الاتحاد

دنيا

منصور الرحباني: بالفرح أستقبل صباحي الأخير

بيروت - الاتحاد- حسام العشي:
منصور الرحباني العلامة الفنية الفارقة هو انسان يجمع كل زوايا الفكر منطلقاً من الموسيقى الى ميادين الفلسفة والمسرح والتأليف والتاريخ الحضاري والنظريات النفسية والإيمان المشع بالفرح·
انه واحد من كبار الموسيقيين العرب رؤاه تميزت باختلافها المنفتح· ولا يزال يعطي
··· وايضاً يتذكر زمن الرحابنة· يقول: أنظر الى تلك المرحلة بتفاؤل وهي تسير الى الأمام فتكتشف لذتها مع مرور العمر وبطبيعتي أبارك الحياة، فهي الحركة والعطاء والأمل ودائماً أقول لربي سأظل أستقبل صباحاتك بالفرح حتى صباحي الأخير دون ان أفكر في الماضي او أعيش فراغاً بل أقترب من النهاية وأنا مشغول فيها، مما يلغي ضجر الانتظار والقلق لأنني بحالة عمل مستمرة·
؟ وبماذا تفسر الانهماك بهذا العمل المستمر؟
؟؟ انا لا أفكر بالاشياء التي فيها تحليل· فالإنسان يملك طاقة تنبع منه وبإمكانه ان يكتب ويجترح كل ما هو جميل له وللآخرين، فيوضح كل منهم الرؤية من كلامي ومسرحي ومسيرتي ويذهب معها ليصبح لها تفسير جديد عنده، من هنا أكتب دون ان افكر لماذا أكتب لأنني أنبع بالكتابة·
حالة وحدة
؟ ولكني أراك تعيش حالة من الوحدة؟
؟؟ منذ طفولتي وانا انسان حالم، أفضل العيش في الحلم، منعزلاً لوحدي· هذه حياتي وهكذا أحببتها ولكني لست منعزلاً عن الآخرين وانما أقصد العزلة الداخلية التي في النفس· أعلم ان الانسان يعيش وحيداً ومن يمت يمت لوحده ومن ينجُ ينجُ لوحده ولا يحس بالوجع سوى المتألم·
؟ أين تكون أثناء كتابتك؟
؟؟ أسافر الى أماكن جديدة، الى عالم الافكار، الى الطبيعة التي أغرق في مداها الاخضر فأشعر وكأنني ممزوج فيها· كما ان الانسان عليه ان يملك الموهبة والتقنية التي هي جزء من الإبداع فأفكاره وان كانت جميلة بدون لغة لا يستطيع نقلها او تفريغها من باله·
؟ قلت لي انك تنظر دائماً الى المستقبل، أترى في مروان وغدي واسامة المستقبل المستمر لك؟
؟؟ هم اولادي نعم، ولكن المستقبل لهم ينقلونني اليه كاستمرار مثل كل السلالات البشرية بكل ما فيها من جينات وراثية وأفكار متنقلة الى اجيالها، فأنا سأصبح قديماً وهم سيستمرون ومن ثم أولادهم وهكذا·
متعة القديم
؟ ولكنّ القديم أصل أساسي؟
؟؟ القديم جميل جداً وجيد ايضاً ولكننا لا نستطيع العيش فيه، فنحن نستمر بالتقدم واذا وقفنا جمدنا وما عدنا نحن بل نصير ماضٍيا، علينا ان نبقى سائرين الى الامام نخترع أشياء بحكم وجودنا، نحلم وننبع بالأحلام التي اذا إنكسرت سقطت في العدم· انا اتمتع بالقديم ولكن ليس لي حق ان أقلده فالعمل حالة تطورية ولا يمكن التأليف فيها كما في الماضي· الشعر مثلاً يزداد شراسة وكلماته تأخذ المنحى الواقعي وليس الوردي كما كانت في السابق· وكذلك الموسيقى تغيّرت وتماشت مع ايقاع الحاضر الأسرع من ايقاع الماضي·
؟ أين تكمن الراحة، في سرعة الحاضر ام في شفافية الماضي وهدوئه؟
؟؟ الحاضر والماضي مليئان بالشفافية فإيقاع العصر هو السريع ويمكن للانسان فيه ان يكون هادئاً، والا فلن يستطيع العمل في هذا الجو الصاخب كما ان رؤية الهادئ عميقة وغير منفعلة ومؤثرة بالناس وفاعلة لهم·
رؤية إيمانية
؟ هل تمكنت بحكم تجاربك في الحياة من حلّ الغازها واكتشاف أسرارها؟
؟؟ لا، فكيف استطيع حلّ الغازها، وهل من انسان استطاع ذلك؟· لقد جاءت الفلسفة لتفسّر الحياة والوجود، وراح الانسان منذ وعيه يبحث عن نفسه وعن اليقين ولكنه ما وصل الى شيء، لأن الإيمان الذي في القلب هو الذي يصل ومن أراد ان يؤمن هكذا دون بحث، تماماً كما يؤمن البسطاء والرعاة· تسند ظهرك إلى الايمان وينتهي الأمر· اما من أراد التحليل المنطقي فلن يصل، لذلك لم يحلّ أحد ألغاز الحياة وحتى اسرارها فلا أحد يعرفها· وانما يوجد في الكون حقيقتان كبيرتان فقط، هما الولادة والموت وما بينهما انتظار الموت· ولكي نخفف ثقل انتظارنا نتعلم، نحارب، نتزوج، نعمل، نكتب ··· كل ذلك من أجل ملء تلك المسافة ولا علاقة بذلك بين المؤمن وغيره·
حائط الطمأنينة
؟ ذكرت في رسالتك للشاعر محمد الفيتوري عبارة تقول فيها :'أسند ظهرك الى حائط اليقين حائط الطمأنينة· أين هو هذا الحائط الذي يحتاجه الجميع؟
؟؟ هو في نفس كل انسان· فاليقين تصل اليه بالتأمل والحدس مثل الصوفيين والقديسين والأولياء الصالحين الذين يصلون اليه دون الاعتماد على المنطق، فحائط الطمأنينة هو ذاتك·
؟ ولماذا مسحة الحزن هذه بين فرحك؟
؟؟ الحزن والفرح في نقطة معينة في الحياة يلتقيان فيتساويان، وعندها لا يمكن التمييز بينهما·
؟ هل يمكن ان يتحقق المستحيل؟
؟؟ اذا تحقق لا يصبح مستحيلاً، لأنه يكون قد وقع في الحدوث وعندها يتخذ شكلاً وبداية ونهاية وبالتالي ما عاد مستحيلاً فالأجمل ان يبقى كما هو·
؟ هل سعيت في حياتك لخرقه وتحقيقه؟
؟؟ كل أعمالي التي قمت بها كنت اخترق فيها اشياء ليست مستحيلة ولكنها تتطلب جهداً شبيهاً بالمستحيل·
أصول الأشياء
؟ يقال ان الفلسفة هي البحث عن أصول الاشياء، الى أين اوصلتك الموسيقى؟
؟؟ الموسيقى تختلف عن الفلسفة، فالأولى اكثر تجريدية، هي نقل وليس كلمة، تأخذك الى متاهات كبيرة دون ان تشعر بل تتصور فقط وتذهب في سياحة معها لتلبسها جسماً· وأحياناً تخرّب الموسيقى حياة المجبول فيها واستمتاعه بها لأنه يعرف كل النوتات التي تمر امامه· فعند سماع قطعة موسيقية ما، أحتاج الى جهد كبير لأغمض عينيّ وأسمعها مثل أي انسان عادي، وهي ايضاً مادة ولكنّ مفعولها غير مادي توصلك الى أفق آخر ومختلف·
؟ هل هو الأصل؟
؟؟ ممكن ان يكون عالم الحقيقة·
؟ أيمكنني القول انك وصلت اليه؟
؟؟ انا أتكلم في المطلق وليس عني، فنحن لا نستطيع الحسّ دون الحواس وكل ما يصدر عن الآلات هو آلة· الصوت محسوس انما غايته توصلك الى ما هو أعلى بكثير من الاحساس·
؟ متى يكون الماضي فهماً للرؤى المستقبلية؟
؟؟ دائماً هو فهم للرؤى المستقبلية، فكل انسان عليه ان يفهم ماضيه أولاً قبل ان يقفز نحو المستقبل خصوصاً أهل الفكر والسياسة يجب ان يكونوا مدركين للتراث والشعب والارض لينطلقوا اليه فمن يحيا بلا ماض مجهول وليس له مستقبل؟·
المرض والإهمال
؟ أيهما يئن اكثر ألم المرض أم ألم الاهمال؟
؟؟ ألم المرض ينتهي، اما ألم الإهمال كأن تقع في طي النسيان وتصبح لا شيء بالنسبة للآخرين فهنا الأنين والجرح والعذاب أكبر بكثير·
؟ أتقصد احداً ما بكلمة الآخرين؟
؟؟ أقصد الناس بالعموم·
؟ هل ترى ان الدولة جديرة بهذا الوطن؟ وماذا تقول لها؟
؟؟ ان زعماء الدولة في الأصل ميليشيات استولوا على الحكم وما زالوا يحكمون بالعقلية الميليشيوية، ينهالون على بعضهم بالشتائم وينسون مصلحة الشعب· فمن منهم يفكر بالفقراء الذين ينامون دون أكل وخبز، مع الايضاح انه يوجد بينهم سياسيون جيدّون وواعدون بأعمال صالحة للبلد· ولكن بالصورة العامة هي دولة غير جديرة بالوطن ولو كانت كذلك لحسّنته، وعلى العموم 'فالج لا تعالج'· كأناس هم كلهم اصحابي وكلهم طيبون ولكنهم لا يصلحون حكاماً للوطن·
؟ ما هي أولى اهتماماتك اليوم؟ ومن هو آخر من تفكر فيه؟
؟؟ اولى اهتماماتي عملي، فأنا إما أن أقرأ وإما أن أكتب وإما أن أسمع موسيقى وإما أن أؤلف· وما لا أفكر فيه هو الحقد والبغض ومعاداة الناس· حتى لو التقيت بأناس حقودين أكون معهم عادياً· أتعتقد انه لم يكن لنا اعداء على مرّ كل تلك السنين ومع ذلك تعاملت معهم بصداقة وما عاديت احداً وما قطعت علاقتي بأي انسان؟·
؟ هل هذا تدريب لنفسك؟
؟؟ فيه شيء من التدريب ولكن لا ادري كيف درّبت نفسي على ذلك وعلى عدم الانفعال وإعطاء الاجوبة السريعة·
؟ هل يقلقك بياض الشعر بين سواده؟
؟؟ لا أبداً ما يزعجني هو سواد القلب·
شباب الرحابنة
؟ اذا اعتبرنا انك اليوم مدير المدرسة الرحبانية، فهل انت راضٍ عن اساتذتها؟
؟؟ الشباب الرحابنة جيدون، يخططون مستقبلهم برؤية ودقة وتنتج عنهم اعمال مهمة، وغدي يعمل في التأليف المسرحي والموسيقي، ومروان في الاخراج والتلحين ايضاً، والعمل الموسيقي الأخير 'جبران والنبي' الذي قام به أسامة غريب وجديد لذلك انا راضٍ عنهم·
؟ ألست الداعم لهم؟
؟؟ على صعيد العمل نتكلم من الند للند ينتقدونني وانتقدهم·
؟ ما هو الفكر المراد إظهاره في أعمال الرحابنة؟
؟؟ عند التفاعل مع عمل معين يناديك لتستغرق في التأليف وتنشأ عندك اشياء جديدة، في المسرح لا توجد كلمة أريد قولها او ممثل أريد توظيفه، ولكنني عندما أجلس للكتابة تبدأ المواقف تولد مع الاشخاص من خلال التعقيدات التي أراها في القصة فمسرحي لا يحمل كلمة المؤلف فقط بل كل شخص فيه حامل كلمته ايضاً·
؟ منصور الرحباني على من انتصرت في الحياة؟ والى من اوسعت رحابة صدرك؟
؟؟ أعظم شيء في الحياة هو الإنسان المنتصر على نفسه، اما صدري فهو رحب دائماً للجميع·

اقرأ أيضا