الاتحاد

ثقافة

عبد الكريم الخطيبي.. شذرات في الازدواجية اللغوية

في كل  كلمة  كلمات أخرى!

في كل كلمة كلمات أخرى!

عبد السلام بنعبد العالي

لعل مسألة اللغة من أهم القضايا التي طرقها الخطيبي، إن لم تكن أهمها على الإطلاق. يكفي للتأكد من ذلك أن نتذكر ما كتبه جاك دريدا في هذا المضمار. ما يعطي طرح الخطيبي لهذه المسألة قوته هو أن صاحبه يصدر هنا عن معاناة حقيقية. لا يكتفي الخطيبي بأن يتعرض للمسألة اللغوية كقضية نظرية، فيقتصر على عرض النظريات ومناقشة الآراء، وإنما يروي حكايته مع اللغة، ولغة الكتابة على الخصوص. لذا فما يطبع هذه الشذرات، كما لعل القارئ سيتبين، هو صدق صاحبها، وربما أيضا شيء من المكابدة والمرارة في بعض الأحيان.
***
«كانت اللغة الفرنسية، خلال طفولتي لغة صامتة، موقوفة على القراءة، وعلى باقي التمارين المدرسية. إنها كانت لغة صامتة ولم تكن لغة ميتة شأن ما كانت عليه اللغة اللاتينية أو الإغريقية بالنسبة للفرنسيين من جيلي. كانت تمثل لي واجبا مدرسيا، قسما من الدراسات، زهدا كان يسجننا في محراب تخشّع وتشكك وتيهان. لم نكن نكلم أحداً. هذا اللاأحد كان محتجباً، وكنت أحاذيه في المدرسة، في الشارع، هناك. كانت بمعنى ما لغة صمت مفروضة علينا، وكان علي أن أتأقلم معها، وأن أتعلّم الإصغاء إلى الصمت، همساته وصيحاته، انخفاته وانبهاره».
***
«ذات يوم، أخذت اللغة الفرنسية تتكلم فيّ. باحتشام وحياء وخجل. تعلمت كتابة اللغة الفرنسية قبل أن أتعلم التحدث بها. وبما أننا لا نتكلم مثل كتاب، كان عليّ أن أعاود الأمر منذ البدء. بهذا المعنى، فإن الأمر لا يتعلق باستبدال لغة الأم، وإنما يتعلق بلغة كتابة تتسم بازدواجية لا تصدق. لأن الأمر كان يتعلق بالتحدث بلغة والكتابة بأخرى. وإذا أخذنا بعين الاعتبار الاختلاف بين اللغات السامية واللغات اللاتينية، فإن الأمر كان يتعلق بصراع لا هوادة فيه».
***
تعلمت عن ظهر قلب، وبفعل ما يفرضه عليّ واقع الحال، عدم تماثل بين اللغات. ذاتَ يوم، احتجب الصمت. فأخذت أحدث نفسي في مونولوغ داخلي.
***
«يتضح أن الهوية لا تتحدد من خلال بنية أبدية، بل هي حسب رأينا، محكومة بعلائق متقاطعة بين الزمن والفضاء والثقافة التي تهيكل حياة مجموعة بشرية أو عرقية أو حياة مجتمع ما. إنها ترجمة لحركة الوجود ومرونته وتكيفه مع الأحداث، ومع طاقته الخاصة في التجدد».
***
«يتطلب الأمر وجود قواعد لعبة بين الأطراف المعنية بالمسألة اللغوية، قواعد تكون شفافة بما فيه الكفاية. كما يتطلب وجود قوانين ضيافة في اللغة نفسها التي تتقاسمها الأطراف وتنقسم داخلها. إنها ضيافة من غير محاباة، وبحث عن هوية تكون بدورها في حالة صيرورة».
***
تعني الضيافة هنا إنصاتاً للآخر باعتباره آخر، ومن ثمة، الإنصات إليه من أجل التمكن من استقباله في فرادته. إنها كلمة آتية من مكان آخر بعيد، ومراس لهويتي الخاصة في تبلورها، مراس لطموحي الخاص إلى العالمية كيفما كنت، سواء أكنت مسلحاً بالقوة أو محروماً منها، مدعماً باستراتيجية قوة أو محروماً منها.
***
«ألفت الانتباه إلى أن الصفة» تتعذر ترجمته«لا تعني هنا فحسب ما يشكل عائقا لنقل لغة إلى أخرى، إلى لغات أخرى، وإنما هي تعني القوة الباطنية التي تسكن كل كتابة، أي تلك الازدواجية الفعلية (بين الصوت والمكتوب)، أقصد تلك الازدواجية اللغوية الهيكلية التي ينطوي عليها كل لسان، وأعني تلك الحركة اللامتناهية بين الكلام والكتابة».
***
لا يعني هذا أن الازدواجية اللغوية، أن تعدد اللغات هو مجرد علائق خارجية بين لغة وأخرى- بين اللغة المصدر والهدف على حد قول اللسانيين-، وإنما هي عناصر تدخل ضمن النسيج البنيوي لكل فعل كتابة، لكل غزو للمجهول تعبر عنه الكلمات. في كل كلمة، وفي كل اسم أو لقب ترتسم دوما كلمات أخرى، كتابتها الضيفة. في كل كلمة كلمات أخرى، في كل لغة تقيم لغات أخرى».
***
«إن كل لغة هي بمعنى ما، لغة أجنبية عن نفسها، عن إطارها القومي. لأن الأدب ينغرس في شجرة أنساب نصية، وهي نفسها شجرة أسطورية».
***
«إن اللغة العربية تتوزع بين نسَبَين، فهي تنتسب للذاكرة المكتوبة، ثم هي تنتمي للرواية الشفوية المؤسِّسة. وإن استعادة هذا النسيان بين ازدواجية اللغات وتعددها هو ما يدعو الكاتب المغربي لأن يشكل ذاكرته. هذه هي الهوية المتحركة لهذه الأمة، والتي من شأنها أن تفتحها على نزعة كونية واقعية»
***
ينظر الكاتب الذي يكتب باللغة التي كانت أجنبية، ينظر إلى هويته وهوية شعبه عبر ما يشبه نوعاً من الإثنولوجيا الأدبية. كلما توغل الكاتب في هذا المسار، اكتشف محاسن الغربة وما تسببه من اضطرابات. كلما تمكنت اللغة الفرنسية من إعادة صياغة اللغة الأم في بنية أخرى، فإنه ينصاع للعبة الغواية هذه. إنها غواية الكلمات، وهي تنتظم فيما بينها في لغة حب ترعى قواعد اللياقة والليونة».
***
«تملك الكاتب للغة حب مستقاة من تراث أجنبي يرغمه على أن يمارس الازدواجية اللغوية. وهكذا سيلفي نفسه أحياناً وفي موطنه الأصلي، يتكلم لغة ويكتب بأخرى، وهذا في اليوم نفسه».
***
«فسواء أكانت الازدواجية اللغوية تعاش بطريقة مخصبة وفعالة، أم كانت مصدر اضطراب وخلط، فإنها تمكن الكاتب من كشف آخر. إذ إنه سرعان ما يتبين أن هذه اللغة الأجنبية ليست لغة الأم ولا لغة الأب، وأنها، بوصفها تجربة كتابة، لغة الهو المجهول، لغة لا تستمد أصلها من شخص بعينه. فهل هي لغة لاشخصية؟ نعم، وبمعنى مزدوج: فمن جهة، إن اللغة ليست ملكاً لأحد، ومن ناحية أخرى، فإنها تفقد قناعها كملك جماعة أو بلد مهيمن للثروات الرمزية التي تتبادلها. إن هذا الطابع اللاشخصي هو يوتوبيا الكاتب، ومنفاه».
***
«بكيفية أو بأخرى، يشعر الكتاب بلغة أجنية أنه فقد جزءاً من ذاته. يشعر أنه على الهامش. يقال عنه إنه عاشق لفرنسا من غير أن يكون كذلك، لكونه ليس هو نفسَه، ولا هو فرنسي على الوجه الصحيح. لذا فهو يتعرض لإنكار وتجاهل مصحوبين أحياناً بالمحاباة».
***
تعمل«اللغة الأم» عملها في اللغة الأجنبية. تتم بين اللغتين عملية ترجمة دائمة، ويدور بينهما حوار خفي يتعذر كشفه وتبيانه».
***
«إننا نكتب لا بلغتنا، ولا بلغة أجنبية»
***
«عندما أكتب، أقوم بذلك في لغة الآخر. هذه اللغة ليست ملكاً لأحد»

 

اقرأ أيضا

19 عرضاً أمام لجنة مشاهدات المسرحيات القصيرة بمهرجان كلباء