الاتحاد

دنيا

بيت المحترف اللبناني يلم شمل الحرف والحرفيين

بيروت - عماد ملاح:
دلّت كتابات أدبية عدة، على أن مكوناً رئيسياً للتراث الشعبي في الحكايات والاغاني والزجل والشعر والرقص يعود الى الموقع الحاسم الذي يمثله العمل الحرفي التقليدي، في شبكة العادات والتقاليد وفي انتاج الذاكرة الشعبية الجماعية· وعندما تزول احدى الحرف التقليدية في أي حقبة من الزمن، فان 'الثقافة' المرتبطة بها لا تلبث ان تتعرض الى الاضمحلال·
ويأخذ العمل الحرفي التقليدي أهمية متزايدة في بعده الثقافي في ابحاث ودراسات جامعية، وكذلك في المناهج التربوية والتعليمية الجديدة، كمادة للتنشئة وتنمية القدرات الابداعية للتلامذة، يضاف الى ذلك ان المخزون التراثي الكبير المتاح في لبنان، يوفر امكانات هائلة للاعمال الحرفية التقليدية، كي تنوع انتاجها لناحية التصاميم والاشكال والنماذج، وتوفر الحرف التقليدية في المقابل، الوسيلة الفعالة لإغناء هذا المخزون التراثي وحماية بقائه·
وشهد لبنان تراثاً غنياً ومتنوعاً من النشاط الحرفي في مختلف العهود، وكانت حرف عدة عرضة للانقراض، بينما صمدت أنواع أخرى في وجه التطورات الاقتصادية - الاجتماعية·
ولا بد من القول إن هناك 7199 حرفياً ومؤسسة حرفية في جميع الاقضية والمحافظات اللبنانية، وقد اختلف الامر حول واقع القطاع الحرفي في لبنان قبل العام 1997 بأبعاده الاقتصادية والاجتماعية والاقتصادية والتنظيمية، والاعداد المهني للحرفيين، وماهية المؤسسات الرسمية والاهلية والخاصة، عن مستوى سمات وخصائص المشاغل الحرفية واوضاع الحرفيين من جهة اخرى·
وتبلغ التقديرات حول عدد الحرفيين والمشاغل الحرفية التقليدية ما بين 1200-3000 شخص، اي ما يطاول نحو 15 بالمئة من المؤسسات الصغيرة في المسح الصناعي لعام 1996 ولا يتخطى العدد الـ1200 حرفي وفق تقدير مكتب العمل الدولي· وقد ارتكز تسويق المنتجات في الحرف التقليدية قبل الحرب على عدة نقاط بيع أبرزها بيت المحترف الذي كان على علاقة مستمرة مع حوالي 1200 حرفي يعرضون سلعهم بواسطته، غير ان الاحداث التي عصفت بلبنان بين 1975-،1995 عطلت امكانيات التسويق الواسع عبر هذه المؤسسة، واصبح الحرفي يعرض منتجاته على مقربة من مشغله او الطرق العامة وفي بعض المحال التجارية السياحية اضافة الى اعادة فتح بعض محال السوق الحرة في مطار بيروت·
ثم عمدت بعض الجمعيات الاهلية الى تنظيم معارض موسمية للحرف، واتسم العرض في السنوات التي اعقبت انتهاء الاحداث في اوائل التسعينات بخصائص محددة هي:
؟ تدنٍ في حجم الانتاج في معظم الحرف التقليدية، نتيجة اقفال العديد من المشاغل والمحترفات في معظم المناطق والبلدان وخاصة في الريف·
؟ ضعف في الانتاجية وتراجع ملحوظ في عدد من الحرف لجهة النوعية والجودة·
؟ غزو الاسواق الداخلية عبر منتجات حرفية اقل كلفة، مصدرها بعض الدول العربية المجاورة (سوريا، مصر، الاردن، اضافة الى تركيا)، وبعض دول آسيا (تايوان)· وتراجعت القدرة التنافسية للسلع اللبنانية مع ارتفاع أكلاف المواد الاولية المستوردة من سوريا وفرنسا وايطاليا ومصر واليابان والمانيا في ظل تدني سعر صرف الليرة اللبنانية تجاه العملات الاجنبية·
الا ان النمو في الطلب على السوق الداخلية ميزته، التفتيش عن طابع لبناني في السلع الحرفية، والاسعار المنافسة في بعض السلع مقارنة مع المستورد منها، وتفوق ملحوظ في الجودة في عدد من الحرف التقليدية وتنوع التصاميم المعروضة، واعتماد متنام على بعض المنتجات الحرفية في تقديم الهدايا، لا سيما من قبل الزوار اللبنانيين الى الخارج، واعادة الاعتبار الى الطابع اللبناني والشرقي في الزخرفة والديكور الداخليين·
غياب نقابي
ويفتقر القطاع الحرفي التقليدي لأي شكل من التنظيم المهني الخاص به، يرعى شؤون الحرفيين كإطار مؤسساتي مهني يتواصل مع الوزارات والسلطات من جهة، وكخطوة لا بديل عنها لتحقيق مكاسب اجتماعية واقتصادية· فقيام تنظيم مهني ونقابي على مستوى لبنان والمحافظات والفروع المهنية، يدفع قطاع الحرف التقليدية الى التصدي للتحديات المهنية والاقتصادية والاجتماعية بفعالية كبيرة·
من هذا المنطلق ومن اجل تنمية وتطوير الريف اللبناني، كانت هناك عناية خاصة للقطاع الحرفي نظراً لما ينطوي عليه من مرتكزات اجتماعية وثقافية واقتصادية منها تولدت فكرة استحداث مركز تسويق للانتاج الحرفي، فكان بيت المحترف اللبناني، وكان رقم الاعمال الذي حققه في حينه، دلالة أكيدة على انه منفذ لتسويق الانتاج الحرفي، اضافة الى مركز لبيع الانتاج الحرفي في صالات المنطقة الحرة في مطار بيروت الدولي·
حول المهن الحرفية والتقليدية، تحدثت المديرة المسؤولة عن بيت المحترف اللبناني مي الجرّ· وعن الهدف من استحداث مصلحة الانعاش الاجتماعي بيت المحترف، فقالت:
بيت المحترف اللبناني انشأته وزارة الشؤون الاجتماعية سنة ،1968 لمساعدة اهل الريف وتقديم الدعم لهم، والمحافظة على المهن الحرفية والتراثية، خوفاً من ضياع وانقراض المهارات، لاسيما بعد عمليات الهجرة الجماعية من الريف الى المدينة، على اساس ان الملاذ لهذه الحرف بات يكمن في العاصمة، وتسويق البضائع والترويج للمهارات الفردية لا بد ان يتطلب مؤسسة رائجة وجامعة لهذه الحرف· أما الهدف الثاني لبيت المحترف اللبناني فهو حاجة الريفيين الملحة له، لتطوير التراث كشكل و'موديل'، بدلاً من النمط السائد حالياً، حيث يتم بيع نتاج الحرفة التراثية من باب التجارة فقط، وليس من اجل الترويج ونشر المهارات اللبنانية عالمياً·
مميزات
؟ ما هي ميزة الحرف اللبنانية؟
؟؟ النتاج الحرفي اللبناني يتميز عن غيره في المهارات الفردية، وفي جودة العمل وتقنيته اليدوية الاصلية، مثل: الزجاج المنفوخ، الفخار على انواعه، النسيج والحرير من دودة القز، الحياكة اليدوية، النحت المزخرف، العباءات التراثية، التطريز وأخيراً اشغال الجزينيات (جزين)·
؟ ما هي نوعية الزبائن، وكيف تتم آلية تسعير النتاج الحرفي؟
؟؟ اهم الزبائن لدينا هم من الامم المتحدة والعاملين في قوات الطوارئ الدولية، وطبعاً هناك ايضاً ضيوف الدولة اللبنانية والرؤساء العرب والاجانب الذين يزورون لبنان رسمياً· بالنسبة للاسعار، هناك لجنة خاصة من قبل الاخصائيين تدرس المؤشرات والمعطيات المتعلقة بكل سلعة وحرفة لوضع الاسعار المناسبة بشكل مقبول لدى الجميع، لانه كما تعلم هناك متطلبات ومصاريف باهظة، مثل اجور الموظفين في بيت المحترف اللبناني والكهرباء والتلفون وبدلات الصيانة والتنظيف، عدا ان الدولة تقتطع 25 بالمئة كأرباح عن نتاج السلع والبضائع· وحالياً يتم وضع خطة مفصلة من اجل الوصول الى آلية التمويل الذاتي·
جذب سياحي
؟ ما هي الحرف التي تجذب السائح، واي مواسم تزدهر فيها عملية البيع والشراء؟
؟؟ أكثر الطلبات تتعلق بالعباءات والزجاج المزخرف والنحاسيات حسب المواسم، ونشهد بعض الزحمة خلال شهر رمضان المبارك والأعياد·
؟ هل أثرت التطورات الأليمة التي شهدها لبنان في السنة الماضية على القطاع الحرفي؟
؟؟ سنة 2005 كانت سيئة جداً نتيجة للمآسي التي حلت بلبنان والمنطقة ولقد اصيب هذا القطاع بركود وشلل مثل غيره من المؤسسات الحيوية، اضافة الى خسائر مادية ضخمة وعجز في الايرادات·
؟ في أي حقبة شهد هذا القطاع انطلاقته الذهبية؟
؟؟ اهم فترة كانت قبل سنة الـ،1975 والسبب ان لبنان كان مقصداً للزوار والسياح العرب والاجانب، ولم يكن لدينا هذا العدد من محلات 'الارتيزانا' والمؤسسات التي تتعاطى ترويج الحرف القديمة·
؟ هل من شروط ومواصفات معينة مطلوبة يجب ان تتوافر في العامل الحرفي؟
؟؟ اولاً، يجب ان يكون لبنانياً ويعمل بنفسه ويتمتع بخبرة ومعرفة، ولا مكان للوسيط بيننا، ونأخذ دائماً بعين الاعتبار تسهيل العلاقة وتوطيدها مع الجمعيات والمؤسسات الخيرية التابعة لوزارة الشؤون الاجتماعية من أجل قبول العمال أصحاب الحرف والمهارات للعمل لدينا·
؟ كم يبلغ عدد الحرف في لبنان؟
؟؟ بالنسبة الى العدد فهو يفوق الالف حرفة، الا ان المهن الاصلية لا تتعدى الـ50 حرفة، خصوصاً تلك المتعلقة بالعمل اليدوي فقط·
مشاكل وهموم
؟ كيف يتم حل العقد والمشاكل التي تواجه العامل الحرفي؟
؟؟ لا بد من مواجهة هذه المشاكل والعراقيل، واولها الاستمرار في مواصلة تدريب الحرفيين وتنمية قدراتهم ومواهبهم للارتقاء بالعمل اليدوي الفريد من نوعه الى حالة تمكننا من مواجهة مواسم الكساد والبطالة والشح المالي·
؟ كيف تقيمون علاقتكم مع مؤسسات الخارج؟
؟؟ نقوم بمبادرات قدر المستطاع من اجل اقامة معارض خارجية، وذلك بالتنسيق مع وزارة السياحة اللبنانية التي تساعدنا في هذا المجال وتسهل الاتصالات والتعاون، عدا عملية شحن البضائع والنتاجات الحرفية على نفقة الدولة· وكان معرض جدة في المملكة العربية السعودية من انجح المعارض التي اقيمت، وقد نال اعجاب الاميرة عادلة كريمة الملك عبدالله·
عدا ذلك افتتحنا معارض اخرى في اليابان وبون وابوظبي والبحرين وايطاليا وميلانو ونالت استحسان الحضور واعجابهم بالحرفيات اللبنانية·
؟ ··· وعلى الصعيد الداخلي؟
؟؟ ساهمنا مساهمة فاعلة كحرفيين في معظم المناسبات والنشاطات التي اقيمت خصوصاً في معارض الاشغال اليدوية والحرفية مثل 'سوق البرغوت' الذي يقام كل سنة، وفائدته ان روح الحرف تنشط في هذا السوق حيث يتم الاستفادة من الخبرات والمواهب والتقنية الرائدة لانعاش المهن 'العتيقة'، ان كان هذا على صعيد الاحتكاك المباشر بينهم، او على صعيد تبادل المعلومات وآخر الابتكارات المتطورة·

اقرأ أيضا