الاتحاد

تقارير

الشخصيات العامة··· وأدوات التقييم المفترضة

 جيرالد فورد  أكثر رؤساء أميركا المستقرين نفسياً لم يكن  عالي الكفاءة

جيرالد فورد أكثر رؤساء أميركا المستقرين نفسياً لم يكن عالي الكفاءة

من الأمور التي غدت عادية في حياتنا، النظر إلى الأشخاص الذين يختلفون معنا سياسيا على أنهم فاقدون للصواب أو مجانين؛ وقد يدفع ذلك البعض للتساؤل: هل هناك من وسيلة أخرى يمكن بها شرح حقيقة أن مواقف مثل هؤلاء الأشخاص - في نظرهم على الأقل- خاطئة إلى درجة كارثية· لقد رأينا ''مايكل سافيج'' الذي ينتمي الى تيار المحافظين المتعصبين وهو يجادل لسنوات، أن الليبرالية ما هي إلا شكل من أشكال المرض النفسي، كما سمعنا من أن الرئيس بوش يجب أن يعالج نفسيا، في حين ذهب آخرون إلى حد وصف بوش بأنه رجل مجنون، وكان من رأي'' دنيس كوسينيتش'' الذي شارك في منافسات الترشيح لخوض انتخابات الرئاسة عن حزبه الديمقراطي مرتين ''أننا يجب أن نبدأ في التفكير جديا حول صحة بوش النفسية''، وربما يكون السيد ''كوسينيتش'' نفسه قد نسي أنه عندما قال يوما إنه قد رأى طبقا طائرا فإن ''جون جيبسون'' المعلق الإخباري المشهور في قناة ''فوكس نيوز'' علق على ذلك بقوله '' نحن نعرف الآن بالفعل من هو المجنون حقا''·
أما بالنسبة لمرشحي الحزب الجمهوري لخوض انتخابات الرئاسة فإن ''مات تيبي'' الكاتب بمجلة ''رولنج ستون'' المتخصصة في شؤون الشباب وصف ''مايك هوكابي'' بأنه'' معتوه مائة في المائة''، وفي مقالة بمجلة ''فانيتي فير'' خلص ''مايكل وولف'' إلى أن ''رودي جولياني '' رجل معتوه بكل ما تحمله تلك الكلمة من معنى''·
وإطلاق صفة الجنون على الشخصيات العامة ليس بالظاهرة الجديدة، فخلال سنوات ''فرانكلين روزفلت'' الأولى في الحكم صورته مجالس النميمة، على أنه رجل يمضي جل وقت فراغه في صنع العرائس الورقية، ويضحك بشكل هيستيري في المؤتمرات الصحفية، ويخضع لإشراف أطباء نفسيين يتنكرون في صورة خدم، ويحرصون على بقائه مرتديا قميص المجانين لفترات ممتدة من الوقت· إذن الظاهرة ليست جديدة وإنما الجديد فيها هو توظيف أدوات عصرية جديدة في هذه الظاهرة أو ''الرياضة الشعبية'' في الحقيقة· فالبعض لا يكتفي بادعاء أن ''رونالد ريجان''، و''بيل كلينتون''، و''جورج بوش''، قد أظهروا جميعا أدلة على معاناتهم من نوع من الخلل العقلي أثناء وجودهم في مناصبهم بل يطالبون كما ذهب ''دانيال آمن'' أخصائي الأمراض النفسية والعصبية، بإجراء فحـــص بالأشعــــة المقطعيـــــة لمخ أي شخص يطمح لتولي منصب الرئيس، فنحن نرى هــــنا توظيفــــا لأدوات جـــــديدة فــــي ظـــــاهرة ليست بالجديدة·
من الممكن لنا أن نختلف مع أي شخص، دون أن نحاول التشكيك في سلامة عقله، فأنا مثلا لست من المعجبين ''بكوسينيتش'' ولكن لا اعتقد أنه معتوه، كذلك فإن سياسات بوش قد تكون مُضلَلة بدرجة خطيرة بيد أن ذلك في حد ذاته لا يعني أنه معتوه، أو فاقد للصواب؛ وحتى إذا ما افترضنا أن ما يذهب إليه البعض بخصوص السلامة النفسية للمرشحين صحيح، فهل يعني ذلك أن هؤلاء المرشحين يجب أن يجتازوا فحصا نفسيا حتى يتأهلوا لشغل منصب الرئيس؟
يجب علينا التوقف عن الحكم على الحالة النفسية للمرشحين الرئاسيين، والتركيز بدلا من ذلك على أدائهم، وأنا شخصيا أفضل رئيسا ذا كفاءة عالية يتسم ببعض اللازمات العصبية على رئيس آخر قد لا تكون به مثل تلك اللازمات، ولكنه غير قادر على أداء مهام وظيفته بكفاءة· فالرئيس ''جيرالد فورد'' على سبيل المثال كان من أكثر الرؤساء في التاريخ الأميركي في القرن العشرين من حيث الاستقرار النفسي والعاطفي، ولكنه لم يكن رئيسا يمكن أن ننظر إليه على أنه كان رئيسا عالي الكفاءة، في حين أن ''بيل كلينتون'' الذي اعترف بنفسه أنه يعاني من بعض المسائل العاطفية كان رئيسا مقتدرا وكفؤا·
وبالنسبة للمرشحين لخوض انتخابات الرئاسة أرى أنه يمكننا بدلا من اقتراح التفتيش على حالاتهم النفسية أن نقيّمهم بناء على، أولا: مواقفهم، ثانيا: سجلهم في الخدمة العامة؟ فأداء السيد ''جولياني'' المعيب والمتوتر كعمدة لنيويورك يعني أنه غير صالح لتولي منصب أعلى، ولكنه لا يجعل منه رجلا معتوها بالضرورة، وفي رأيي أن تبادل الأوصاف المهينة مثل معتوه، ومجنون، وأحمق، عند تقييم المرشحين يحط من قدر خطابنا السياسي برمته·
أن هناك الكثير من الطرق التي يمكننا من خلالها أن نعارض المرشحين الرئاسيين ونتصدى لمخالفينا في الرأي، ليس من بينها بالتأكيد المطالبة بالتحقق من مدى سلامة عقولهم، لأن هذه الممارسة إذا ما بدأنا فيها فإنها ستكون بمثابة وحش نطلقه من عقاله دون أن نقدر على إعادته أو منعه من النهش في قوام العملية الســـياسية لدينا، هــــــذا إذا لم يكـــــن هذا الوحـــــش قد انطلق بالفعل·


كاتب ومحلل سياسي أميركي
ينشر بترتيب خاص مع خدمة ''كريستيان ساينس مونيتور''

اقرأ أيضا