بحالة شديدة من الاكتئاب الذي ظل مسيطراً عليه لفترة طويلة غير انه اعتاد بعدها الحياة بقدم واحدة وبات مشرفاً فنياً على أحد فرق الناشئين الفلسطينية ·
ويطلق عليه الفلسطينيون لقب 'خالد' البطل نظراً لحبه لفلسطين ورفضه العمالة ضدها أو التجسس عليها وبات صورة من صور التضحيات الفلسطينية العديدة ·
هدم المنازل
ومن قصة الشاب خالد إلى مأساة عائلة 'الخواجا' الفلسطينية والتي تكشف الدراسة المشكلة الكبيرة التي تعرضت لها منذ قرابة ستة أشهر حيث قامت المخابرات الإسرائيلية بهدم منزلها بعد رفض عدد من شباب العائلة العمل كـ'عملاء' للشاباك في الضفة الغربية وقطاع غزة ، الأمر الذي أثار غضب كبار قادة الـ'شاباك' ودفعهم أخيراً لهدم منازل العائلة جميعها بلا استثناء وتركهم في العراء بالبرد القارس الذي يسيطر على فلسطين هذه الأيام ·
المثير للاستفزاز أن إسرائيل تعهدت وفي بيان وزّعه الجنود الإسرائيليون ممن يخدمون في المناطق الفلسطينية المحتلة بأنها ستعاقب أي عامل فلسطيني يساهم في بناء أي منزل لعائلة الخواجا زاعمة أن العائلة ستظل في العراء دون مأوى عقاباً لها على عدم خدمة إسرائيل·
وعلى الرغم من انتفاضة العشرات من جماعات حقوق الإنسان سواء الدولية أو الإسرائيلية نفسها ضد هذه السياسة أو ضد تلك البيانات التي يوزعها جنود الجيش الإسرائيلي ضد العائلة إلا أن تل أبيب أصرت على موقفها وهو ما دفع بأفراد العائلة للتوجه إلى مخيمات اللاجئين الفلسطينية للاستقرار بها حتى لا يعيشوا في العراء، الأمر الذي انعكس سلباً على الحالة الصحية لأفراد العائلة وأصابهم بالعديد من الأمراض المختلفة·
وتزعم الدراسة في نهايتها وفي لهجة استفزازية أن الأسلوب الذي اتبع مع عمر رشوان أو خالد أو عائلة الخواجا يعتبر جزءا من 'سياسة التأديب' التي تنتهجها المخابرات الإسرائيلية لمعاقبة أي شخص يرفض التعاون معها خاصة وأن تنكيل إسرائيل بمن يرفض التعامل معها وهو ما ظهر من خلال النماذج السابقة يصبح مثالا لأي فلسطيني للعقاب الذي يتم إنزاله ضد أي شخص يرفض التعاون أو التعامل معها·
وتشير إلى أن أبرز من طبق هذا سياسة التأديب هو رئيس جهاز المخابرات الأسبق عامي أيالون بالإضافة إلى الرئيس الحالي يوفال ديسكن الذي ينتهج ومنذ تبوئه لمنصبة منذ قرابة عام سياسات استخباراتية جديدة تهدف في الأساس إلى توسيع عمل العملاء والنهوض بهم خاصة في ظل التطورات السياسية المتلاحقة في الأراضي الفلسطينية والرغبة في معرفة كل كبيرة وصغيرة بها ، وهي الرغبة التي باتت ملحة للغاية خاصة بعد الفشل الذريع الذي منيت به المخابرات الإسرائيلية أخيراً على يد حركة حماس عندما فشلت في توقع اكتساحها للانتخابات الفلسطينية الأخيرة وهو ما أصاب جميع الأجهزة الأمنية في إسرائيل بصدمة حقيقية حيث توقعت فوز حركة فتح في هذه الانتخابات أو على الأقل تساوى حماس معها ، غير أن الزلزال السياسي الذي أحدثته حماس جعل العشرات من المراقبين يصفون تقديرات المخابرات الإسرائيلية بالفشل بل ويشبهون الانتصار الذي حققته الحركة فيها بأنه يمثل الانتصار الذي حققته مصر وسوريا 'استخباراتياً ' على إسرائيل عام 1973 عندما نجحتا في خداع تل أبيب في حرب أكتوبر وشن حرب متزامنة عليها وهو ما أدى لإقالة كبار الضباط والمسؤولين في المخابرات الإسرائيلية بعد ذلك·
وبالتالي تكشف هذه الدراسة عن شريحة وطنية متميزة في المجتمع الفلسطيني ،وهي الشريحة التي تعكس ملحمة بطولية أخرى للشعب الفلسطيني الذي يبذل الجهد والعرق والدماء من أجل تحرير وطنه المغتصب رافضاً الإغراءات المختلفة التي تضعها تل أبيب أمامه من أجل خدمة أغراضها ، الأمر الذي يعكس قوة الفلسطينيين وبأسهم الذي يشيد به العالم كله·

اقرأ أيضا

الشعبويّة واليمين المتطرف تحقق مكاسب قوية في الانتخابات الأوروبية