الاتحاد

دنيا

رينوار عاشق الفرح وقاهر اليأس

وفاء محمود العلي:
ما أن يذكر اسم 'رينوار' حتى تطلع على البال تلك اللوحات الجميلة العابقة بالنور والضوء والزهور، وأجواء الطبيعة الساحرة التي ميزت أعماله النورانية وأفاضت عليها الكثير من الحيوية والجمال، حتى قيل عن لوحاته إنها عالم من النور ينساب مثل قوس قزح··· لكن هذا الجمال يخفي وراءه حكاية عذاب تستحق أن تروى، وأن تكون نموذجاً يحتذى من كل من ابتلي بعاهة أو مرض أقعده·
فهذا الفنان الرائع، القادر على منح الفرح لكل من حوله، خاض دروباً مليئة بالأشواك، وعاش معاناة قاسية لم ترحمه في كثير من الأوقات، ففي بداية حياته تجرع مرارة الفقر والحاجة، واضطر إلى العمل وهو في سن صغيرة لكي يجمع الفرنكات التي يعيش منها ويحقق عن طريقها حلمه الكبير الذي لم يغادره أبداً، وفي أواخر أيامه أصيب بالمرض وأقعده الشلل على كرسي كثيراً ما كان سبباً كافياً للعذاب، لكنه حول عذابه إلى عطاء، ورسم لوحات غاية في العذوبة قادرة على أن تشيع الفرح في نفوس المتعبين·
هنا تفاصيل حياة فنان عظيم، وهب نفسه للفرح، وآمن بقدراته وإبداعه، واستمر يعطي رغم كل شيء··· وفي حكايته ما يجعل الحياة في عيوننا 'حلوة'·
أبصرت عينا 'بيير أوجست رينوار' أو فنان الحياة كما يحلو للنقاد أن يلقبوه النور في مدينة ليموج الفرنسية عام 1841م· ولما كان والداه من الفقراء فقد اضطر مبكراً وهو ما يزال في الثالثة عشرة من العمر أن يعمل ليسكب رزقه، فعمل مزخرفاً للأواني في مصنع للخزف والبورسلين، وبهذا العمل بدأ مسيرته الطويلة في عالم الفن الساحر الذي نعرض هنا لبعض محطاته الأساسية·
طريق الألف ميل
ربما كان من أهم ميزات انتقال أسرة رينوار إلى باريس، أنها أتاحت له الذهاب إلى متحف اللوفر، الذي يمكن القول إنه كلمة السر في حياة رينوار حيث كان يقضي فيه أوقات فراغه ثم يسفح ما تبقى من الوقت في متاحف باريس الأخرى ومعارضها، لكن هذه المشاغل لم تنسه حلمه الكبير في أن يكرس حياته للفن، فأخذ يدخر المال الذي مكنه من الالتحاق بمدرسة الفنون الجميلة بمرسم أستاذ الفن 'جليير' ليتعلم أصول فن الرسم الزيتي وفق الأسس الكلاسيكية، وليلتقي هناك بزملائه الذين اشتركوا معه في تأسيس جماعة 'التأثريين الفرنسيين': كلود مونيه، الفريد سيسلي والفنان بازيل، حيث صار يرافقهم في رحلاتهم للرسم عن الطبيعة في الهواء الطلق، بل ويتفوق عليهم بسبب المهارة التي اكتسبها في مهنته السابقة كرسام على الأواني الخزفية وكانت تلك خطوته الأولى في طريق الألف ميل·
مراحل فنية
عام 1866م، كان عام السعد بالنسبة لرينوار، فقد عرض فيه أولى لوحاته في صالون باريس، وكان في ذلك الوقت متأثراً بالأسلوب الواقعي وبأعمال فناني القرن الثامن عشر، لكن عام 1868م كان أكثر سعادة حيث شهد إنجازه لأول لوحة تظهر فيها خصائصه الفنية التي عرف بها بعد ذلك، وأصبحت من سمات فنه ومرتكزات شخصيته الفنية·
المحطة الثالثة المهمة في حياة رينوار هي 1865م ففي هذا العام التحق بالجيش بسبب اندلاع الحرب البروسية- الفرنسية، وكانت تلك الفترة من أصعب فترات حياته وأقساها، فكيف لفنان حساس أن يحتمل فظاعات الحرب التي لا يحتملها حتى الإنسان العادي، ولهذا ما أن وضعت الحرب أوزارها؛ حتى عاد 'رينوار' إلى باريس، لتعود بذلك رحلاته مع زملائه إلى شواطئ نهر 'السين'، وقد تميز عنهم فترتها بالتركيز على رسم الأشخاص في حين كانوا يركزون على المناظر الطبيعية، وكان حريصاً على إشاعة البهجة في لوحاته، من خلال اختيار الألوان الصافية، ولم يكن الضوء عنده غاية في حد ذاته بل مجرد وسيلة لبناء الشكل الذي يتميز في لوحاته بالليونة والبهجة، بينما لم تعد المناظر الطبيعية عنده إلا حاشية بهيجة تحيط بما يرسمه من بشر·
1879 كان المحطة الرابعة المهمة في مشواره، حيث أقام معرضه في صالون باريس وحقق نجاحاً كبيراً حفزه على العطاء أكثر وأكثر، ودفعه إلى دراسة أعمال مشاهير الفنانين الذين كانت أعمالهم تزين جدران اللوفر، ثم سافر إلى إيطاليا لمشاهدة آثار 'رافاييل' الرائعة، وهناك تأثر بالتصوير الفوتوغرافي الذي كان قد نشأ حديثاً في ذلك الوقت، وقد انعكس ذلك في أعماله التي جاءت أقرب إلى الصورة الفوتوغرافية، لكنها لم تفقد تماسها على مستوى التكوين·
التألق والعطاء
وفي عام 1883م حقق رينوار هدفه الذي طالما حلم به، وبدأ يحتل مكانة مميزة في الفنون بعد أن أقام معرضاً شاملاً لأعماله ضم نحو 70 لوحة من أجمل ما رسم·
لقد استطاع 'رينوار' في هذا الوقت أن يبيع لوحاته بسعر مائة فرنك للوحة الواحدة - وهو مبلغ مرتفع في تلك الفترة - لكنه مبلغ هزيل مقارنة بملايين الدولارات التي تباع بها لوحاته الآن في المزادات العالمية، وقد حفزه النجاح في ذلك على الاستقلال والخروج من جماعة 'التأثريين'، وتغيرت وجهة نظره تجاههم، وأصبح يعارض فلسفتهم الطبيعية· مؤكداً أن تعلّم الفن لا يتأتى بتأمل الطبيعة فقط، وإنما بتأمل روائع الفن في المتاحف، وقد أطلق النقاد على هذه المرحلة من حياته اسم 'المرحلة الجافة'، حيث حاول فيها 'رينوار' اتباع تعاليم رائد الفن الكلاسيكي 'آنجر' المتعلقة بإعطاء الأولوية والهيمنة للخطوط بدلاً من الألوان في فن الرسم الزيتي·
وقد امتدت هذه المرحلة على مدى حوالي خمس سنوات في حياته، وهنا نرى لوحاته تعتني بتحديد الأشكال وتجسيمها وتدعيم بنائها، خلافاً للوحاته في المرحلة التأثرية التي كانت تبدي اهتماماً أقل بالشكل الموجود وسط غلالة من الألوان الزخرفية الباهتة، بيد أنه عاد في العام 1890م إلى أسلوب أقرب إلى تأثريته السابقة، حيث تظهر ألوانه دافئة، يغلب عليها البني والأحمر والبرتقالي، أما على مستوى الموضوع فهي تركز على رسم المرأة وما تضج به من الحياة والأنوثة·
كرسي العذاب
لكن مع حلول عام 1988 سوف يعيش 'رينوار' أقسى مراحل حياته، وأكثرها صعوبة وبلاء، حيث أصيب بالروماتيزم والتهاب المفاصل الذي أدى إلى شلله طوال العشرين سنة الباقية في حياته (توفي عام 1919)، لكن المرض لم يفت في عضده، بل حفزه على الإبداع والتجدد، فانتقل إلى مرحلة جديدة تتميز بالعنفوان والقوة، وإذا كانت لوحاته التأثرية الأولى قد تميزت بالرقة والعذوبة كما لو أنها نسيم يترقرق على صفحة ماء، فإن هذه المرحلة (الأخيرة) جاءت أشبه بشلال يتدفق من قمم صخور عالية، وهي تذكرنا بتماثيل اليونان القديمة، ومنحوتات المعابد ذات الفخامة اللامتناهية، كل هذا الإبداع تمكن من اجتراحه رغم أنه كان يضطر إلى ربط فرشاة الألوان بين أصابعه العاجزة عندما كان يرسم من فوق مقعده المتحرك·

اقرأ أيضا