الاتحاد

ثقافة

ليلة غاشية.. ترخي سدولها على الرواية الإماراتية

غلاف ليلة غاشية

غلاف ليلة غاشية

منذ أن أهدتني، في ذلك الصباح، لولوة المناعي (بمعرض فرانكفورت الدولي للكتاب 2016) رواية «ليلة غاشية» للروائي الإماراتي «عبيد بو ملحة» لم يرخِ ليل اليوم الذي تلاه سدوله حتى أكملت، على وجه السرعة وبشغف، تلك الرواية التي على أهميتها لم أجد دراسات نقدية أو مقالة تتناولها بالدرس والتحليل. وهنا أود أن أشير إلى ملاحظة أدبية عامة لطالما وددت أن أسطرها وهي أننا نفتقر افتقاراً يصل لحد الإهمال -على العكس من الغرب- إلى «المقومات الكمالية» للمنتج الأدبي كالترويج والدعاية والدراسة والبحث والنقد وحتى ربما المحاكمة. وهذه المقومات لا تقل أهمية بأي حال عن المنتج الإبداعي نفسه، رواية أو قصة أو مسرحية... وغيرها من صنوف الإبداع.نعود لفجوج وخفايا رواية «ليلة غاشية» التي نجد فيها البطل (نايف)، وهو مريد للعلم الروحاني بشقه الأسود والمتمثل بالسحر، يتردد على أستاذ من أساتذة ذلك العلم، ويستطرد الراوي في وصف الحالات والقيامات التي تدق مضاجع نايف وهو يترقي في تعلم تلك الفنون السحرية حتى يخيل للمتلقي أن المونودراما التي يعتلي البطل خشبة مسرحها، ويدور في فلكها، تعطيه تجليات في الوعي واللاوعي كأنها تنطلق من داخله في بعض الأحيان وتطرأ عليه في أحيان عديدة.. ثم تأتي فنون اللغة كالسجع والاستعارة وغيرها لتضيف على ذلك السرد حيوية يستعرض الروائي عضلاته فيها، ويبين أن اللغة الكلاسيكية ما كان لها أن تترك الروايات الحديثة ليعيد استحضارها مع المحسنات البديعيَّة التي يتقنها.
وبين أزقة النصوص وأروقة الأحداث تأتي ضربات الروائي الموفقة ليفيق بها المتلقي من الجو الروحاني على وقع عبارات إبداعية ومنها هذا النص: «قرأ وقرأ وقرأ وانتظر أن يتحول إلى ساحر، جرب أن يحرك أي شيء أمامه ولكنه شعر بأن الجمادات تسخر منه».
ثم يستمر هدير الخوف الذي تفيض منه الرواية واللامعقول الذي يتسلق بسيقانه على شرفتها حتى نشعر بأن الروائي أراد أن يرعب الرعب، ومساحة حرية خياله التي لا يحدها حد كانت هي مارده الذي أراد به أن يخرج من قمقم التقليد والكتابات الرتيبة، ليلتحق مع ركب الذين يحلقون بعوالمهم ولا يعودون إلا ومعهم عنقاء الغرائب وسندباد العجائب.
يبقى نايف مجتهداً ومرتقياً حتى نراه قبل الصفحة (70) بصفحة يصل إلى نقطة مراجعة لذاته ثم بعدها يظل الصراع النفسي قائما فيه حتى يشعر القارئ أنه ممسوس وليس غارقاً في الاغتراف من العلوم السحرية.
ثم نرى أن الروائي يعود بذاكرة البطل وسبب إقدامه على هذا الأمر لنجد كما وصفه في الصفحة رقم (80) «بالانفجار العظيم» ليذكرنا في هذه التقنية الكتابة بأن الذكريات بمجملها ليس من شرطها أن تكون بالبداية فالكاتب البارع يستعيدها متى شاء دون الأخلال بالسياق السردي، ونستشعر بعدها بالكم المستولي على النصوص للراوي بعد وصولنا لأكثر من منتصف الرواية، وقد أصابته حالة من التوحد مع بطله حتى أفرده واستعلى به على الحوارات التي تمثل العامود الفقري لمعظم الروايات ويلوذ وحده بسوانح فكره تارة وبما يتلقى من نوازل الماورائيات التي تحتفي به تارة أخرى وصولا للتحدي، وهنا نستذكر رواية «عزازيل» للروائي يوسف زيدان مع الفارق أن هذا الأخير جعل بطل روايته يلوذ بالتجليات والتأملات ليرتقي بها من الناسوتية إلى اللاهوتية باحثا عن الحقيقة، ثم ندرك ونحن نشرف من عليائها على نهايتها أن (الموت لا يعد نهاية ولكنه جزء لا يتجزأ من البداية)، كما يؤكد الراوي. إن اختزال كل أحداث الرواية في ليلة واحدة تبلغ من الصعوبة حداً يشبه من يضع البحر في قارورة صغيرة، وعندما أصر الروائي على انتهاء أحداثها عند الفجر فإنه أراد أن يوصل رسالة مفادها أنه ليس شرطاً أن نعيش أياماً وشهوراً وأعواماً كي نخلق مسرحاً للرواية وأنه يمكن من خلال الإبداع أن نشذ لنلتقط صورة من زاوية مختلفة لم يلتقط منها بقية الروائيين من خلال قصر الوقت وجسامة الأحداث ولم لا .. فلربما نعيش اللحظة كأنها سنين طوال، وربما نعيش العقود كأنها لحظة، وهنا نكتشف أن «الآخرين» الماورائيين الذين ذكرهم في مستهلها يمكن أن يكونوا قد ساعدوه ليتم كتابتها على هذا المنحى الغرائبي، ولذلك توجب طبع هذه الرواية الاستثنائية خمس مرات خلال السنتين المنصرمتين.

اقرأ أيضا

حبيب الصايغ: أوصيكم بقصيدة النثر خيراً