الاتحاد

ثقافة

أمسيات المقاهي.. هل تغتال الشعر؟

الأمسيات الأدبية.. هل تفتقد روح الشعر والإبداع؟

الأمسيات الأدبية.. هل تفتقد روح الشعر والإبداع؟

روعة يونس

يرفض هذه الظاهرة، الشاعر السوري الكبير سامر محمد إسماعيل، لديه مجموعة إصدارات شعرية، وهو مؤلف وكاتب مجموعة أفلام نالت جوائز عربية ودولية، ويحلل ظروف نشأة هذه الظاهرة، ومسيرها ومراميها، قائلاً: «مع بداية الحرب تكاثرت هذه الملتقيات، وكان جمهورها من هؤلاء المتسربين من مراكز ثقافية لم تغير طقم محاضريها وشعرائها منذ عقود مضت، كان علينا أن نقول لا لثقافة الموت، نعم لثقافة الحياة، لكن هذه الملتقيات برأيي لم تكن جميعها على المقدار نفسه من الجدية والمسؤولية، بل تحول بعضها إلى ما يشبه مقاطعات لأصحاب مطاعم ومقاه، وجدوا في هذه الفضاءات التي كانت تنمو كالفطر حول مائدة الحرب فرصة لزيادة أرباحهم يكون فيها الشعر والشعراء فقرة (نمرة) في برنامج !، لكن الشعر كان على هامش هذه اللقاءات، وبعض الملتقيات حاولت أن توجد صيغة معقولة للنقاش والحوار لكنها لم تصمد، فالعقلية التي ترى في الشاعر أو الشاعرة زبوناً دمرت كل شيء، وعدنا مرة أخرى نبحث بين الركام».
يسترسل إسماعيل مضيفاً: «بالنسبة لي أرى أن هذه الملتقيات تستثمر اليوم في ثقافة الوهم، وفي تكريس نوع من «الشانسونيه» الثقافي، الطعام والشراب والقصف واللهو، ومن ثم يأتي ما يسمى بالشعر ودروع التكريم التي غالباً يقدمها أشخاص يجب محاكمتهم، فهم في الغالب لا علاقة لهم بالثقافة ولا بالشعر ولا بالفن، لكنهم يحاولون الإيحاء للجميع أنهم قيمون على الكتابة والفن، بينما هم مجرد شذاذ آفاق وأصحاب مطاعم لا تهمهم سوى الفاتورة، يغتالون باسم القصائد آخر ملمح من ملامح المجتمع المدني، ويعيدوننا مرة أخرى خواء المراكز الثقافية الرسمية التي لا شغل لها ولا هم في أغلبها سوى تلميع الأبواق والنكرات واجترار كلام عن شعراء العمود والتفعيلة ومآثر البرجوازية الملفقة في مدن ميتة».

غياب الأجواء الحضارية
في ذات التوجه التحليلي، ترى الشاعرة لورا عابد: «أن فكرة أمسيات المقاهي هي محاولة لتقليد ما يسمى بـ«المقاهي الثقافية» الحضارية التي بدأت تنتشر في بعض الدول العربية محاكاة لما هو شائع في الغرب، حيث يلقى الشعر على خلفية موسيقية، وضمن جو هادئ من الألفة، يوفر للحضور متعة الاستماع، المشاركة والنقاش فتتحول المقاهي لمنتديات ثقافية».
بملامح يعلوها الأسف، تضيف عابد: «آلمني أن تلك الأجواء الحضارية لم أجدها في المرة التي وُجدت فيها مصادفة في إحدى المقاهي في دمشق القديمة، كان شيئاً أشبه بتجمع اعتباطي لشلة أصدقاء، يفتقر للتنظيم، تعمه الفوضى والضوضاء والثرثرة والهرج، أكثر مما يحتمل المزاج الملائم للاستمتاع بأبسط حالة شعرية، لذلك ما كنت لأشارك في أمسيات كهذه! رغم أنني أؤيد فكرة نزول الشعر عن المنصات إلى الشارع والحياة العامة، لكن ضمن جو يحترم ويحفظ قيمة ومكانة الشعر والفنون، فعسى نحظى بمقاهٍ تحتضن الآداب والثقافة على اختلاف شعابها».

الاطلاع لا الاستعراض
يرفض الشاعر جورج سباط، المشاركة في مثل تلك الأمسيات، ويرى أن الصالونات الثقافية والجمعيات الأدبية، كفيلة بإظهار مواهب وإبداعات الشعراء، يقول: «هناك منتدى ثقافي في حلب يحمل اسم «المقهى الثقافي»، وأنا من أعضاء هذا المنتدى الذي يضم مجموعة من المثقفين والشعراء، نلتقي أسبوعياً بشكل دائم، لنقرأ نصوصنا، وكذلك نصوص كبار الأدباء العرب والعالميين، ولو شاء شعراء المقاهي أن يلوذوا بنا ليستزيدوا ويطلعوا على تجارب كبار الشعراء لدينا، لرحبنا بهم».
يضيف سباط: «مؤخراً أطلقنا منتدى باسم الشاعر العظيم «محمود درويش» مع الأخوة الأدباء الفلسطينيين، لتقديم نشاطات أدبية متنوعة، وليطلع الأعضاء والحضور على تجربة شاعرنا الفذة، وليتقدموا بنتاجاتهم بغية تصويبها وإرشادهم إلى فضاءات الشعر، لأن موهبة الشعر يجب أن تُنمو في أجواء صحية، وتُدعم بالقراءة والاطلاع على التجارب الشعرية القيّمة، والاستئناس بآراء الشعراء المؤثرين، وليس باستعراض في الكافتريات».

تحدي الحرب والظروف
تقول الموهبة الشعرية الشابة نجوى بهاء، المرشحة لجائزة «الإبداع الشبابي» عن فئة الشعر الحديث: «لن نلجأ إلى المراكز والجمعيات والمنتديات الثقافية لنلقي أشعارنا، فهي لا تقل «شللية» عن ما نُتهم به نحن «نجوم» أمسيات المقاهي! لهذا أشارك في أمسيات المقاهي الدمشقية، لأن موهبتي تلمست آفاقها بفضل هذه الأمسيات، وتبلورت بفضل الملاحظات التي يقدمها لي الزملاء الشعراء والجمهور المتذوق، أما الجمهور المشاغب الذي لا يلقي بالاً للشعر فلا ألتفت إليه»، وتعدد أسباباً أخرى تجعلها تلقي نصوصها في المقاهي: «نقوم أنا وزميلاتي وزملائي الشعراء بقراءة نصوصنا الشعرية أمام الناس تحدياً للظروف القاسية وللحرب التي قضت على كل شيء، واستجابةً لنداء الحياة وبقاء الشعر حياً، فإلى أين نذهب وأمام من نلقي أشعارنا طالما الصفحات الثقافية في وسائل إعلامنا توصد الأبواب في وجوهنا وتكرّس صفحاتها لأسماء بعينها، بل إنها تتجاهلنا نحن الشعراء الجدد، وتنشر نصوصاً وقراءات عن «شعراء» هاجروا خارج البلاد، ولم تعد تعنيهم الحركة الشعرية في سوريا، فقط لأنها كصفحات ثقافية تُعنى بالأسماء الكبيرة الشهيرة!».

شعرٌ يردم الهوة
يؤيد الشاعر معين الفروس، زميلته نجوى، ويضيف أسباباً أخرى تدفعه للمشاركة في أمسيات المقاهي، يقول: «نحاول عبر أمسياتنا إيجاد بديل لأمسيات المؤسسات الثقافية شبه الغائبة، مقارنةً بنشاطاتها قبل عام 2012 التي إن حضرت، فلتحتفي بالوجوه المعروفة والشهيرة في عالم الشعر، لذلك فإن تلك المؤسسات الثقافية هي من أوجدتنا - دون قصد منها - لأنها تستثني من فعالياتها الشعراء الجدد بذريعة أنه يجب أن يثبتوا أنفسهم، ويحققوا الشهرة.
فكيف نحقق الشهرة إن لم تستقبلنا تلك المؤسسات والفضائيات والإذاعات في بلدنا، وتلقي الأضواء علينا»؟
يدافع الفروس، عن مشاركاته في أمسيات المقاهي، التي يعرف النظرة الدونية إليها، وأنها منبوذة! يقول: «ليس صحيحاً أننا نلقي نصوصنا وسط جمهور لا يبالي ويثير الفوضى في المقهى، فتلك الأمسيات لها الفضل الأكبر في ردم الهوة بين الناس والثقافة، واستقطاب الجمهور للتعرف إلى الشعر، وتنقية وتهذيب ذائقته، بعد أن كان يقضي وقته في المقاهي بالثرثرة على الآخرين، والضحك، أو في نقاشات لا طائل منها عن الحرب!».

متاجرة مكشوفة
كيف ينظر روّاد تلك المقاهي، ممن سبق لهم متابعة تلك الأمسيات الشعرية؟ تقول رنا صايغ، مهتمة بالشأن الثقافي: «فرق كبير بين «مقاهي المثقفين» في عالمنا العربي، وبين «أمسيات المقاهي»، لقد استعاضوا في هذه المقاهي الدمشقية عن أغاني الفيديو كليب والرقص والغناء وعرض نشرات الأخبار، ليقدموا نصوصاً شعرية قد يكون بعضها جميلاً ومتفرداً، لكن الشعر ليس مكانه في المقاهي التي يرتادها أناس مختلفون في انتماءاتهم الفكرية والعقائدية، والأهم يختلفون في الذائقات، لذا من الطبيعي ألا يحظى الشاعر بتقدير واهتمام كل الحضور».
من جهته، يثني عبد الرحمن رضوان، المتابع للحركة الثقافية عموماً، وأمسيات المقاهي خصوصاً، على هذه الظاهرة ولا يراها سلبية: «إنها ظاهرة جديدة ومقبولة، فبالنسبة لجيلي، يريحنا أن في معظم تلك المقاهي نقف على مسافة واحدة من جميع أصحاب النصوص، لأنها لا تتبنى مواقف سياسية أو تطرح إشكاليات متعبة لتفكير أبناء الحرب، فنحن نحتاج قليلاً من الشعر وقليلاً من الإبداع لتصمد أرواحنا أمام الحرب، لئلا تصبح أمراً طبيعياً نعتاده، وهذه الأمسيات الشعرية على محدودية تأثيرها أفضل من يجابه الحرب، ويحول دون أن تصبح أخبارها عادة يومية لدينا».
ويستكمل رأيه ليقول: «يبدو أن وصف تلك الأمسيات الشعرية بالعبثية التي تنشر الفوضى، يرجع لكونها نتاج مبادرات فردية تحاول إعادة العلاقة مع الشعر، بينما اعتدنا على رعاية المؤسسات الرسمية والخاصة للثقافة والآداب عموماً، إذ يعتقد الإنسان السوري أن الثقافة أمرٌ عظيم يفترض أن تتولى شؤون فعالياتها جهات رسمية، تتمتع بإمكانيات مادية ومعنوية وإعلامية، ولا يختلف المنظمون في مزاجيتهم، ولا المخططون في حسن تنظيمهم لفعالياتها، التي ترقى إلى مهرجانات شعرية، ومؤتمرات ثقافية لاستقراء الواقع الثقافي».

المتواضعون والمتكبرون!
ثمة من يعزو تفشي هذه الظاهرة على يد «الشاعرات والشعراء» الجدد، الذين ظهروا في السنوات الثمان الأخيرة، إلى العالم الأزرق «وسائل التواصل»، وبسؤالنا يوسف نوح، صاحب مقهى باب شرقي، عن مصادره في استقطاب ضيوف كل أمسية شعرية، أجابنا: «تأكدوا أن شعراء الفيسبوك يغزون المقاهي بدمشق القديمة، لأن شعراء سوريا يأنفون من المشاركة في هذه الأمسيات، لأنهم يرون أنفسهم أعلى وأكبر من الجمهور، بينما هؤلاء الشعراء الشباب أكثر موهبة، ويطرحون أفكاراً جديدة، ويلتحمون مع الناس والزبائن دون أنفة وتكبّر».
ويشير نوح إلى أمرٍ يراه مهماً: «بعض الأسماء الكبيرة في مجالي الشعر والإعلام هي المحرّضة علينا، وتلوك سمعة هذه الأمسيات، وتسخر من شعرائها وجمهورها».

في أحياء دمشق القديمة
يبدو أن الحرب أينما قامت، لا تتوقف خساراتها على البشر والحجر والشجر، فبعض الهزائم تمتد لتصيب مفاعيل ثقافية وآداباً إنسانية، كما الحال مع الأمسيات الشعرية في دمشق، التي باتت تستضيفها مقاه في أحياء دمشق القديمة «باب شرقي»، ليقرأ داخل جدرانها مجموعة ممن يستهويهم الشعر، نصوصاً على وقع أصوات جلبة الحضور وضحكاتهم، ونقيق الأراكيل «الشيشة» ورائحتها، ودخول الزبائن وخروجهم من المقهى، ولا يخلو الأمر من حدوث بعض المشاجرات. شكلت تلك الجماعات المنضوية تحت مسميات، قيل إنها تشي بماهيتها ونوعيتها، مثل «شارع وشاعر» و«هلا بالخميس» ملتقيات أشبه بالمجالس، فيما رأى المثقفون والشعراء أنها تمثل ظاهرة سلبية، يتطاول أصحابها على الشعر بوصفه من «المقدسات الثقافية» ويسيئون إليه، لأن لكل مقال مقاماً، وأجواء إلقاء قصائد الشعر تستلزم توافر شروط الاحترام والصفاء وحسن الاستماع، وقبل هذا كله تستلزم وجود الشعر!

 

اقرأ أيضا

لقاء تعريفي بجائزة «راشد الشرقي» للإبداع