صحيفة الاتحاد

دنيا

المنمنمات العثمانية حياة مزخرفة

اسطنبول ـ سيد عبد المجيد:
سيكون أمرا رائعا لو كانت رحلتك إلى تركيا في يوم مشمس السماء صافية لا سحاب فيها، في هذه الحال، وما أن تقترب طائرتك من فضاء اسطنبول ستظهر لك المدينة، وكأنها لوحة تشكيلية نقشت مفرداتها بعناية، ولأن المدينة كانت عاصمة الخلافة الإسلامية فلن تفاجأ أبداً عندما ترى مآذن الجوامع الشامخة وقد أخذت الشكل المخروطي الدائري· ومما يزيد دهشتك أن البنايات الكثيفة والمنازل المتناثرة حولها، بسقوفها القرميدية جاءت تكمل المشهد ولا تنفصل عنه·
ينفتح لك المشهد السابق وتتعرف على بعض تفاصيله عندما تجوب أركان اسطنبول اليوم التي تحتضن فيه روعة أمسها القريب والبعيد· صحيح أن زيارة متاحف المدينة أمر مهم لكن بقدر من التأمل سيجد الزائر أن هناك أماكن بالمدينة العريقة هي في حد ذاتها متاحف مفتوحة، وها هي نوافذ بعض المساجد التاريخية وقد شكلتها قطع زجاجية متعددة الألوان مسطحة ومستديرة ومقوسة في غاية الجمال بعضها يعود تاريخه إلى ما يزيد على ستة قرون خلت، هذا عن الظاهر أو الخارج أما الداخل ففيه أيضاً مئات من التفاصيل تحويها منمنمات جداريه نقشت بعناية· وفي الأشكال الهندسية صالت وجالت الحروف العربية تارة تكتب نصا من آيات الله البينات وتارة أخرى تكتب أدعية للمولى سبحانه وتعالى أن يحفظ الإسلام والمسلمين· وفي المتاحف وعلى المنوال نفسه سنرى المئات من المنمنمات بدورها تخلب العقول من فرط دقتها المتناهية تأتي على قمتها أغلفة مذهبة خصصت للمصحف الشريف· وهكذا تحكي المشاهد التي نراها اليوم ماهية ثقافة الأناضول بيد أن منمنماتها وهي واحدة من الكنوز العثمانية التي تعد بالمئات تعكس ماضيا عريقا فيه الفرح وبه الحزن، ماض عرف الانتصارات الهائلة والانكسارات الموجعة·
أساطير وجن وعفاريت
يبدو أن الأناضول بنسخته العثمانية لم يكن قد تخلص بعد من الأساطير وحكايات الجن، وتفسير ذلك يرجع إلى أن الأتراك في تراثهم الحكائي لم ينسوا أصولهم الايغورية (نسبة إلى الأتراك الايغوريين الذين عاشوا في الأناضول قبل الإسلام)· وتؤرخ لتلك الفترة - كما يقول المؤلف التركي اوقطاي آصلان- أعمال يرجع تاريخ تدوينها إلى عام 1272 ومحفوظة في المكتبة الأهلية بباريس من إبداع مواطني مدينتي قيصرية واكسراي الواقعتين وسط الأناضول، وتبعدان بنحو 770 و 670 كيلومترا من اسطنبول، بالإضافة إلى ابن السجسستاني وهو من سيواس التي تبعد عن اسطنبول 892 كيلومترا في اتجاه الشمال الشرقي، ومواطنه ناصر الرمال الساعاتي السيواسي· وتضم هذه الأعمال النسخية والتصويرية مأثورات متنوعة من كتب التنجيم وصور العجائب الطبيعية ورموز غامضة بأبجديات مختلفة، ومنمنمات ذات خيال جامح تصور الملائكة بعدة رؤوس وعدة اذرع، أو ملاكا فوق صهوة جواده يصارع تنينا وغيرها من الأمور التي تجسد الأساطير أو الموروث الديني والتراث الشعبي·
لكن الخيال الجانح سيخبو أمام سطوة الواقع المعاش بقيمه الدينية والاجتماعية، وهو ما يظهر جليا في تشكيل النوافذ ذات الزجاج الملون الموجودة بمسجد السليمانية والذي يعتبر من الأعمال ذات الشهرة الكبيرة، ولا ننسى فن التصوير الشخصي مثل لوحة للسلطان جيم وهو في سن الواحدة والعشرين من أعمال الإيطالي بليني، وفي متحف 'توب كابيه' لوحة شخصية مشهورة من عمل الفنان التركي سنان بك تجسد السلطان محمد الفاتح وفي يده وردة· ورغم الألوان الزاهية التي استخدمت إلا أن المشهد النهائي يعطي إحساسا بمدى قوة شخصية السلطان والدليل الوقار الذي يظهر به·
حفلات ختان ومرح
وفي منمنمات تصويرية أخذت من مهرجانات حفلات ختان الأمراء تظهر مظاهر السكينة والأمان والمرح معا، ونرى السلطان فوق عرشه أمام خيمة كبيرة يحيط بها رجال السلطان وحاشيته، وتبدو حركات الفرسان وركض الخيول وكأنها مدروسة بعناية وبدقة متناهية· وقد ترك مقدم الصورة خالية ليفسح المجال أمام حركة السباق لتنطلق الخيول بحريتها· وقد مهد الازدهار العظيم في السنوات الأولى من حكم سليمان القانوني الطريق أمام اعظم مرحلة من مراحل فن المنمنمات ويوجد منظر يحكي استقبال السلطان سليمان القانوني لابن أحد ملوك أوروبا وأمه الحفلات التي كانت تقيمها نقابات الحرفيين لإظهار مهاراتهم هذا بلاضافة الى مشاهد الولائم وحفلات الفرح والمرح والترفيه التي كانت تستمر أربعين يوما بمناسبة أعياد الختان وتكونت خلفية من قصر إبراهيم باشا مع حاشيته ومسؤولي البلاط والواقع أن الفنان العثماني بتصويره حياة الناس في اسطنبول وأحوال التجار والصناع وهم يمارسون أعمالهم وهم كذلك بملابس عصرهم يكون قد ابتكر لونا جديدا بالكامل في فن التصوير المنمنمات وبتركيزه على الخصائص التي تميز كل منظر كما فعل مع نافخو الزجاج يكون قد أعطى استقلالية لكل عمل أعطى تصورا افضل للموضع ومشاهدة هذه الصور تبعث فينا المرح والبهجة اللذين تشيعهما تلك الاحتفالات ويجعلنا نستعيد صورة من أحاسيس الناس ومشاعرهم في تلك المرحلة ومنمنمة تصور احتفالات السلطان مراد الثالث 1546 ـ 1595 بختان ولده شهزادة وفي حفلات التتويج والتي كانت تصور بطريقة دقيقة نجد منمنمة تحكي تتويج سليم الأول ونشاهد من حوله الوزراء وكبار حاشيته في هيئة بالغة الأهمية والفخامة·
سليمان نامة
وفي موسوعة ' سليمان نامة ' المؤرخة عام 1558 والموصوفة على أنها عمل عظيم الأهمية كتبت بالفارسية من قبل خطاط أذربيجاني اسمه علي بن أمير بك الشرواني ما يربو على 69 منمنمة تصور أحداثا مختلفة من عهد سليمان القانوني ( 1495 ـ 1566 ) مسجلة وقائع احتفالية في بلاطه وخروجه للصيد واللهو ومعاركه وانتصاراته· وجاءت المنمنمات كلها رائعة سواء تلك التي رسمها الفنانون القوميون بأساليبهم المختلفة أو تلك التي رسمها الفنانون الأجانب، هذا عن داخلها أما غلافها فتجليده فاخر مذهب يعطي علامة مميزة في هذا العمل الموسوعي نجد فيضا من المؤثرات الشرقية والغربية مصاغة بأسلوب يفيض بالحيوية وينطق بالواقعية والمناظر المتنوعة التي جمعت بين ترك وفرس تعطي الكثير من الملاحظات والمعلومات عن أنواع الملابس والسلاح·
وفي نسخة أخرى مؤرخة عام 1579 توجد خمسة وعشرون منمنمة كتبها السيد لقمان بن السيد حسين العشوري الاموري غير أنها موجودة بمتحف دبلن، ومخطوطة أخرى من عمل الفنان لقمان عنوانها شاه نامة سليم خان نشاهد 43 منمنمة تحكي معارك السلطان سليم الثاني ( 1524 ـ 1574 ) وتصور القلاع والمدن التي غزاها، ويرجع العمل الى سنة 1581 وهي تكشف الى مدى بعيد أسلوب التصوير العثماني محفوظة بجامعة اسطنبول ويضم العمل كذلك منمنمات تصور الأحداث خلال السياسية إبان حكم السلطان مراد الثالث (1546 ـ 1595)، وفتوحات السلطان محمد الثالث عام 1600 وحملات السلطان عثمان الثاني 1626 وتحركات الجيوش·