الاتحاد

ثقافة

«دبي أوبرا».. في مُدن البحْر أُغْنِيَة!

عروض عالمية مدهشة في «دبي أوبرا»

عروض عالمية مدهشة في «دبي أوبرا»

نوف الموسى

يقفُ «النهّام» في الوسط تماماً، في مَركز الأشياء، ويضربُ بقدميه على ظهر السفينة، بقوة، مرة، مرتان، ليستشعر ارتداد الصوت النابع من تجاويف السكونْ، ويَرفع يديه كامتداد الأشرعة على الساحل، ويُفسر بصفقات متتالية لما تحل الدمعة في مقلة العين، ولماذا وسط ألم الارتحالِ، هناك «آه» بمقدورها أن تغني. يُغمض النهّام عينيه مثلما يفعل النهّام سالم العلان وهو يروي عطش الصمت عبر الأفق. يسند رأسه على حافة صارية السفينة «الدقل»، وينادي: «العشق فيني، يرويه بحرُكَ، يا من استنير به، ويناجيني موجكَ، ألا يكفيني أني وسط الجموعِ، قادرٌ على أن أكون لكَ، حررني». عَمَ المكانُ الهدوء، إلا من صوت الـ «بربار» فقاعات هوائية، لأنفاس الغواص القادم من تحت الماء، رافعاً مع كل زفير، نجواه إلى الأعلى، محملاً بمحارةٍ لا يعلم إذا ما كانت فيها لؤلؤة واحدة، قادرة على أن تطيل عُمر اللحظة في هذه الزرقة الجامحة، بينما تنتظره النسوة على أطراف الحياة، أينما يكون الـ«أدهـس» الرمال الناعمة القريبة من الشاطئ، ينشدن: «يا نوخذّاهُمْ لا تصلِّبْ عليهُمْ.. ترى حبال الغوص قصّص إيديهُمْ»، يفتح النهّام عينيه، أثر اهتزاز شديد للسفينة، أخذ يرتل بتتابع مستمر ذاهباً إلى مقدمة السفينة: «صوتهن؛ صوتهن».. ألا تسمع قالها مغني التنيور، لمن حوله، وينادي مجدداً: «صوتهن صوتهن»، وهو يقف أمام مقدمة سفينة «الداو» أثناء تجواله لاكتشاف العمارة الهندسية المذهلة لـ«دبي أوبرا»، يرى في الأسفل خطوط البوصلة البحرية، بأفلاكها وأبراجها، مرسومة ببساطة بديعة، محاولاً الاستدلال على مكمن الصوت، يتقدم قليلاً بينما يستظل بقطرات الماء العلوية الساقطة من ثريا دبي أوبرا، هامساً: «في تلك اللآلئ، في قطرة الضوء، ربما»، يتحرك سريعاً مجدداً، ويخطو إلى عمق الفضاء، وبإدراك تام، يقف في وسط خشبة صالة العرض لـمسرح «دبي أوبرا»، منصهراً في مساحة إجمالية تصل إلى نحو 3 ملايين قدم.. يقولها مثلما يغني: «هنا بمركز الأشياء، سأرفعُ من طبقة c لصوتي، لأصل إلى مصدر أصواتهن، سأتحدث إليهن لأول مرة، وسأخبر العالم بأنغامهن وأشجانهن، انتظرن طويلاً، ولابد أن نصل إليهن حباً لنا وللعالم أجمع».

* المقام يبحث عن السوناتا:
«لكل حركة في الموسيقى معنى»
السيارات تتنفس عبر أصوات محركاتها على شارع البوليفارد، في وسط مدينة دبي، الطريق المؤدي إلى أولى مشهدية الباحة الخارجية لـ«دبي أوبرا» أشجار تعتلي إيقاعات النافورة الراقصة، تلعب مع نفسها مثل إيقاعات الـ Allegro السريعة المشرقة، يتمايل عمل الفنان سهند هيسميان، بعنوان «خلفات»، ببياضه الذي يثري معنى الخصوصية الثقافية، ودراسة تركيبتها الداخلية، مثلما تفعل الموسيقى بنفسها عندما تجعل من معرفة أطراف التفاعل فيها شيئاً أساسياً لفهم العلاقة بين الألحان. وعلى يمين البوابة الرئيسية للأوبرا، الواقعة خلف مؤخرة سفينة الداو التقليدية، وضعت النحاتة البريطانية بيث كولين كيرجيد بصمتها عبر عملها الفني المنادي لأشرعة السفينة، وكأنه قارب صغير، يجرف بنفسه نحو هيبة «الداو». الوقوف دقائق صغيرة، قبل الولوج إلى عوالم دبي أوبرا، يستدعي إيماناً حقيقياً بالمكان وقدرته على إحداث التحول. يذكر الأكاديمي كريم الصياد المتخصص في فلسفة التأويل، حول الاستماع إلى الموسيقى الكلاسيكية واكتشافها بأن «الدخول إلى هذا العالَم محفوف بالمخاطر النفسية والعقلية، بدون مبالغة، وتجاوُز عتبة هذا النوع من الموسيقى لا يجب أن يعتبَر أقلَّ مِن تحوّل جوهري في إدراك الإنسان للذات والعالَم، هو تحوّل يتضمن الكثيرَ من المعاناة بقدر جوهريته، ورؤيةَ جمال مجرَّد قادر تمامًا على خلق فجوة عميقة من الشعور بالحرمان والضآلة، يفوق أي فنّ آخَر، بما يحدِث تبدّلاً غير محدود بالضبط في الشخصية».

النظرة الأولية، تبني عادةً انطباعاً نوعياً. فكانت في مجلس كبار الشخصيات، الذي يحتفى بأعمال المصور الفوتوغرافي الياباني Shinichi Maruyama. في لوحاته راقصة تدور حول نفسها، دمج من خلالها المصور قرابة الـ10 آلاف صورة، لكل صورة (لحظة) تنتج للأخرى (حركة) للاستمرار داخل الفراغ المذهل، وجاء عمل «Secret House»، ممثلاً ستائر زجاجية، من خلال 160 ألف كريستال، على شكل ثريا عريقة، أُنجزت في 7 أيام، مقدمةً مظهراً احتفالياً يحترم خصوصية الجالسين في المجلس. وهو بطبيعة الحال يفتح الأسئلة حول المهندس الدنماركي جانوس روستوك، المصمم المعماري لـ«دبي أوبرا»، فما الذي أمكنه لإنجاز التحفة المعمارية منذ انطلاق عمليات التنشئة فيها بعام 2013 والانتهاء منها في عام 2016، هل كان يتأمل روستوك، ماهية ردة فعل مغني التينور العالمي الإسباني بلاسيدو دومينغو، المعروف بـ«ملك الأوبرا» في حفل الافتتاح عندما لمس بيديه خشبة مسرح دبي أوبرا، مقدماً بذلك قُبلة، أملاً العودة للوقوف عليها مرة أخرى، وهو تقليد راقي، يعكس مدى مكانة المسرح الأوبرالي في أرواح فنانيه.

عندما بيعت تذاكر مغني التينور العالمي الإسباني بلاسيدو دومينغو، في أقل من ساعتين، منذ إعلان فتح شباك التذاكر لحفل الافتتاح، لم يكن وحده الحاضر على متن سفينة «الداو»، بل قرابة الـ2000 شخص، من مختلف ثقافات العالم، يشعرون أنهم يتحركون في السفينة، بمجرد ملاحظتهم للمياة المتحركة على أطراف المبنى الساحر، التي تزداد سرعتها باتزان في كل حدث احتفالي في دبي أوبرا، تماثل حضور «فن الصوت» في الخليج، الذي يتم أداؤه على أوزان معينة، يتغنى فيها الفنان العريق محمد زويد قائلاً: «جسد ناحل وقلب جريح، ودموع على الخدود تسيح، وحبيب مر التجني ولكن، كل ما يفعل المليح مليح».
للجمهور في الطابق الأرضي إمكانية التحرك حول السفينة بمقدار 360 درجة. وتتوزع في جوانب المكان منحوتات على شكل أسماك، كأنها دلافين طائرة. يستمتع خلال ذلك الزوار برؤية الثريا المعروفة بقلب دبي أوبرا النابض، المتشكلة من اللؤلؤ وقطرات الماء، يدعونها بـ«السينفوني»، التي يصل عددها إلى 27 ألف قطعة، تضيء منها قرابة الـ3000، وتتدلى من خلالها 700 خيط يهتم بمستوى التعلق للأشكال الجمالية في الثريا.

عند العتبة بالتحديد، والاستعداد لدخولة «الأوديتوريوم»، صالة العرض لمسرح دبي أوبرا، تبرز السجادة المنقوشة باللؤلؤ. يُفتح باب القاعة المعتمدة على خريطة تنظيمية لأماكن الجلوس، تتكون من «الدائرة الكبرى» و«الدائرة الملكية»، وما يُعرف بـ«stalls» المقصود فيها الكراسي على الطبقة الأرضية للمسرح وصولاً لـ المسرح نفسه. وهناك 4 أنماط لصالة العرض في «دبي أوبرا»، تتوزع بين المسرحيات والأوركسترا، والحفلات والمناسبات الاجتماعية، والتي تتشكل بين النمط النصف سطحي، والنمط السطحي، وتتطلب إزالة الكراسي القابلة للحركة، وتوضع في القبو، لدى دبي أوبرا مجموع 4 أقبية (المخازن)، لإبقاء الكراسي فيها، وتلك الأنماط تعيدنا إلى مدى التأثر الذي خلقته العروض الفنية في دبي أوبرا على مدى 4 سنوات، أبرزها المسرحية الغنائية الأسطورية «البؤساء»، لـبوبليل وشونبيرغ. والأداء الذي قدمته «أوبرا ويلز الوطنية»، للموسيقار جاكومو بوتشيني «لا بوهيم»، من يتخيل رؤية القصة المقتبسة عن كتاب «مشاهد من الحياة البوهيمية» لهينري مورغر، لأعظم المؤلفين الموسيقيين في إيطاليا، قصة الشاعر الشاب الذي يقع في حب خياطة اسمها ميمي، استذكار المسرحيات التي تُعاد لجماليتها وعمق قراءاتها الإنسانية، وسر قوتها بين الكاتب والمخرج، كتلك التي قد نشهدها في المسرح الإماراتي، عبر ثنائية الكاتب إسماعيل عبدالله والمخرج محمد العامري، بإسقاطاتها الفلسفية والفكرية.

أثناء حركة الصندوق الجانبي أو ما يعرف بـ«البلكونات»، يتراءى للناظر أنها قوارب النجاة الصغيرة، يمكن إغلاقها بمعدل 180 درجة، ما يجعل فن «الأرابيسك»ـ الزخرفة العربيةـ يتكشف في التفاصيل الداخلية لصالة العرض في مسرح دبي أوبرا، مع إمكانية مرونة السقف القابل للصعود والنزول، مانحاً فرصة لمجموعة كبيرة من العروض والأنواع مثل «الباليه» و«الموسيقى الكلاسيكية» و«الكوميديا المسرحية» و«ألعاب الخفة والسحر» و«الروك» و«البوب» و«الجاز». في الشرفة الكبرى هناك نحو «563 كرسياً» ثابتا، لايمكن التحكم فيها. المحفوف بالخشب المخصص للعروض الأوبرالية، ومن شأنه أن يُرجع الصوت، ضمن منطقة يحصل فيها طاقة انعكاسية كافية، اعتماداً على مستوى التوازي، مشكلةً حقل تردد محلي، وطارحاً التساؤلات حول ذاك «الوقت» بين الغناء والعزف والتردد الناتج عنهما والجمهور، فكيف كان الأمر لدى الملحن الكلاسيكي وعازف البيانو الإيطالي الشهير لودوفيكو اينودي، عندما عزف في دبي أوبرا، وهو من قدم ضمن «متطلباته» للحفل أن يتم توفير حوض سمك صغير، وتعجب وقتها القائمون على دبي أوبرا من الطلب، ليتوصلوا أن الأمر كان متعلق بالعزف، حيث وضع «ميكروفون» صغير في حوض السمك، وجعله مستقراً تحت البيانو، ليظهر صوتاً شاعرياً منه، خاصةً مع وجود ستارة مصنوعة نصفها من البلاستيك ونصفها الآخر من الحديد لتسحب الأصوات غير المرغوبة أثناء استخدام «الميكروفون» في دبي أوبرا.

* الأغنيات الأخيرة
قبل الولوج إلى عالم كواليس «دبي أوبرا»، فإن السير بين المنطقة اليُمنى واليُسرى لخشبة المسرح، والتي تختلف بالنسبة لجهة لجمهور، تُتيح لك رؤية الأجنحة الجانبية من صالة العرض للمسرح، إضافة إلى الرؤية الشمولية الأخاذة، فكيف يُمكن الجلوس في تجويف سفينة خشبية عميقة، دونما الاقتراب من معنى «الماء» في حيوات المجتمع المحلي في الإمارات، الذي قرر أن تُعزف جّل أنواع الموسيقى في وسط البحر، بخيال العمارة لسفينة الداو، فقد تذكره معزوفات الفنان جوزيف تواضروس بالعود، المقدمة في مسرح دبي أوبرا، أن أحد أوائل الفنانين في الإمارات وهو الفنان حارب حسن، تعلم عزف العود على ظهر سفينة واشتهر بأغنيته «يا حبيب القلب عذبت الحشا».

ويسترجع الصوت النسائي في الخليج للفنانة موزة سعيد بينما تغني عن أثر «اليامال» في الأهزوجة البحرية، وتقول: «يا مال ما ينسي.. في ذكِرنا باقي، نطريه في كل سمره، لعروقنا ساقي». وجاءت المخرجة السينمائية والشاعرة الإماراتية نجوم الغانم بفيلمها «صوت البحر»، متحدثة عن الإنسان في وجوده بين الماء واليابسة وتحدي العبور بالنسبة إليه، موثقة الرحلات الأخيرة لصيادين القدامى و«شيلات» النهامين للبحث في المكونات التاريخية وعلاقتها بالإنسان والمكان. كما يعبر عنها الشاعر د. منصور جاسم الشامسي، في قصيدته: «كان «النهّام» إذا اشتد الفراق، دخل ملكوت الشِعر، ليرى سُكنى امرأة، قد حدّث الأصدقاء عنها، أرخى لهم ربابة قلبه، فرأوا عزفها على أوتار صوته، من يغني؟، «النهّام» أم العاشقة؟، قد تساوت الأغنية، في البحر، في الصحراء، في عبورها المُتماثل».

* أرواح العابرين عبر الكواليس
في العمليات التقنية الخاصة بالعروض المسرحية، في مسرح دبي أوبرا هناك نظام بديع مرتبط بـ«خطوط الحبل»، التي تمكن طاقم المسرح من مثل رفع العناصر التالية: الستائر، الأنوار، المشهد، تأثيرات المسرح وأحياناً الأشخاص، ويكون بمستوى متوازي لخشبة مسرح، واقعاً على ارتفاع 26 مترا من الخشبة نفسها. الواحدة من الحاملات لها قدرة حمل لقرابة 750 كيلو جرام، وحاملة ثانية لها مقدرة استيعابية لحمل نحو 600 كيلوجرام، ولها عدة أنماط للتعامل معها في العروض المسرحية، عادةً يتحكم بها مديرو الخشبة، تبعاً لطبيعة العرض. وعلى سبيل الذكر، فقد تطلبت العمليات التقنية للمسرح، فإن أحد العروض الفنية لدبي أوبرا مقطورات بحجم 18 × 45 لنقل الإنتاج من مكان إلى آخر. وأكثر من 100 شخص شاركوا في نقل العرض.

الدخول إلى المساحات الداخلية لكواليس الأوبرا، الواقع في أسفل الدور الأرضي، يُعد أمراً جديداً، في المنطقة المحلية وذلك لما يتيحه من فرصة معايشة الأشخاص لأرواح العابرين من الفرق المسرحية والموسيقية الكُبرى. فمن بين أكثر الإنتاجات التي قدمت إلى دبي أوبرا هي لرائعة الموسيقار الإيطالي العالمي جوزيبى فيردي، «أوبرا عايدة»، وصل عدد فريق العمل في الحدث نحو 300 شخص، وقد يتأمل المرء حركتهم وتنقلهم بين 11 غرفة مستخدمة لتبديل الملابس، إلى جانب غرفة الغسيل، وغرفة للمكياج، المزودة بأضواء تتحكم بدرجات الحرارة، ويخزن فيها عادةً ووضع الشعر المستعار «الباروكة»، للفنانين المشاركين في العروضات المسرحية.

* معتقد الحظ السيئ
يقال إن الفنانين في مجال الفنون المسرحي والموسيقى، يؤمنون بمعتقدات تتعلق بالحظ السيئ، لذا لا يُستخدم في دبي أوبرا رقم «13»، في الغرف المخصصة للكواليس، احتراماً لبعض تلك المعتقدات. ويمكن تصور جمالية اكتشاف غرفة الاحتفاظ بالبيانو، الخاص بـ«دبي أوبرا»، الذي عُزف من قبل العديد من الفنانين الكبار، من بينهم الموسيقار عمر خيرت. الجميل أن هناك نظام مُعد لتنظيم العروض المسرحية، يتيح مناداة الأشخاص الذين يحن دورهم في العروض، يوازيه شاشات مباشرة تنقل الحدث، وتسهل على فريق العمل متابعة أدوارهم بالتسلسل.

المشي بين تلك الممرات، وثق لحظة تحول المكان إلى صرح أخير لفنان عالمي وعازف القيثارة جوني كليج، من شكلت حفلة دبي أوبرا، آخر وقفاته على خشبة المسرح، معلناً رحيله للأبد. ومن بين كل تلك الغرف المخصصة للعاملين في العروض المسرحية، فإن هناك الغرف السحرية، المستخدمة لإخفاء وإظهار الأشياء لجمهور العرض، كتلك اللحظات الآسرة في المسرحية الموسيقية «ماري بوبينز» لمؤلفها جوليان فيلوز، التي استخدم فيها قرابة 600 قطعة ديكور.

* سر العظمة
الوقوف في وسط البهو الرئيسي لـ«دبي أوبرا»، يمنح أطلالة ساحرة لحديقة دبي أوبرا، التي تحتفي بعمل فني بمثابة جدارية حروف عربية تحمل عنوان «إفصاح»، المستوحاة من مقولة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله: «إن الفن بجميع ألوانه وأنواعه يعكس ثقافة الشعوب وحضارتها وتاريخها»، وبنظرة بانورامية يمكن الاطلاع على البحيرة الزرقاء بقرب دبي مول، والسير بين الجسر الموصل بين دبي أوبرا والمركز التجاري، وفعل الجسر هنا، يعيدنا إلى حفل المغني الأوبرالي الأسباني خوسيه كاريداس، ومدى امتداده لروعة نجمة الفلامنكو سارا باراس، من دكت بأقدامها متجذرة على خشبة مسرح دبي أوبرا. وقد يتوقف المرء في هذا الوقت تحديداً، لارتشاف بعضاً من القهوة المقدمة في المقهى التابع لـ«دبي أوبرا»، والسؤال عن سر العظمة في دور الأوبرا، لماذا الموسيقى فيها لها مكانة استثنائية في حياة الشعوب؟

يُقال أن العظمة في صوت أشهر فنانين الأوبرا الإيطالي لوتشانو بافاروتي، هو أنه لا يعتبر مغني أوبرالي، بل هو الأوبرا بحد ذاتها، حيث شهد عشاقه مؤخراً فلماً وثائقياً عن حياته، صُدر عام 2019، من إخراج رون هوارد، من يعلم، ربما لو كان بافاروتي ما زال حياً، لتمت استضافته للغناء في دبي أوبرا. فكما أوضح المقربين من بافاروتي، أن حياته ومعاناته ومشاعره وتجاربه كان تخرج عبر صوته، وبأنه عاش تلك الأغنيات التي وصل إحساسها للناس، معتبراً الغناء متعة وليست وظيفة أبداً. وذلك التجلي العظيم يعود بنا إلى أعظم الفنانين العرب، من قدموا إحساساً موسيقياً متسامياً، باعتبارها الحياة نفسها، من بينهم السيدة أم كلثوم، وأحيت ذكراها في دبي أوبرا الفنانة التونسية غالية بنعلي، إلى جانب موسيقى الفنان الساحر عبدالحليم حافظ، عبر فرقة «حرفوش جاز باند»، وأحيى عازف البيانو اللبناني الأرمني «غاي مانوكيان» وأوركستراه حفل موسيقي، قدم فيه أروع أعماله بالإضافة إلى مجموعة من الكلاسيكيات العربية العريقة لأم كلثوم وعبد الحليم حافظ وزكي ناصيف.

* هارموني التفاعل
الجلوس على كرسي مسرح دبي أوبرا، ليس مكاناً لتلقي ومشاهدة العروض فقط، بل فضاء لإثراء تجربة أُناس المكان، فلو كان الفنان الإماراتي جابر جاسم، هنا في هذه اللحظة، كيف ستكون ردة فعله أثناء مشاهدته للأوبرا، وكيف سيراها الشاعر أحمد راشد ثاني، من وجهة نظر شعرية، وماهية آلية تبناها من قبل الكاتب المسرحي سالم الحتاوي، وهل سيتوقف عندها الفنان التشكيلي حسن شريف، تبعاً للمنظور المفاهيمي للفلسفة الموسيقية داخل الكتلة الفنية. بالمقابل، فإن هناك تأكيد لحضور متفاني للموسيقى تشكل بقوة وحماسة من قبل الفنان والملحن الإماراتي عيد الفرج من أسس فرقة دبي الموسيقية، مقدماً الفكرة إلى محمد العبار، رئيس مجلس إدارة شركة إعمار العقارية، من رحب بها، لتصبح الفرقة تابعة للشركة بشكل رسمي، مقدمة لها الدعم الكامل، من بينها إحياء الفرقة لنحو 3 حفلات موسيقية في دبي أوبرا. قدموا خلالها مجموعة الأغاني لنخبة من الفنانين وهم: جابر جاسم، محمد عبده، غريد الشاطي، أحمد قاسم و محمد عبد الوهاب.

* «فرقة دبي الموسيقية» ..
حُلم شبابي أوبرالي
في حوار «الاتحاد» مع الموسيقار أحمد طه، قائد فرقة دبي الموسيقية، أوضح أن الفضل بشكل أساسي يعود إلى مؤسس الفكرة الفنان عيد الفرج، ممثلاً أول فرقة إماراتية بنسبة مشاركين تصل إلى 95% منهم عازفين وفنانين إماراتيين، وهي مسيرة يستكملها الفنان عيد الفرج، منذ أن بدأها مع وزارة الثقافة وتنمية المعرفة. تهتم الفرقة بالأغاني ذات البعد العربي الراكز في تكوينها الموسيقي، واصفاً اللمحة الأسرية التي يعيشها أعضاء الفرقة الموسيقية، التي وصل عددها إلى 25 شخصاً، شاركوا مؤخراً في إحياء حفل موسيقي في المملكة العربية السعودية، ولاقى نجاحا مذهلا، ما يؤكد مدى تعطش المجتمعات الخليجية للفنون الجميلة والراقية على المستوى الموسيقي، قدمت الفرقة فيها أغاني للفنان محمد عبده، والفنان الكبير الراحل أبوبكر سالم.

الغناء في أوبرا دبي، خطوة كبيرة ومهمة لفرقة دبي الموسيقية، بحسب تعبير الموسيقار أحمد طه، وذلك لما تمتلكه الأوبرا من فضاءات ضخمة تستدعي من الموسيقيين الاشتغال عليها، وهي فرصة ذهبية للفنانين الشباب، لخوض تجربة المسارح الأوبرالية، وأن التحدي الحقيقي والأهم في الفرق الموسيقية، هو إقدامها على تقديم أعمال فنية عظيمة، تحتاج إلى احترافية وتراكمية، ورغم ذلك يقدمها مواهب شابة، لا تزال في أولى تجاربها الفنية، مضيفاً أن فرقة دبي الموسيقية استخدمت الميكروفون في حفل دبي أوبرا، بسبب وجود المطربين الشباب، من يمثلون أروع الأصوات الشابة في الموسيقى المحلية وهم: سيف العلي وعلي النيباري وأحمد الرضوان.

أصغر العازفين في فرقة دبي الموسيقية هما العازفة خولة الرايحي وأخيها حميد الرايحي، يُطلعنا الموسيقار أحمد طه، أنهما تخصصا في البداية بالموسيقى الكلاسيكية، واستطاعوا عبر الفرقة توسيع خياراتهم الموسيقية لتتضمن الموسيقى العربية، ولفت طه أنه خلال 28 سنة من عمله في المجال، توصل إلى إمكانية فعل اكتشاف المواهب الموسيقية، واختبار مدى قابلة تطوير مهاراتهم باستمرار، نحو العزف بمختلف الألوان الموسيقية، وعادةً أغلب الذي ينظمون للفرقة، يأتون بخلفيات موسيقية تتذوق الفنون والأغاني الراقية.

بالنسبة للموسيقار أحمد طه، فهو متخصص في عزف آلة التشيلو، وجاءت مسألة قيادة الفرق الموسيقية، من حبه وعشقه للفن، مبيناً أن إدارة الفرقة بمثابة إدارة للعبة الموسيقية، التي شهدها مع جده العازف أحمد الحفناوي، من عزف خلف السيدة أم كلثوم. وموضوع الموسيقى في مصر والخليج، إنما هي مساحة للتعارف والحوار عبر الموسيقى. يُشبه الموسيقار أحمد طه عازف التشيلو، بالشخص الجالس مع حبيبته، متى ما كان فرحاً أو حزيناً، فالأمر يظهر عليه، ويكون مكشوفاً بل ويصل شعوره للجمهور.

اقرأ أيضا

لقاء تعريفي بجائزة «راشد الشرقي» للإبداع