الاتحاد

دنيا

موتسارت عزف في الرابعة فاعترى القطة فرح بشري

أورينت برس- خاص:
وُلد ليقول 'وداعاً' بسرعة عجيبة، وكأن الأقدار لا تريد للعبقرية إلا أن تتعذب··· وهكذا هي الحال مع الموسيقي الشهير 'وولفانغ موتسارت' الذي عزف وهو في الرابعة، ووضع أعمالاً لطالما وُصفت بالمعجزات الموسيقية·
هذا العام تحتفل أوروبا بمرور 250 عاماً على ولادته، مهرجانات، وعروض، وندوات لكي تتعرّف الأجيال الجديدة على ذلك العبقري الذي كان يستخدم أنفه أحياناً على أنه الاصبع الحادي عشر·
حياة حزينة، ومال قليل، ومرض هائل، وعربة موتى حملته وحيداً إلى المقبرة دون أن يعرف أحد قبره·
'الاتحاد' تعرض لشريط حياة 'موتسارت':
هطل مع الثلج في تلك الليلة من كانون الثاني (يناير) ·1756 لا يعرف والده 'ليوبولد' لماذا ارتعش إلى ذلك الحد حين رآه، هل لأنه خشي أن يلقى المصير نفسه الذي لقيه أشقاؤه الخمسة الذين كانوا يموتون بعد ولادتهم بفترة وجيزة؟ بقيت طفلة تدعى 'نانيرل'، وبقي هو، ربما لأنه عبقري، ويفترض أن يصنع تلك المعجزات الموسيقية، ثم يذهب، وهو في الخامسة والثلاثين بعدما أنهكه ذلك المرض الغامض·
منذ الطفولة كان يتعامل مع الآلات الموسيقية بطريقة غريبة· يقال إنه حين كان في الرابعة راح يعزف، وكان والده مفتوناً بالموسيقى وعازفاً، لكن لاشيء يشير إلى أنه فعل شيئاً يستحق الذكر· الذي حصل أن القطة التي في المنزل أصيبت بنوع من الجنون· قالت شقيقته 'نانيرل': 'لقد ظهر في عينيها فرح بشري، أجل فرح بشري، ماذا تقمصت القطة في تلك اللحظة؟'·
إيقاع سحري
لكن أمه ذهبت إلى أبعد من ذلك: 'كنت أسمع ايقاعاً سحرياً في بطني· بدأت أشعر بذلك عندما كنت حاملاً في الشهر السابع· لا أدري لماذا ذرفت الدمع لحظة ولادته· ربما لأننا سنفترق بعد سنوات· ربما لأنه سيرحل في وقت مبكر· أجل، أجل، أحسست بأنني ارتكبت خطيئة· وكنت أتأمل في أصابعه· كان يحركها بطريقة شفافة ولافتة، ولا أدري لماذا كنت أتصور أن أصابعه هذه تتعذب'·
في الرابعة وضع ثلاثية راقصة على الدفتر، لكنه كان يتقن العزف· كان الأب يقف مشدوهاً: 'وكانت ظلال الجمر في الموقد تتبعثر على وجهه الذي كان ينطوي على أشياء كان من الصعب أن أفهمها، ماذا تفعل، كأب، حين يكون أمامك طفل لا تستطيع أن تعرف إلى أي زمن ينتمي'·
عناق الإمبراطورة
ملامح الطفل كانت شاحبة ومريضة· العبقرية مرهقة بطبيعة الحال، كان نحيلاً وسريع العطب، ولم يكن ليتحمل صوت البوق، وفي ذات يوم حضر إلى منزلهم صديق والدهم الذي يعمل نافخ بوق لدى أسقف سالزبورغ التي كانت شبه امارة مستقلة· الصديق راح ينفخ بالبوق، هكذا ليلاعب الطفلين، وكانت لحظات هائلة· امتقع وجه 'وولفانغ موتسارت' وأغمي عليه·
الموسيقى هي رداء الروح· منذ الخامسة كان يمكن أن يجلس إلى البيانو على مدار الساعة، وكان على العائلة، لاسيما شقيقته، أن تستدرجه إلى اللهو بأي طريقة إذ كان يبدو، في بعض الأوقات، وكأنه فقد الاتصال بالعالم، عالمه هذا داخل روحه، وكان واضحاً أن جسده أكثر هشاشة بكثير، من أن تتحمل تلك الروح التي ينبعث منها اللهب·
علاقته بأبيه كانت حارة جداً· هو ملاذه الأول والأخير، وكان يقول له: 'حين تصبح عجوزاً، سوف أحميك من الهواء وأضعك في قمقم حتى تبقى إلى جانبي وأواصل حبي لك'·
الحديث عن الطفل المعجزة تناهى إلى الامبراطورة 'ماري - تيريز' التي استقبلته ومعها طفلها الذي أصبح، لاحقاً، الامبراطور 'جوزيف الثاني'· جحظت عينا الأب، وهو يرى ابنه يتسلق ركبتي الامبراطورة ويعانقها بحرارة أثارت مشاعرها، لا بل إن 'وولفانغ' ذهب إلى أبعد من ذلك· كان في السادسة، وطلب يد ابنة الامبراطورة 'ماري- انطوانيت'·
فيينا اهتزت لاستقباله· الجميع كانوا يتمنون رؤيته أو الاصغاء إلى عزفه، وفي دير للرهبان الفرنسيسكان، صعد إلى المنصة التي عليها الارغن وراح يعزف· وحين سمع ذلك الرهبان الذين كانوا يتناولون طعامهم في قاعة مجاورة هرعوا في اتجاه المكان ليعتريهم الذهول· لم يصدقوا أن طفلاً يعزف هكذا· كانت الموسيقى معقدة وراقية· أبداً لم تكن له أي علاقة بالعبث الطفولي·
رحلة مريرة وزاهية
لم يكتف الوالد الدمث، المتواضع، والورع بمدينة فيينا التي هي كوكب للموسيقى، وأراد لابنه أن يطلع على كل المدارس والأعمال الموسيقية في أوروبا، فجال به في فرنسا وانجلترا وهولندا· كانت الرحلة مريرة وزاهية في الوقت نفسه· العربة التي تقلهم كانت تمشي فوق الثلوج، والوحول، وتترنح، وكان 'موتسارت' يبدو متأملاً كما لو أن تلك الأشياء الغريبة تصل مباشرة إلى أصابعه التي كانت تتحرك بعذوبة، كما لو أنه يعزف في الهواء، وناموا في الاسطبلات وفوق القش·
عبروا ميونيخ حيث استقبلهم مكسيميليان الثالث ثم بروكسل، وكانت الهدايا تتدفق عليهم ومن بينها السيوف، لكن المال كان قليلاً، وهذه كانت مشكلة ذلك العبقري حتى الرمق الأخير من عمره·
وحين وصلت عائلة 'موتسارت' إلى باريس استقبلت في قصر فرساي حيث غمرته وصيفة الملكة وبناتها بالقبلات· وهناك التقى بأستاذه الأول 'جوهان شوبيرت' الذي طلب إليه أن ينشر أولى قطعه الموسيقية، وهي 'سوناتا' على القيثارة، ولكن بصحبة الكمان·
وفي العام ،1764 وقد أصبح في الثامنة، ووصل إلى لندن حيث كان 'هايندل' قد مات منذ خمس سنوات· أيضاً استُقبل في البلاط الملكي، والتقى في المدينة 'جان -كريتيان باخ'، آخر أبناء 'جان- سيباستيان باخ'، تاركاً انطباعاً عميقاً لدى الطفل· ولم تعد العائلة إلى سالزبورغ إلا بعد عام ونصف العام، وكان يفترض بـ 'وولفانغ' و'نانيرل' أن يقضيا بالحمى الدماغية أو بداء المفاصل أو بأي مرض آخر بسبب ما واجهاه، لكنهما بقيا على قيد الحياة·
أول أوبريت
وحين أصبح في الثانية عشرة، ألف أول اوبريت له من أجل فيينا (باستيان وباستيين)، ولكن ليتعرضا هناك لعملية نصب، إذ كان يفترض أن يتقاضى 'وولفانغ' مبلغ مائة دوكا عن العمل··· لكن صاحب المسرح تذرع بأن العمل تنقصه الأبعاد المسرحية، وحين اعترض والده دُفع إلى وراء الباب·
في رحلته الثانية إلى باريس العام ،1778 كانت صدمته الهائلة· وفاة أمه التي كانت معه في العاصمة الفرنسية· أمضى إلى جانبها 14 يوماً، وحين ماتت كان هو الوحيد في الكنيسة بردائه الأحمر الذي كان لون الحداد في باريس· لم يجرؤ على إخبار أبيه وشقيقته· وحين استعاد رباطة جأشه كتب لهما بأن يتجاوزا المحنة وينظرا إلى أمر آخر· وهو ما أثار موجة من الانتقاد له· وكان الفيلسوف الفرنسي 'فولتير' قد مات قبل ذلك بشهر، وهو الذي لم يقتنع بعبقرية 'موتسارت'، بل كان يصفه بـ 'متسارت الصغير' الأمر الذي كان قد أغضب الأب 'ليوبولد' فقال فيه: 'إنه الزنديق، الفاسق، الذي نفق مثل الكلب، وهذا هو جزاؤه'·
وخلال رحلته بين باريس وزوغسبورغ، تعرّف على ابنة عمه 'بازل' التي وقع في حبها، وتبادل واياها الرسائل· ولكن تفادياً لإلقاء الظلال على الشاب العبقري أبقيت تلك الرسائل جانباً، حتى أن ابنة عمه، وبعد موته، أخفت تلك الرسائل·
حب مغنية
ثم ما لبث أن أحبّ مغنية في الخامسة عشرة من العمر تدعى 'آلويسيا ويبر' التي لم تعره اهتماماً، ولم تترك باريس التي تصور أنها ستكون ملاذاً لأحلامه الكبيرة لديه سوى الخيبة· عاد إلى سالزبورغ لكي يقول: 'هنا أشعر بأنني كل شيء ولا شيء'·
أعماله الرائعة تلاحقت، ليقع في العام 1782 في حب 'كونستافس ويبر' التي لم تكن أمها تتصف بسيرة حسنة· رفض الأب زواجه منها فجنّ جنونه، وراح يتوسل إليه، برسائله، أن يقبل، كما أنه طلب تدخل أصدقاء كثيرين، لم يقتنع الأب، فتزوج من 'كونستانس' وبمساعدة بارونة سيئة السمعة، دون إذن والده·
وضع أعماله الكبرى 'عرس الفيغارو'، و'وصية الباباجينو' وغيرهما· العبقرية بلغت ذروتها، ومع ذلك بقيت يداه خاويتين تقريباً· وحينما كان منهمكا عام 1791 في وضع 'المزمار المسحور' و'عفو تيتوس'، جاءه رجل غريب يرتدي قناعاً وسلمه رسالة مقفلة دون أن ينبس ببنت شفة· وكانت الرسالة الذي لم يذكر صاحبها اسمه تطلب منه أن يضع قطعة موسيقية (رقيم) تعزف للموت (البعض يدعوها 'صلاة للموتى')، وذلك في مقابل مبلغ لا بأس به من المال·
الرجل المقنع عاد ثانية بمبلغ من المال، ومعه ملاحظات حول العمل· وهنا تتفاوت أخبار المؤرخين، فمن قائل أن صاحب الرسالة مجهول، ومن قائل إنه الكونت 'فرانز فون فالسيغ' الذي كان رجلاً طيباً وموسراً ومولعاً بالموسيقى، وكان يطلب من موسيقيين كبار، وعبر خادمه، وضع قطع موسيقية كان يعزفها هو مدعياً أنه الذي أبدعها·
دقات الساعة الأخيرة
'موتسارت' راح يعمل بجد ودون أن يبالي بالارهاق· حدث شيء ما يذكره بعض المؤرخين وهو إحساسه بأنه إنما يضع تلك الموسيقى الجنائزية له شخصياً، والنقاد الذين كتبوا عن هذا العمل الذي لم ينته قالوا إنه معبأ بالقلق، والعمق، وبدقات الساعة الأخيرة· أحدهم قال إن الهواء بدا وكأنه يموت في تلك القطعة الموسيقية الساحرة·
اقترب منه الموت كثيراً· الذين جلسوا قرب سريره كانوا يسمعونه وهو يدندن موسيقى الرقيم (الصلاة الجنائزية) بصوت منخفض· كان يعاني من آلام مبرحة، وهو يشاهد تقديم عمله الموسيقي 'المزمار المسحور'· وفي الرابع من كانون الأول - ديسمبر ،1791 قال إنه يشعر بمذاق الموت في فمه، وفي صباح اليوم التالي مات·
كل الذين شاركوا في العمل التقوا في كنيسة جانبية تابعة لكاتدرائية القديس اتيان حيث جرى احتفال جنائزي قصير· والغريب أنه لم ترافقه أي موسيقى· وكانت 'كونستانس' في حالة شديدة من الاعياء حتى أنه طلب إليها أن تبقى عند بعض الأصدقاء· حتى ولداه لم يشاركا في القداس· ولنتصور أن ذلك العبقري ذهب وحيداً في عربة الموتى إلى المقبرة، ووضع الجثمان في مدفن جماعي· وحين قصدت 'كونستانس' المقبرة بعد أيام لتضع باقة من الزهر لم يستطع أحد أن يرشدها إلى مكان دفنه·
حتى الآن لا يُعرف أين هو قبره· النقاد قالوا إنه الطيف في حياته وفي مماته، هذا صحيح· لم يكن لذلك الجسد النحيل والمحطم أن يتحمل روحاً شاسعة هكذا·
أوروبا كلها تحتفل بالذكرى الـ 250 لميلاده· حفلات موسيقية، وندوات، وعروض مسرحية· في سالزبورغ عزف الرقيم لأن العبقرية تتعذب··· هنا تعذبت كثيراً!

اقرأ أيضا