الاتحاد

ثقافة

الانتحار.. عندما تستحيل الحياة

الشنق من أكثر وسائل الانتحار الشائعة

الشنق من أكثر وسائل الانتحار الشائعة

يثير موضوع الانتحار إشكاليات أخلاقية ومجتمعية عديدة.. ولطالما كان موضوعة بحث فلسفي متصل نجمت عنه الكثير من الآراء الفلسفية التي أثيرت حول فلسفة الانتحار، وماهية الانتحار، وهل بالإمكان أن ينتحر الشخص لمجرد تفكيره بذلك؟ أي أن يكون الانتحار اختيارياً عقلانياً، هنا، نتوقف عند هذه الآراء ولنرى مدى جواز الانتحار من الناحية الأخلاقية، خصوصاً أن هناك آراء كانت تجادل حول ما إذا كان يمكن أن يكون الانتحار مقبولاً من الناحية الأخلاقية ولنعكس، أيضاً، الرؤية المضادة والتي تذهب إلى رؤية الانتحار باعتباره غير أخلاقي، وتلك التي تزعم أن الانتحار (حق مقدس) لأي شخص (حتى الشاب الصحيح) الذي يقرر في لحظة ما وهو بكامل قواه العقلية أن ينهي حياته.

إذا تأملنا قليلاً في معنى هذا الفعل وهو الانتحار، أو لنقل الفعل الذي يتسبب به الشخص عمداً في موت نفسه، سنجد أنه يرتبط دائماً بشعور الإنسان باليأس. واليأس هو دلالة واضحة على وجود اضطراب نفسي يتمثل بصور عدة مثل (الاكتئاب أو الهوس الاكتئابي أو الفصام أو إدمان الكحول أو تعاطي المخدرات،) رغم أن هذه الاضطرابات ليس بالضرورة أن تؤدي إلى الانتحار أو السبب الرئيسي في اقتراف هذه الفعلة المشينة، والجدير بالذكر هنا أن هناك عوامل أيضاً تؤدي إلى ارتكاب هذه الجريمة، أو ربما تلعب دوراً جوهرياً وبارزاً على المستوى الاجتماعي، مثل الصعوبات المالية، والأخطر من ذلك تلك التي تندرج في أطر العلاقات الشخصية مهما كان حجم أو مدى هذه العلاقة، لكن الذي يثيرني في الأمر أن تلك العلاقة الاجتماعية لا تغتفر بالفوارق السنية، أي لا نستطيع أن نفرق بين الفعل الذي أقدم عليه مراهق أو شخص راشد، لأن الأمر سيان والفعل قد وقع، وثمة جريمة قد حدثت.

أرقام دالّة
وتختلف طرق الانتحار حسب البلد والثقافة، كما ترتبط جزئياً بمدى توافر الوسائل. وتشمل الطرق الشائعة ما يلي: الشنق والتسمم بوساطة المبيدات الحشرية والأسلحة النارية. هناك ما بين 800 ألف إلى مليون شخص تقريباً يموتون كل عام عن طريق الانتحار، مما يجعله عاشر الأسباب الرئيسة للوفاة في العالم. المعدلات أعلى في الرجال عنها في النساء، حيث إن الذكور أكثر عرضة لقتل أنفسهم من الإناث بمقدار 3-4 مرات. هناك ما يقدر بنحو من 10 إلى 20 مليون محاولة انتحار فاشلة كل عام. وهذه المحاولات أكثر شيوعاً بين الشباب والإناث.
وقد تأثرت وتباينت وجهات النظر حول الانتحار بالموضوعات الوجودية العامة مثل الدين والشرف ومعنى الحياة. وتعتبر الديانات السماوية (الإسلام، المسيحية، اليهودية) أن الانتحار معصية لله ويرجع ذلك إلى الإيمان بقدسية الحياة. وخلال عهد الساموراي في اليابان، كانت طقوس (السيبوكو) تعتبر وسيلة محترمة للتكفير عن الفشل أو تعتبر كشكل من أشكال الاحتجاج.
وكانت عادة (الستي)، وهي ممارسة جنائزية هندية يجرمها القانون الآن، تستلزم أن تقوم الأرملة بالتضحية بنفسها في المحرقة الجنائزية لزوجها، سواءً برغبة أو تحت ضغط من الأسرة والمجتمع.
كانت محاولة الانتحار أو الانتحار جريمة يُعاقَب عليها جنائياً في السابق، إلا أنها لم تعد كذلك في معظم البلدان الغربية. وفي المقابل، فهي لا تزال تمثل جريمة جنائية في معظم البلدان الإسلامية. في القرنين العشرين والحادي والعشرين، استُخدم الانتحار في شكل التضحية بالنفس كوسيلة للاعتراض واستُخدمت الهجمات والتفجيرات الانتحارية كتكتيك عسكري أو إرهابي.

وعبر العصور القديمة كانت جريمة الانتحار، جريمة مشينة لا تغتفر ولا يعطى الشخص المنتحر قيمة إنسانية أو أدبية، بل كان يجرد من أبسط الحقوق الأخلاقية والتي ينبغي لشخص ميت أن يحظى بها على أقل التقدير، لنلقي نظرة سريعة حول الأقاليم والأسطورة والتاريخ وكيف تعاملت تلك الشعوب مع هذه الفعلة:
في أثينا القديمة، كان الشخص الذي ينتحر دون موافقة الدولة يُحرم من التكريم المتمثل في الدفن العادي. وكان هذا الشخص يُدفن وحده، على أطراف المدينة، دون شاهد قبر أو علامة.
وفي اليونان القديمة وروما، كان الانتحار يعتبر وسيلة مقبولة للتعامل مع الهزيمة العسكرية. وفي روما القديمة، بينما كان الانتحار مسموحاً به في البداية، فإنه لاحقاً اعتُبِر جريمة ضد الدولة بسبب التكاليف الاقتصادية المترتبة عليه. كما أصدر لويس الرابع عشر ملك فرنسا مرسوماً جنائياً في عام 1670، حيث فرض عقاباً أشد كثيراً على هذه الجريمة: كان جسم الشخص المتوفى يُطاف به خلال الشوارع، ووجهه لأسفل، ثم يُشنق أو يُلقى به على كومة القمامة. وبالإضافة إلى ذلك، كانت تتم مصادرة جميع ممتلكات هذا الشخص.
وعلى مر التاريخ في الكنيسة المسيحية، كان الأشخاص الذين يحاولون الانتحار يحرمون كنسياً، أما أولئك الذين ماتوا بسبب الانتحار فكانوا يدفنون خارج المقابر المقدسة. وفي أواخر القرن التاسع عشر في بريطانيا العظمى، اعتُبِرت محاولة الانتحار مساوية لمحاولة القتل، ويمكن أن يُعاقب عليها بالشنق. أما في أوروبا في القرن التاسع عشر، فقد انتقل فعل الانتحار من اعتباره نتيجة للخطيئة إلى اعتباره نتيجة للجنون.

الانتحار بوصفه احتجاجاً
تعود بي الذاكرة إلى مرحلة الطفولة وكأني أرى (عبيد المحترق) - وهذه التسمية اقترنت به لاحقاً- في فريجنا القديم وهو يجول بين الناس غير مكترث بجسده وبالتشوهات التي لحقت وجهه.. ولم يكن عبيد المحترق إلا شاباً بكامل عنفوانه وشبابه، كنت أتسأل بين نفسي ترى ما الذي لحق به؟! هل هو نتيجة حريق بفعل قاهر أم أنه احترق بطريقة غير مقصودة نتيجة للأخطاء أو الإصابات التي تحدث أثناء العمل؟ لكنني فوجئت حين سرد لي صديق الطفولة، حكايته الخرافية، قائلاً إن عبيد المحترق ليس سوى صبي أحرقه العشق.
كان عبيد أحد التلاميذ الذين التحقوا بالكتاتيب، حيث كان المجتمع بسيطاً ولم تكن توجد مدارس نظامية، وفي تلك المرحلة لنقل إن غصن القلب يميل لأبسط نسمة هواء، لذا فقد تعلق قلبه بفتاة تصغره سناً تدعى (نجلاء).. لم يكن الأمر في الحقيقة سوى مجرد إعجاب أو عفوية في التعامل. لكن المجتمع، في تلك الحقبة لم يكن يسمح لك أن تخرج عن الدرب، درب الاستقامة والأخلاق والتربية، ولو بسنتمتر مجازاً، حملت الشهامة عبيد على أن ينخرط في عمل حكومي، ويحاول أن يكون نفسه اجتماعياً فيما قلبه يخفق لمحبوبته (نجلاء)، وحين استقر به الحال، توجه فوراً لخطبة محبوبته بعد عناء شديد ومكابدة ما بعدها مكابدة، لكن التقاليد والأعراف حالت دون إتمام تلك الفرحة، وانصدم عبيد المحترق لأن أسرة الفتاة رفضته دون أدنى شعور بمشاعره أو احترام لآدميته، ودون أدنى اكتراث بهذا الحب الذي كان يرى أنه (مقدس) ومغلف بطهرانية الصبا، لأن الحب والهيام ما هما إلا نيران تشتعل في دواخلنا، وأن يصاب العاشق بانفصام أو يهذي ويهيم في الشوارع والبراري ما هو إلا نتيجة لتلك النيران المشتعلة في دواخله، لكن عبيد المحترق لم يقف عند حد الشعور الداخلي بهذه النيران، بل أراد أن يترجم ذلك إلى صورة أو مشهد حقيقي يرى ويلمس.. لم يتردد حين سكب على ثيابه كمية من النفط وأشعل بنفسه أمام منزل محبوبته (نجلاء) كي يمرر تلك النيران الداخلية إلى من لا يرى أو يشعر بمعاناة الآخرين.. لذا أصبح (عبيد المحترق) نموذجاً للشخص الضحية، وكانت حكايته تروى في مجتمعنا الضيق، بل وأصبح رمزاً للوفاء والحب والتضحية.
الغريب، أن تلك الطريقة في الاحتجاج لا تقتصر على البشر، بل تمتد إلى بقية الحيوانات والطيور والكائنات الأخرى.. أذكر أنني قرأت خبراً يفيد أن مزارعاً صينياً أقدم على هدم أعشاش لطيرين كانا يبنيانها على منزل المزارع أو في مكان لم يرق له، وتكررت تلك الفعلة أي بناء والهدم فما كان من الطيرين، وأمام مرأى ومسمع الفلاح، إلا أن حلقا بعيداً عنه، ثم رجعا فجأة بكل قوتهما في الطيران ليرتطما بسقف المنزل، وينتحرا احتجاجاً على ما اقترفه المزارع بحقهما...

اقرأ أيضا

بثينة القبيسي: أعتبر الكتابة واجبي الوطني