الاتحاد

دنيا

منازلٌ لها في القلوب منازلُ

الشارقة ـ إبراهيـم الملاّ:
تمثل فكرة الانتقال من منزل إلى آخر ما يشبه هجرة جماعية لحواسنا، إن الرعب الطفولي الكامن في عبور العتبة، لا يمكن مقارنته برعب الهجرة هذه والتي تحمل معها منظومة كاملة من الذكريات المعاشة والممتدة· فترك المنزل للأبد يماثل في قسوته انخلاع أو بتر عضو حي، ذلك أننا سنبدأ من جديد في تأسيس دفاعات ذهنية وأسلحة عصابية تخصنا كي لا نفقد مُعطى الأمان وهبته المتحققة عند وضع أول قدم في المكان الجديد·
إن النضال الروحي والداخلي الذي صرفناه في المنزل القديم سيضعنا بالتأكيد أمام إشكالية تجديد هذا النضال، سيكون هناك وفرٌ هائل في اقتراحات الضوء، ولكننا بالتأكيد سنفتقد وإلى الأبد ظلالنا الحميمة·
رعب اللاإقامة
إن شعراء الجزيرة العربية في الجاهلية كانوا يتأسّون على الأطلال المهجورة، ومردّ هذا الأسى ليس التذكّر وحده، ولا بعث الترسبات القديمة، بل لانكشاف الشاعر على رعب اللاإقامة، إن الانفتاح الكارثي على شساعة الصحراء سيحيل فكرة الأمان إلى وهم لايمكن صَدّه، وبالتالي فهو فتات ونثار، بل هو العدم الذي لا يمكن له أن يتصالح مع أي تحقق ومثول وتواجد·
إن الانخلاعات التي تمارسها علينا فكرة ترك المنزل تشابه الفطام أو الانخلاعات الطفلية عن الأم، وهذه وإن كانت تأخذ أحياناً شكل التدرج العاطفي والبيولوجي، إلا أن تخلينا عن المنزل وبهذه القسوة اللامتوقعة يمكن أن يضعنا مباشرة أمام صدمة الطفو، فأمام هذه الصدمة وهذا الدُوار يمكن للشخص أن يقع تماماً في بؤرة اللاتمييز، فأنت لا تعرف هنا إذا كنت موشكاً على الغرق أو أن موجة رحيمة سوف تنقذ روحك، ولكنك رغم ذلك ستقع بلا شك تحت وطأة المصادفات المُرهقة·
ومن هنا ستظل هذه البيوت عائمة في مشاع تخيلاتنا، وستبقى هذه الطفاوة الثقيلة تلاحقنا أينما ذهبنا·
لقد كان الهنود الحمر يرون أن أساسات المنزل تساعد في تثبيت الدعائم تحت العالم، ولكن لنتخيل الآن عنف الانفصالات المدمّرة هنا، فمجرد تركنا لهذا المنزل فإن مفاصله سوف تتفكك، ولن يحميه من التلاشي سوى مصيره المشوّه والمضطرب في الزمان·
حياة كاملة
سيصبح العالم ذاته مرتعاً للتشققات والصدوع والهزات··· ولتداعيات الصور في المنزل القديم أثر في لا وعينا لا يمكن نهبه وتصفيته، وهو ذو تلاوين وحيل وزيارات وامتدادات وتقاطعات، إن حياة بأكملها صيغت هناك، وفضائل وشرورا تفتحت وقامت على مباهاتنا البشرية وقدرتنا المتفردة على ملء الزمن بالوجود، وملء المكان بالشوارد والبداهات والأخيلة·
ولكن كل ذلك إلى أجَلْ، وكل تلك المباهاة إنما تغْرف نقصانها من نمو الوقت، فهي أقرب إلى زوال وتعرية، ولكن ما يؤصل وجودها إنما هو نداء المقاومة النوستالجية التي تخص كل فرد منا، حسب قوة هذا النداء وحسب قوة تأثير المكان الذي هجرناه·
في طفولتي كان المنزل يمثل لي مركزاً للكون، مقارنة بوعيي المنحصر في حيّز التخطيطات الموصولة بين الجسد والمكان، وهو فردوس منغلق ومكثف بحيث يجعلني وفي كل مرة أعيد إنتاج العزلة الطهرانية التي تخصني والمؤسسة لفكرة الحماية التي راكمتُها وخبرتها، تلك الحماية التي تهبها الأسوار والغرف كنُزُل دائمة للطمأنينة وحيازة النشوات· أما العتبة أو برزخ الأضداد فهي تلك التي تؤرجحني وتمزقني بين جنة الإقامة في الداخل وبين مدينة الأخطاء في الخارج·
الخروج الغامض
تقترن مغامرة الخروج هنا في الانقذاف داخل عالم متخم بالغوامض، كالطرق والحواري والتوسعات الشاحبة والليالي التي يزعق فيها كائن الخرافات اللامرئي، وتلك الوحوش الصغيرة من الأطفال الذين يمثلون عصابات فطرية تتشكل هكذا من دون وعي منها·
إن خطر الخارج يكشفه التمدد الكبير لفكرة الانفصال، فأنت في قلب متاهة مشغولة بنسج وإنجاب متاهات أخرى مجاورة، وهكذا وفي فسحة الشكوك هذه سوف نتمسك بكينونة البيت أكثر، وسيكون هو في آخر المطاف ملجأنا وملاذنا النهائي· إن العواصف السامة والمتخبطة في الخارج ستكون دائماً أكبر من خبرتنا ودرايتنا ودهشتنا أيضاً·
إننا في الخارج نَتَعدّد ولا نصبح أنفسنا، إننا نتكاثر في مطلق العماء والانكسارات، في البيت فقط نستطيع أن نلملم ذواتنا ونلتقط ونرصّ ونلحم ما تناثر منا في الهبّات العنيفة للدياجير التي روّعتنا·
تصفية الألفة
أذكر أيضاً أننا انتقلنا من منزلنا إلى منزل آخر يقع في الحي نفسه، كانت المسافة بين المنزلين لا تتعدى الكيلومتر الواحد، ولكن الذي واجهني في المنزل الجديد كان شيئاً يشبه الاختلال التوصيفي أو الكمون المعرفي، إنها اللاجاذبية القصوى، والجسد الغارب والمغيب، كان الاختبار قاسياً وكان عليّ أن أصفّي إرثاً كاملاً من الألفة، وأن أدمِّر كل التصالحات السابقة التي وهبتني إياها العادة والمداومة والتناغم·
لقد كنت وسط هذه الورشة المعدة لصيانة الروح، ليس بمعنى تجديدها، ولكن لإعادة صياغتها، لقد كنت الحطاب المازوشي الذي تخيل جسده شجرة!
يضعك المنزل الجديد وسط حقل من الإرباكات، وتشعر للوهلة الأولى وكأنك تقتحم مكاناً لا يخصك، إنه فعل الانتهاك الذي يجعلك تتوجس وكأنك الغريب واللص والمتطفل، إن هذه الغيرية هي التي تصوّرنا مثل عُزّل وسط عراء مقيم، إنه الاغتراب الذي يقدمنا كضيوف لسكان المنزل الوهميين·
حيلة للحياة
هذا المنزل الذي سيصبح من الآن راعياً لأنفاسنا، وحارساً لأدق تفاصيلنا السرية، هذا المنزل الذي سنبني أعمارنا فيه، يوماً بعد يوم، وظلاً بعد ظل، هذا الذي ستزوره أرواح وستفارقه أرواح، وهو الذي سيفتح نوافذ الصباح لنا وسيغلق علينا باب الليل، هذا البيت سيكون حيلتنا لتسمين الحياة، وجعل العيش غاية وتطلُّباً وإيغالاً·
عندما أعود الآن إلى المنزل القديم وأطوف حوله، أتذكر الصفاء العميق الذي أضعته والنعومة اللاممسوسة التي خدشت بها روحي، وكأنني الهواء الداخل في هواء أو كأنني الماء الممتزج بماء، أود لو أطرق الباب وأعرف من شغل غرفتي، وأتمنى لو أن غريباً لم يسكن هذا البيت، وأن يبقى طاهراً وطافياً وعائماً، كما لو أنه مشمول بالأبد·

اقرأ أيضا