الاتحاد

ثقافة

كم هي قاسية حافة الرصيف!

 بارت لودوايكس

بارت لودوايكس

ترجمه عن الهولندية: عماد فؤاد

منذ عامي الثالث وأنا أرسم بالطباشير على الرّصيف، في البيت شجّعوني وفي الشارع كان ينظر أيضاً إلى الرسم بالطباشير باعتباره حقًّا من حقوق الطفل، وليس مثل الغرافيتي. مع الطباشير أمكنني أن أشقّ طريقي على الأرصفة دون خوف من مطاردة. لم يكن يهمّني أن تنمحي المخلوقات الطباشيرية التي أرسمها تحت أحذية العابرين أو أن يغسلها المطر.
كانت رسومي تظلّ حاضرة في الشوارع لأنّني أعيد رسمها من جديد مرّة بعد أخرى، يفرحني بعد كلّ مطر خفيف أن أعاود الرّسم بقطعة طباشير نظيفة، كما لو كان المطر ملتزماً بصيانة دوريّة للشوارع.
حتّى عامي السابع كنت قد شكّلت بالطباشير على الرصيف أشكالاً لا نهائية من التنانين وألسنة اللهب، ثم بدأت أشكّ في مصداقية رسومي لأنّه لم يبق منها شيء، وانتهت إلى الأبد رسومي الطباشيرية المطمئنة تلك، ولكن لأنّ الخيال الجامح لم تكن تحيطه حدود، اتّخذت من اللغة وسيلة أخرى وتوغّلت أكثر من ذي قبل فصرت أرسم التنانين وألسنة اللهب بالكلمات. حتى وقعت عيناي، خلال إحدى رحلاتي المدرسية في المرحلة الإعدادية، على لوحة جصّية من الفن الإيطالي بديعة الجمال.
كانت اللوحة تالفة بعض الشيء، ما جعل بعضاً من موادها يتساقط كاشفاً عن طبقة مخفية وراء طبقتها الرئيسية، رأيت توقيع الرسام كما لو كان شرياناً دموياً جافًّا، رأيت كلمة «البداية الأولى» بالضبط كما كنت أكتبها أسفل رسومي الطباشيرية على الرصيف، مع فارق وحيد وهو أن خطوطي كانت طفولية آنذاك، تلك الخطوط التي لم تعد موجودة، ولم يتبق منها في الذاكرة شيء، أثبتت لي اللوحة الجصّية أن خطوط الطباشير هي الأخرى لا تموت. الخطوط التي حفرت لنفسها مكاناً في تاريخ ما. تاريخ لا يزال مخفيًّا حتى يأتي زمن يطالبه بالوضوح. في عدم المطالبة بالوضوح، مثلما تفعل التوقيعات، توفّرت إمكانية مثيرة لنمو الصبي الذي - دون عوائق - كان يزيّن الشوارع بالعديد من الرسوم. لم يمض وقت طويل بعد مشاهدتي اللوحة الجصّية، حتى تحسّست جيوب معطفي وهي مملوءة بأصابع الطباشير، وقررت أن أجرّ العالم من جديد لأخطّه بالرسم، محاولاً إصلاح تقلّبات رسومي على الحوائط ومدّها بالمزيد من القوة المستمدّة من الكلمات. منذ ذلك الحين، بدأت أصوغ في كلمات ما كان يتفتّت دائماً من أصابع الطباشير أثناء تخطيطها على الجدران.

***
رسمت بالطباشير رسوماً خطّية كبيرة على الحوائط والبنايات وأرضيّات الشوارع، كانت الرسوم تتكوّن من خطوط بيضاء طويلة مستقيمة، والتي لم تكن غالباً ظاهرة بسبب زاوية حادّة في الجدار، أو بسبب المساحات الكبيرة التي يفترشها الرسم على عدد من الشوارع، كنت أتمكّن أحياناً من الرسم على واجهات عدد من البنايات المتجاورة، وأحياناً أخرى كنت أستمرّ في الرسم وصولاً إلى غرف المعيشة داخل البيوت.
عندما كنت أتوجّه إلى أحد السكان بالسؤال عن مدى استعداده لأواصل الرسم على حوائط بيته بالطباشير، لم تكن موافقته تأتي هكذا من فراغ، بل لأنّه رآني أرسم على جدار ما أو لدى أحد جيرانه، وغالباً ما كان هناك لقاء ما جمع بيننا.
من خلال الرسم بشكل عشوائي هنا أو هناك، توزّع تعليقاتك على الآخرين لتصادف القصص والحكايات ملقاة في الشوارع، تلك التي يكون عليك التقاطها وجمعها، ولكن القصص غير مرئية، ومثال على إحدى هذه القصص غير المرئية، قصّة قطع الطباشير المتبقيّة، والتي يجمعها الأطفال ليعيدوا استخدامها. هي ليست بالقصّة التي يمكن تتبّع مسارها جيداً، لكن وعلى الرغم من ذلك، فقد تلقّيت ذات مرّة بقايا «قطع طباشيري المفقودة» في صندوق. وليس أقلّ من هذا ما بدأ يظهر من أشكال مثيرة وكلمات جنسية صريحة، أضافها الكبار أحياناً والمراهقون أحياناً أُخرى إلى رسومي.
لسنوات طويلة كنت أستعير السلالم من السكّان.
الاستعارة أحد أشكال الثقة، كنّا نتّفق سويةً متى سأتسلّم السُّلَّم ومتى سأعيده، لم يكن هناك اتصال مباشر بين ثلاثتنا، أصحاب السلالم وسكان المنازل التي سأرسم على واجهاتها وأنا، كانوا يسمحون أحياناً بتخزين أدوات ومعدّات الرسم في بيوتهم طيلة فترة غيابي. ويتعقّد الأمر حين يسافرون فجأة، فيصبح حصولي على معدّات الرسم مرتبطاً بعودتهم، ولمنع مثل هذه المواقف السيئة وضمان استمرارية العمل، كنت أوزِّع أهمّ موادّي ومعدّاتي كالطباشير وميزان الماء وغيرها على أكثر من بيت، وعلى هذا النحو نشأ بيننا ما يشبه الاتفاق الضمني الذي يجهله الغرباء عنّا، والذي شاركني فيه كثيرون، فكان أن يترك لي أحد السكان مفتاح بيته لأواصل الرسم داخله أثناء غيابه، ولطالما اعتبرتُ أن ائتماني على أحد هذه المفاتيح ما هو إلا إشادة عالية بسلوكي الجيّد.
من المؤسف حقًّا أن السكان كانوا يريدون استرداد مفاتيحهم منِّي على الدوام، وإلا لكان بإمكاني، مع كمّية المفاتيح التي استعرتها من أصحابها في السنوات الأخيرة، تزيين فاترينة عرض في واجهة أحد البيوت المجاورة.
* * *
بدأتُ التعرّف على أسماء السكان ببطء، وهكذا التقيت «كاباس» الكونغولي في بروكسل، والذي فوجئ حين عرف أنّي وحيد.«أبحث عن الوحدة فقط حين تقترب من الموت»، قال، وظلّ جواري أسبوعاً كاملاً.
أو «يوريس» عامل المصنع المنحدر من مدينة «رونزا» في الإقليم الفلمنكي الشرقي.
والذي لم يكن قريباً من الفن قربه من الرياضة، في سنوات شبابه سرق مع مجموعة من أصدقائه النقطة المركزية لأحد ملاعب كرة القدم: «كانت مزحة لترصيع الأخبار اليوميّة ببعض الأعمال الإرهابيّة، لتلميع الحزن والاعتداءات قليلاً»، يشرح، «طيِّب هل تعرف ما هو الفرق بين ضربة الجزاء لنادي «رونزا» وبين البيرة الباردة؟ البيرة الباردة تنجح في الدخول دائمًا». ولابدّ أن تكون واحدة من نكاته ذات صلة بي:
- لماذا يفضل بعض الهولنديّين الوقوف في الزاوية حين يشعرون بالبرد؟
- «.......»
- لأنّ الزاوية 90 درجة.

بعض الأشخاص كانوا أحياناً لا يفضِّلون أن تظهر رسومي الطباشيرية على واجهات منازلهم، فكنت أتجاهل هذه الواجهات على الفور، جاعلاً منها فراغات أو استراحات تتنفس منها الرسوم.
لم أصادف أبداً جداراً أو واجهة بيت مثاليّة للمعنى الذي أريد رسمه.
على العكس من ذلك توافقت رسومي مع الجدران والواجهات، وكنت أعود لبيتي لأجمع الحكايات التي تنتمي إلى أماكنها.
أستريح إلى الأماكن المستخدمة، حيث الاحتياجات والقوانين الخاصة بآخرين هي المترسّخة، وليس هناك انتظار فيها لغريب، كانت أكثر الأماكن ملاءمة للرسم بالطباشير هي المناطق الحضرّية التي لم يعد يتطلّع إليها أحد.
الأحياء السكنيّة التي لا تتداخل في بعضها البعض، حيث يموت المسنّون ويولد الأطفال، حيث تعقد الزيجات وتقع الطلاقات، حيث لن يكون هناك متحف أو مكتبة.
حتى الحروب ذاتها ستهرب من هذه الأحياء.
على رأس الحي هناك متجر يزوّد السكان بالأطعمة أو مقهى معبّأ بالدخان يحتلّه أصحابه ورفاقهم.
في مثل هذا الثراء لنغمات الأماكن الرمادية المحرومة، تحاول عظمة البشرية أن تخلق وجوداً ذا مغزى.
تذكّرت ذات مرّة أنّني كنت في أكاديمية الفنون حين قيل لي:«هنا قد يعلِّمونك الرسم جيّداً، لكن لن يعلِّمك أحد كم هي قاسية حافّة الرصيف».عند دخول غرف بيت أحد السكّان ألحظ عدد المستنسخات الفنيّة المعلّقة على الجدران، تبتسم الموناليزا هنا وهناك، أو أرى التواريخ قد شُطبت على تقويم شهريٍّ مطبوع لأعمال فان غوخ.
تمنح هذه المستنسخات الجمال والمواساة، ليتمّ ترصيع الفضاء الرمادي للمكان بالألوان، وغالباً ما تكون صوراً ذات قيمة عاطفية ينظر إليها السكّان باعتبارها فناً.
ولكن رسومي ما هي إلا «خطوط» أو «سطور»، والتي يقولون حقاً أنها رسمت «بعناية».تقابلني الشوارع في بعض الأيام لامعة باتّجاهي، ولكن عندما لا تخترق الشمس غطاء السحب، يعود كلّ شيء إلى الواقع اليوميّ قليل الإثارة، ويبدو السكّان كأنّهم يبحثون عن سبل للهرب.
في غسق المساء يتسلّل شعاع من الأشعة فوق البنفسجية من خلال كوّة الغرفة العلويّة.
في الأيام الممطرة تسدل على زجاج النوافذ سواتر بُنِّيّة ورماديّة للحفاظ على التدفئة في الداخل.
يبدو الشارع مقفلاً، بينما غالبية السكّان يجلسون في غرف معيشتهم منتبهين إلى شاشات تليفزيونية تشهد بعالم أفضل.
بعدما قبلوا مساومات الدولة في محاولة منهم لزيادة احتمالات انتقالهم إلى أماكن أخرى، وحين تتوقّف الأمطار، يقطع ساكن مغربي الشارع جيئة وذهاباً بسيارته المرسيدس ذات الـ «خيارات الكاملة» والتي اشتراها للتوّ، يتمّ تبادل عروض الهواتف في الشارع.
ويسأل عابر عن الطريق إلى المحطّة، وفيما يتحدّث السكّان عن الطقس والبرامج التلفزيونية والـ «خيارات الكاملة»، يتجادلون حول الرسوم التي ظهرت في شارعهم، ربّما يرون في رسومي سبباً للهروب، أو ربّما يجدون بها رابطاً إلى عالم ليس مبنياً على المشاعر أو لا يستند إلى إعلانات التليفزيون.
كان من الصعب في البداية معرفة رأي السكان في رسومي أو في وجودي بينهم، قد يتطلّب شرحهم الطريق إلى المحطّة لعابر ضال شكلاً مماثلاً من المشاركة التي يمنحونني إياها حين يأذنون لي بالعمل.
الفرق هو أنّني، على النقيض من العابر التائه، ولطبيعة مواد الرسوم التي أقوم بها، أجعل انتظارهم لي، مرّة بعد أخرى، متوقعاً.
ومع مرور الوقت أصبح حضوري عادياً، لم يعد سكّان «رونزا» ينتظرونني، بل كانوا يأتون إليّ مصافحين أو يغرونني بالذهاب معهم لاستكمال رسم ما، وبفضل اللقاءات السريعة والقصيرة التي جمعتني بهؤلاء صارت جذوري تتعمّق يوماً بعد يوم في الشارع.
إذا تكرّم أحد السكّان واستضافني في بيته، يكون لزاماً عليّ أن أمنحه شيئاً ما، هدية مثلاً، ولأنّني غالباً لا أملك معي سوى أدوات الرسم، وليس بمقدوري أن أعرب له عن امتناني بالرسم مباشرة بالطباشير على جدار بيته، فقد كنت أهديه اهتمامي الكامل، إلى الموناليزا المطبوعة على جداره مثلاً، ولو سألني عن مقصدي من زيارته، أخبره أنّني أبحث عن بيت في الجوار لأرسم على جدرانه، ليتّضح أنّ أمامي أعداداً لا حصر لها من المناطق المستعدة لرسومي.
تساءل أحد الأصدقاء يوماً إذا ما كان الرسم لسنوات طويلة في الشارع ذاته أكثر عرضة للخطر من السفر بين مدن ودول العالم؟ أجبته بأنّني غالباً ما أبدأ في مشروعين أو ثلاثة في الوقت ذاته، وأنّ عقلي يعمل تلقائياً ليتشكّل من هذه الرسوم رسم أكبر موحّد.
وأنّ التفاعل مع السكان أكثر ارتباطاً بالرسم من الموقع والإطار الزمني الذي يتم فيه إنجاز العمل.
أحد الأماكن التي قضيت بها فترة طويلة بدعوة من المدينة، كان حي «برينس كاوتر» الشعبي في مدينة «رونزا». كنت كثيراً ما اختفي من موقع الرسم بسبب بطء العمل هناك، وهو ما جلب لي تأنيب السكان، وحتى بعدما ظهرت بعض رسومي الموجودة في مدينتهم في أماكن فلمنكيّة أخرى، لم يقلّل هذا من التوبيخ الذي نلته.

بارت لودوايكس.. وجنون الرسم بالطباشير
بارت لودوايكس، رسام هولندي من مواليد العام 1972، يرسم بالطباشير على فضاءات ومساحات مفتوحة، على أرضيات الشوارع وجدران المنازل، وفي غرف المعيشة.
تشارك رسومه الطباشيرية المجرّدة في حوار مع العمارة المحيطة والفضاء. وفي كتابه «شبه الجزيرة الفلمنكيّة»، الذي سيصدر قريباً بالعربية، يشرح «لودوايكس» خبرته مع هذا الفن الجديد، وكيفية تلقي سكان المدن البلجيكية لرسوماته، وتعاملهم مع جنون الرسام داخله. هنا ترجمة كاملة للفصل الأول من الكتاب.

وبالرغم من ذلك، كانت البلدة الفلمنكية الشرقية هي مركز ملحمتي على مدى عامين.
......... .................. ........................
..هامش:
- فصل من كتاب «شبه الجزيرة الفلمنكيّة»، يصدر قريباً بالعربية.

 

اقرأ أيضا

تشابهات غير متوقعة في مرايا الذاكرة