الاتحاد

ثقافة

فيلم تحريك... يحرك القلوب!

مشاهد من فيلم «قلباً وقالباً» (الصور أرشيفية)

مشاهد من فيلم «قلباً وقالباً» (الصور أرشيفية)

حسام نور الدين

لماذا نحب هذا، وننفر من ذاك؟ كيف ولماذا نتذكر؟ وأين تكمن مشاعرنا، وكم عددها؟ لن تجد إجماعاً علمياً على إجابة هذه الأسئلة، بل يعجز العلم عن إجابة الأسئلة التي تتعلق بأمر الروح، ورغم أن هناك علماء كثيرين افترضوا وجود مشاعر لا حصر لها في دوائر الشعور المتشابكة، مثل: الحقد والحسد، الدهشة والحيرة، الكراهية والاحتقار، ... إلخ. لكن مخرج أفلام التحريك/‏‏ بيت دوكتر اختار خمسة مشاعر فقط، لينفذ فكرته الدرامية التي انطلقت فور انتباهه، لتَغيّر مشاعر طفلته، عندما بلغت الحادية عشرة، حتى ظهر للشاشة فيلم التحريك المدهش (INSIDE OUT)
أو (قلباً وقالباً، عام - 2015)، بعدما استغرق المخرج وصاحب القصة أعواماً في تنقيحها مع المخرج والكاتب/‏‏ روني ديل كارمن، وتحت إشراف الشركة المنتجة (بيكسار)، التي اخترعت أفلام التحريك بتقنية الثلاثة أبعاد، فنالت نجاحاً كاسحاً، بدءاً من سلسلة أفلام (قصة اللعبة) عام 1995، ونالت العديد من جوائز الأوسكار، مثل فيلمنا الذي فاز بجائزة أفضل أفلام التحريك، بل اعتلى مكانة غير مسبوقة في استفتاءات نقدية مُعتبرة. والفيلم يستند على رؤية العالم النفسي/‏‏ بول إيكمان، ودكتور/‏‏ داتشر كلتنر، مفادها أن المشاعر الأساسية لها وظيفتها، ولابد أن تعمل كل منها وفق دورها، لتدخل السعادة والاتزان في عقل الإنسان، ونعود لنكرر سؤالنا الجدلي عن مكان وجود المشاعر، فهل هي في المخ، كما حدد لنا الفيلم، انسياقاً لنظرية الطب التقليدي، أم كما أثبتت تجارب في العلم الحديث بوجودها في القلب أيضاً، كما في معهد (هارت ماث) بكاليفورنيا، وجامعة ييل، وقدموا خلاصة بحوثهم في دوريات علمية محكمة*، فضلاً عن اكتشاف الدكتور/‏‏ أندرو آرمور بوجود ما وصفه (بالدماغ الصغير) داخل القلب، وكذلك وجود وحدات ذاكرة طويلة، وقصيرة المدى، ولاننسى الشهادات الموثقة بالتلفزيون البريطاني للعديد من الأشخاص الذين تم استزراع قلب جديد لهم، مؤكدين دور القلب في التفكر والتذكر والمهارات الإبداعية، وحتى الأمزجة!! فلذا كان من الأفضل- من وجهة نظرنا- أن نرى فضاء القلب/‏‏ العقل ساحة دراما الفيلم، دون اقتصاره على العقل فقط، لكن يظل الفيلم أولاً- بطبيعته- عملاً فنياً خيالياً درامياً للأطفال، خاصة من (11-17 سنة)، وأراد من منطلق علمي، أن يكشف عن خفايا مشاعر الإنسان، داخل عقل طفلة.

مشاعر البداية، وما بعدها
- هل نظرت لأحدهم وتعجبت «ما الذي يحدث داخل رؤوسهم؟».. حسناً، أنا أعرف ماذا يحدث في رأس رايلي.
بهذا السؤال والمقدمة المثيرة يضعنا الفيلم في لُب الفكرة، مع شاشة سوداء، بصوت البطلة/‏‏ جوي التي تجسد شعور البهجة لدى الرضيعة (رايلي) في لحظة الميلاد، يصحبها نغمات موسيقية تأثيرية، لتُدخلنا في عمق الإحساس النفسي للفيلم برقة، مثلما تتم الانتقالات المونتاجية، من مزج وإضاءة تدريجية، فتبزغ (جوي) من نقطة ضوء، تتسع، حتى تشع منها، بظهورها البراق، وخطوط حركتها الوثابة، مع نبرات صوتها المتفائلة النشطة (الممثلة/‏‏ ايمي بوهلر). ومع أول لمسة من جوي على زر كبير، وهي تنظر على شاشة أمامها، تطل منها الرضيعة رايلي التي تنطلق ضحكاتها، فنعرف أن جوي تبث مشاعر الفرح لدى المولودة، وبفضل التنوع المتناسق لأحجام اللقطات المختلفة، والزوايا التي تكشف كل جوانب المكان بدلالاته، نشعر باندماج وترابط جوي مع رايلي، في لحظات البداية السحرية التي تنطلق معها كل الأوركسترا في عزف الثيمة الرئيسة للفيلم (من تأليف/‏‏ مايكل جاكينو)، فتتشكل حجرة جوي التي بداخل عقل رايلي، وتدور بللورات الذاكرة للرضيعة، لتخزينها في رفوف الذاكرة، في حين تُحلق جوي، وكأنها خُلقت لتكون مع رايلي للأبد، مثلما تخبرنا بصوتها (خارج الكادر)، بَيْد أن سرعان ما نكتشف أن جوي ليست الشعور الوحيد الذي ينفرد بعقل رايلي، حيث تظهر شخصية سادنس/‏‏ الحزن، فيبدأ الصراع اللطيف بين البهجة والحزن، وبعدها تباعاً، وبدخول سينمائي مبتكر، تظهر شخصيات بقية المشاعر (الخوف، الاشمئزاز، الغضب)، ثم تكبر رايلي تدريجياً، عبر لقطات سريعة (فوتومونتاج)، فنرى الخوف يحذرها، ليمنعها من مواصلة الجري، لوجود سلك كهرباء، في حين الاشمئزاز برموشها الصناعية الطويلة، ومكياجها اللافت، تنذر رايلي من أي طعام أو شراب، قد يضرها، أما الغضب فيثور في حمية، عندما يجد ما يستدعي ذلك، وتبقى جوي هي الأكثر حضوراً، تقود فريق المشاعر، خاصة مع سادنس/‏‏ الحزن التي تقوم رغماً عنها في إضفاء الحزن، بحركتها البطيئة الكسول في نفس رايلي- هو خطأ علمي وقع فيه الفيلم، لأن الدراسات النفسية تشير إلى حيوية الحزن لا كسلها، متحداً مع هياج الإثارة النفسية، في تنشيط الجسد، ليتفاعل مع فاجعة الفقد -*** فنراها تلون الكرات البلورية التي تمثل ذكريات رايلي السابقة، في أول طفولتها، بلون الحزن الأزرق، وقتما تنتقل رايلي (11سنة) مع أسرتها، بعيداً عن الولاية التي تربت فيها، ولعبت في صغرها بحدائقها، ثم تكون الصدمة عندما تجد المنزل الجديد كئيباً، فتهرب بعد أحداث متتالية، كي تسافر لولايتها الحبيبة، بعيداً عن عين والديها، بينما كانت جوي في خط درامي مواز مع سادنس يحاولان العودة للحجرة الرئيسية، بعدما راحا في رحلة خيالية لجزر وقيعان مجهولة في عقل رايلي، حتى يلتقيا بشخصية تفيض بالإنسانية (بينج بونج) وهو الفيل الطيب الذي كان يلاعب، ويغني في مخيلة رايلي في طفولتها المبكرة، بعدها يرشد (بينج بونج) جوي لطريق العودة، وبعد مغامرات تشويقية - طالت لحد ما - للجذب التجاري، حيث أراد بنا الفيلم الولوج في متاهة الأماكن المسلية الغرائبية، كأننا أمام لعبة أطفال إلكترونية، وتعود في النهاية رايلي إلى والديها، لكن بعدما يوجهنا الفيلم لفاعلية مشاعر الحزن الإيجابي في عقل رايلي، لتجعلها تشعر وتحس بألم والديها، بعيداً عن اللامبالاة الشعورية، وهو أمر لافت وجديد في العمل ككل.

تصميم الشخصيات
في هذا النوع من أفلام التحريك يكون رسم الشخصياتdrawing، من أول خطوات إبداع الفيلم، وبخيال مصمم الشخصيات الموهوب (جون نيفارز)، نجد مثلاً:
جوي/‏‏ البهجة: عبارة عن شكل نجمة، مشعة بهالة من النور المريح، كأنها تحمل قبساً من قمر السماء، عيونها واسعة ذكية، أعلى رأسها جديلة بارزة، على شكل يذكرنا بالنجمة، لكن هذا لاينفي ملاحظة ظهور زغب من النسيج القماشي لملمس بشرتها، فظهر منتوفاً في اللقطات المقربة لذراعيها، مما يتنافَى- لحد ما- مع رقة رسم الشخصية. والملاحظة الأخرى أن نفس الشخصية بكل تفصيلاتها، ظهرت قبل هذا الفيلم، كشخصية ثانوية جداً في فيلم من إنتاج بيكسار(المرعبون في الجامعة -2013)، وهي عادة الشركة مع شريكتها/‏‏ والت ديزني، في تجربة بعض شخصيات أفلامها المستقبلية.
سادنس/‏‏الحزن: على شكل قطرة ماء، فنراها قصيرة لاعنق لها، بدينة ومنفوخة، نظارتها تغطي أغلب مساحة وجهها الدائرية، وياقة قميصها ترتفع حتى تكاد تخنقها، أما لون بشرتها وشعرها القصير فكله أزرق، وهو دلالة بَديهية عن الحزن الذي تجسده، وبابتكار يد الرسام للشخصية، مع بقية فناني التحريك والألوان (عدد العاملين بالفيلم بلغ نحو ستمائة أو يزيد)، وكذلك الحوار الماتع على لسانها، يجعلنا نتعاطف مع سادنس، ونحبها، لاسيما بصوتها المنكسر الطفولي، وبحته اللذيذة (بصوت الممثلة المؤثر/‏‏ فيليس سميث).
الخوف: يتلخص في أنف طويل بارز وعيون جاحظة، فالخوف يستشعر بأنفه رائحة الخطر، ويرى بعينيه النافذة أي مشكلة تمس سلامة الطفلة، وفي لفتة ذكية وطريفة نجد حاجبيه على شكل رقم 8، فهو دائما في حالة توجس. في حين أن قوام جسده النحيف كالقلم الرصاص، فالخوف يأكله القلق دائماً.
الاشمئزاز: تم ابتكاره بوعي للغة الجسد، حيث تميل بكتفها للوراء قليلاً، فالشخصية التي تشعر بالاشمئزاز تأخذ تلقائيا هذا الوضع، واختير لها اللون الأخضر الصريح، قد يكون - كما استنتج البعض- إشارة للزرع، والأكل الصحي بعيدا عن المُكملات المُخلقة، أو لمجرد التنويع اللوني وسط بقية المشاعر. ويبدو جلياً أن الصبغة اللونية المُشبعة، وسطوعها الفاتن، تناسب خيالية الشخصيات، عكس الحس اللوني الواقعي، لشخصية رايلي ووالديها.
الغضب: يهيمن عليه اللون الأحمر الصارخ، وهو أمر مفهوم لشخصية تمثل هذا الشعور، وإن خفف من صرامة الشخصية، بأن جعل لها ذراعين قصيرتين، فيبدو مثيراً للابتسام، حيث لاتتماشى مع غضبه الهائج، وأسنانه الكبيرة، وعينيه المستطيلة، مع حركة مقلتيه وجفونه في إيماءات عفوية مذهلة.

ملامح اللغة السينمائية
يخبرنا مدير التصوير/‏‏ باتريك لين عن خفايا حركة الكاميرا، حيث إنها كانت من صميم أفكاره، مع قسم التخطيط (لم يذكر أي دور للمخرج، وهو أمر غريب!!)، فكانت خطة العمل في قسم التخطيط layout، أن تُعبر حركة الكاميرا على وجود عالمين منفصلين: بداخل رأس رايلي، حيث تتحرك الكاميرا ببرامج الكمبيوتر، لتعطي إحساساً مماثلاً لحركة الكاميرا على الرافعة (Crane)، أو الشاريوه (عربة فوق قضبان)، أو على طائرة كما في آخر لقطات موت (بينج بونج)، للإحساس بهول قا ع النسيان السحيق. أما في الخارج: فالكاميرا تتحرك حركة تلقائية بعض الشيء، بعكس حركتها المنمقة الآلية في عالم الداخل، فكانت تتابع رايلي في المشاهد الواقعية، من فوق الكتف، أو بالاستيدي كام، كذلك تم استخدام عدسات بنوعية S4، لإعطاء صورة مسطحة، ولإضفاء بعض التشويه في وضوح الصورة، بعكس مشاهد المشاعر الخيالية، دون أن نتناسى دور الَإضاءة وجماليتها، وتوظيفها المناسب، تبعاً لنفسية الطفلة رايلي.
وما يهمنا رصده أيضاً هو.. التكوين بعناصره المتعددة، مع حركة وأوضاع الممثلين mise -en scene، حيث يتغير شكل التكوين باقتدار، كما في مشهد المجادلة عندما تنام رايلي، قبل ذهابها للمدرسة، فتحتدم المناقشة بين جوي وبقية المشاعر في غرفة التحكم الرئيسية، فنرى جوي فوق درجتي السلم بديكور الغرفة، لتبدو أكثر هيمنة كقائدة لهم، بينما البقية تحتها في شكل المثلث، ورأسه جوي، ثم يواصل كل طرف إقناع الآخر، فتتحرك جوي نحوهم، لتصبح في نفس المستوى الرأسي وسطهم، وهم يتصايحون بصوت عال، فبدت أنها محاصرة بينهم، وهنا يتحول التكوين للشكل الدائري الديناميكي، وبعدها تكمل جوي اقناعهم بثقة، وتقتحم الدائرة في نفس اللقطة، فتتقدم، لتصبح هي رأس المثلث في شكله الجديد المعكوس، ثم تدخل (أم رايلي) على الشاشة أمامهم بالغرفة، فتتغير خطوط النظر للشخصيات كلها، في توازن غير متماثل، وينقلنا الفيلم بنضج فني، لبؤرة درامية جديدة في ذات المشهد.
أما المؤثرات الصوتية فيعنينا منها إضافتها الدرامية والنفسية، فنسمع - مثلاً- صوت ارتطام كرات الذاكرة في مشهد وقوع (بينج بونج) مع جوي، في قيعان النسيان أو اللاوعي، مما أعطى إحساساً حياً بأنهما في كوكب آخر، كما في حوار الفيلم، مضافاً لها صدى صوتي، ليعمق الحس بالمسافة المادية/‏‏ المعنوية، كذلك صوت الكرات في نفس المشهد البديع، عندما تشتعل ببطء، فنستشعر حسيس اللهب يسري في فراغ العدم القاتم، متزامناً مع نزول دموع جوي/‏‏ البهجة من فرط العجز، وفقد الأمل، فيبلغ الوجع في المُتلقي مداه، وتهز فينا نحن الكبار مشاعر الحنين، لطفولتنا التي راح منها ما راح!!

مصادر:
https:/‏‏/‏‏www.heartmath.org/‏‏resources/‏‏downloads/‏‏science-of-the-heart/‏‏
https:/‏‏/‏‏www.youtube.com/‏‏watch؟v=87gjtL1EQ7U
https:/‏‏/‏‏www.nytimes.com/‏‏2015/‏‏07/‏‏05/‏‏opinion/‏‏sunday/‏‏the-science-of-inside-out.html
https:/‏‏/‏‏variety.com/‏‏2015/‏‏film/‏‏global/‏‏pixars-patrick-lin-cinematography-inside-out-1201646039/‏‏

اقرأ أيضا

لقاء تعريفي بجائزة «راشد الشرقي» للإبداع