الاتحاد

دنيا

اكتشافات على طريق غير حريرية

د· رسول محمَّد رسول:
عبر التاريخ غالباً ما احتاز الرجال عالم الرحلة، وصاروا رحالة بامتياز ذكوري، أما أنْ تجرِّب امرأة الرحلة فذاك أمر لافت، خصوصاً وأن المكان الذي قصدته الرحلة يبدو قليل الاهتمام به في أدبيات الرحلة المعروفة للقارئ العربي· هذا ما جرَّبته الباحثة السودانية المخضرمة خديجة صفوت، في كتابها 'رحلة فتاة سودانية إلى الصين عام ،'1966 الذي صدر مؤخراً عن دار السويدي للنشر والتوزيع في أبوظبي، ضمن سلسة جديدة شرعت بإصدارها الدار تحت عنوان: (رحّالات شرقيات)·
تقيم الباحثة، ومنذ زمن طويل، في أكسفورد، وتعد واحدة من أبرز الباحثات في حقل الاقتصاد السياسي والتنمية والقضايا النسوية، وهي أستاذة جامعية عتيدة عُنيت لسنوات طويلة بمبادئ نظريات التنمية، ولها في هذا المضمار العديد من إصدارات باللغة الإنجليزية والعربية والبرتغالية والفرنسية، ومن أعمالها اللافتة للاهتمام بالعربية كتابها 'الإسلام السياسي ورأس المال الهارب'، المنشور سنة ·1995 وما تجدر الإشارة إليه هنا أن اهتمام خديجة بأدب الرحلة والكتابة فيها إنما يعود إلى أواسط الستينيات، فوضعت ونشرت كتابين: الأول عن رحلة لها إلى الصين، ونشرت طبعته الأولى في أواسط الستينيات تحت عنوان 'أفراح آسيا' الذي كان ثمرة رحلتها إلى الصين· والثاني تحت عنوان 'ستار الصمت' حول أفريقيا البرتغالية، أي: غينيا، وبيساو، وموزنبيق، وزيمبابوي· وغيرها من المؤلفات ذات الاهتمام الأنثروبولوجي·
في الورقة الأولى من أوراق نص هذه الرحلة، كتبت خديجة صفوت قائلة: كانت فكرة خروج أول وفد نسائي سوداني إلى الصين عام 1966 أمراً أحاطهُ الكثير من عدم الرضا، والتخوُّف إنْ لم يكن الاستنكار، إلا أنه حدثٌ فك عقال عشر فتيات سودانيات في وفد نسائي إلى الصين الشعبية، وكوني إحدى عضوات الوفد كان حظاً كبيراً بل فرصة العمر أن أكون معه!
الرحلة إذن بدأت قبل ثلاثة عقود بالتمام، وهي رحلة تكتسب أهميتها أن مكانها يمثل نقطة بعيدة جداً عن الشرق الأوسط عامة وعن السودان خاصة، ذاك البلد الأفريقي المجهول للصينيين· وليست الرحلة من السودان إلى الصين بالأمر الهين فالمسافة هي أبعد مما يُتصور؛ ولذلك تطلب الأمر المرور بمطار بيروت، بل والمكوث بهذه العاصمة الجميلة لأيام، ومن ثم الانتقال إلى المكان المقصود، ولهذا كتبت خديجة عن بيروت واصفة أماكنها وعاداتها وناسها وطبيعتها الجميلة فضلاً عن مناخاتها والزراعة المثمرة فيها، بل وسجّلت بعض أغانيها الشعبية، ومن ذلك ما كانت تغنيه إحدى الفلاحات اللبنانيات وهي تعمل في حقلها قائلة: 'ليش بس تشوف عيني بيرتعش قلبك؟ قلتُ لكَ: بحبَّك مثل خيِّ، غير هيك ما بحبَّك يا خيِّ!' وقارنت بين نمطي الحياة في لبنان البيروتي ولبنان الجنوبي، وألقت شيئاً من الأضواء على قرية الدامور، ومن ثم قرية بيت الدين·
كانت أيام خديجة قليلة في بيروت؛ فبعد أربعة أيام حلَّقت الطائرة بها في رحلة استغرقت ثماني ساعات إلى كراتشي، وكراتشي بلد ناشئ حينها ليس في مبانيه عراقة من أي نوع اللهم إلاّ بعض مظاهر من قطع الفن الهندي· ومن كراتشي إلى كلكتا ثم إلى رانجون، وبالتالي إلى هونج كونج التي تصدت لوصف الحياة فيها في كثير من التفاصيل؛ فهي مدينة مستعمرة وغنية وكبيرة ومزدحمة تزخر بمظاهر الذوق الانجليزي، ولولا عراقة الفن الصيني لطغى على ما عداه، فخمة المباني ومزدحمة حدَّ الضجر، والناس فيها بطبقتين؛ فإما غني مبذر وإما فقير حد الجوع·
الجنوب الصيني
وصلت خديجة وزميلاتها إلى مدينة (يوو) التي تعتبر مدخلاً إلى جمهورية الصين الشعبية، وكان في استقبالهن وفد نسوي من الاتحاد الديمقراطي لجمهورية الصين، ومن هناك بدأت الرحلة عبر الريف الصيني الرائع والغني بكل ألوان النباتات والزرع، فالجنوب الصين ينتج الأخشاب من غابات الجبال، والقمح والأرز على السفوح وفي الوديان الخصبة ذات الري الطبيعي غالباً·
استغرقت الرحلة نحو بكين العاصمة أربعة أيام بالقطار شمالاً بالمرور على كل مدن الجنوب الصيني، وأخذت خديجة وهي تصف تلك المساحات الجنوبية الشاسعة التي مرت عليها تجارب إصلاحية قادها الإصلاحي الدكتور (صن) زعيم رابطة الثوريين الصينية والتي تم الإعلان بزعامته عن أول جمهورية شعبية بعد جمهورية الستيج في العاشر من أكتوبر عام ·1911 وبعد عام تنازل آخر أباطرة الصين عن الحكم، وكان الجنوب قد أعلن دستوراً مؤقتاً للجمهورية الجنوبية·
وفي ضوء ذلك، تحدثت خديجة صفوت عن كانتونات عاصمة الجنوب الصيني، وعن حرب الأفيون بين عامي 1840 و ،1842 وعن التحولات من الإقطاعيات إلى الكميونات، وعن طبقات هذا المجتمع كالإقطاعيين والملاك الأغنياء والفلاحين المتوسطين والفلاحين الفقراء والأُجراء· وتتوغَّل في طبيعة المجتمعات هناك من حيث البنية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، لكنها كانت تركز كثيرا على البعد الاقتصادي في المجتمع حتى أنها أوردت الكثير من الأرقام لتدلل على تطور الحراك الاقتصادي في الجنوب الصيني في ضوء الرؤية الاشتراكية التي كرسها الزعيم الصيني ماوتسي تونج، وتحدثت عن مدينة (ووهان) التي تعتبر مركزاً ثقافياً وتعليمياً إذ فيها أكاديميات للتمثيل المسرحي، والمسرح فن عريق في الصين، كما أنها أيضاَ مسقط رأس الكثير من المجاهدات اللواتي ساهمن في قيادة الثورة بالبلاد، وتحدثت عن مدينة (كانج كاو) التي وصفتها المؤلفة بأنها (شيكاغو الصين)· وعلى ضفاف (نهر اليانجس)، وهذا النهرُ هو رابع أطول نهر في العالم، يشرع الصينيون في بناء كوبري ضخم يسمى (كوبري اليانجس)·
بكين وشنغهاي
إلى بكين التي وصل إليها الوفد النسوي في الخامس عشر من سبتمبر ،1966 وبكين كمدينة كانت قد أنشت قبل ألف عام قبل الميلاد، وأخذت المؤلفة تقدم معلومات عن الصين الجديدة بعد ثورة في عام 1949 التي انتهى بسببها عهد الظلم والظلام وبدأت مرحلة جديدة في حياة الشعب الصيني في ظل جمهورية الصين الشعبية· وراحت تصف جملة من صور الحياة فيها، كأنظمة ومدارس التعليم فيها، ومعهد الأقليات القومية، وجامعة بكين، وصور عن الحياة الصحية في تلك العاصمة· ومن ثم الذهاب إلى مدن الشمال مثل مدينة (آن شان)، وهي مدينة الصناعات الثقيلة في الصين، ومن ثم إلى مدينة (فوشن)، وهي ثاني مدن (ليوننج)، ومن أكبر مدن الفحم ثم البترول في الصين· أما شنغهاي فهي مركز صناعي هام، فهنالك نحو 26 ألف مصنع، وفيها نحو 203 ألف مخرن للمواد الأولية والمصنعة، تقع تلك المدينة على فم نهر اليانجشي، ويقطنها نحو سبعة ملايين شخص نصفهم من النساء·
ومن جهة تحدَّثت المؤلفة عن التحولات السياسية التي جرت في الصين، مرحلة الاستعمار ومرحلة الاستعمار الياباني، وبالتالي ألقت الأضواء على الجوانب والأنشطة الفنية في الصين مثل نشاطات دار الأوبرا والمسارح هناك، وتطرقت إلى الآداب والمعابد في المدن الصينية·
في ختام الرحلة، قالت خديجة: كانت مشقَّة بقدر ما كانت معرفتنا بالصينيين سعادة وصفاء·

اقرأ أيضا