الاتحاد

دنيا

وداعاً لمتاعب الجيوب الأنفية

صلاح الحفناوي:
سنوات من المعاناة والألم عاشها مع التهابات الجيوب الأنفية، صداع لا يحتمل، تراجع شديد في حاسة الشم، انسداد دائم في الأنف لا يستجيب للعلاج بالقطرات الشائعة··· عاش تجربة التردد على عيادات الأطباء والخضوع لفحوصاتهم وعلاجاتهم عشرات المرات دون جدوى، استخدم أدوية الكثير منها لا يخلو من خطورة وخضع مرات ومرات إلى الحقن بالكورتيزون داخل الأنف· كل هذه المعاناة انتهت خلال دقائق في غرفة العمليات، أعقبتها نقاهة قصيرة لم تتجاوز الساعتين غادر بعدها المستشفى إلى بيته وكأن شيئا لم يحدث·
الصداع اختفى، انسداد الأنف زال تماما والكوابيس التي كانت تطارده طوال الليل تلاشت، كل الأعراض المؤلمة تراجعت والاهم من ذلك أنه عاد إلى عمله بعد 24 ساعة من الجراحة··· هل هذا معقول؟·
المناظير الضوئية أو مناظير الأنف والجيوب الأنفية جعلت هذه الصورة معقولة جدا، أحدثت تطورا مذهلا وثوريا في علاج أمراض الأنف والجيوب الأنفية، بدون مضاعفات، بدون إقامة في المستشفى، بدون ألم بعد العلاج··· تدخل علاجي غير جراحي، لا تستخدم فيه مشارط ولا يحتاج إلى غرز، تدخل تحت مخدر موضعي أو كلي، ينهي معاناة صعبة وأعراضا مؤلمة·· حول هذه التقنية العلاجية المتطورة حاورنا الأستاذ الدكتور يوسف الحفني استشاري ورئيس قسم الأنف والأذن والحنجرة وجراحة الوجه والفكين في مستشفى المفرق ورئيس وحدة المناظير الضوئية بالمستشفى ورائد هذا التخصص في الإمارات·
وظائف وصفات
يقول الأستاذ الدكتور يوسف الحفني: قبل التطرق إلى تفاصيل التطور المذهل في تقنيات التشخيص والعلاج بالمناظير سوف نتوقف قليلا مع بعض الحقائق المهمة حول الجيوب الأنفية وأهميتها الوظيفية والصفات التشريحية داخل الأنف·
الجيوب الأنفية هي تجاويف هوائية تتكون في عظام الجمجمة للجنين داخل الرحم، ويزداد حجمها مع نمو الجنين وكذلك بعد الولادة، ما عدا الجيوب الأنفية الجبهية التي تتكون بعد الولادة· وهذه التجاويف تتصل بالتجويف الأنفي عن طريق فتحات طبيعية، وهي مبطنة بغشاء مخاطي يعتبر امتدادا للغشاء المخاطي المبطن للأنف· وهذه الفتحات ضرورية لتهوية الجيوب الأنفية ومرور افرازاتها إلى تجويف الأنف، ولذلك فإن انسداد هذه الفتحات يؤدي إلى التهاب الجيوب المسدودة·
وللجيوب الأنفية وظائف عديدة شديدة الأهمية نذكر منها تخفيف وزن الجمجمة، زيادة مساحة الغشاء المخاطي للأنف وبالتالي المساعدة في ترطيب وتدفئة الهواء قبل مروره إلى الرئتين، زيادة نسبة افرازات الغشاء المخاطي التي تساعد على اصطياد الميكروبات والأجسام الغريبة العالقة في الهواء أثناء عملية التنفس وانزلاقها مع الطبقة المخاطية من الأنف عبر المريء إلى المعدة حيث يتم القضاء عليها· ومن وظائفها أيضا إكساب الصوت الرنين المميز·
التجويف الهرمي
أما التجويف الأنفي فهو عبارة عن تجويف هرمي الشكل يقسمه الحاجز الأنفي إلى نصفين، وكل نصف يحتوي على زوائد طبيعية تسمى الحواجز المستعرضة وعددها ثلاثة، وهي هامة وضرورية جدا لكي يؤدي الأنف وظيفته الفسيولوجية على أكمل وجه· ويبطن التجويف الأنفي والجيوب الأنفية غشاء مخاطي مكون من خلايا تحمل كل منها أهدابا يتراوح عددها بين 50 إلى 300 هدب، طول كل واحد منها يتراوح بين 6 إلى 8 ميكرو، وهذه الأهداب تتحرك في ضربات متوالية من الأمام إلى الخلف بسرعة 15 ضربة في الثانية لتدفع الطبقة المخاطية بما تحمل من أجسام غريبة وبكتريا ضارة من الأنف إلى المعدة· حيث يفرز الغشاء المخاطي للأنف من 450 إلى 900 سم مكعب يوميا، ويمر 30 لترا من الهواء عبر الأنف كل دقيقة واحدة·
وتعتبر التهابات الجيوب الأنفية والتهابات الأنف من أكثر أمراض الأذن والأنف والحنجرة شيوعا وأكثرها إزعاجا للمرضى، وهو ما يضاعف من أهمية تطوير تقنيات علاج الجيوب الأنفية باستخدام المناظير حيث يتيح فرص العلاج غير الجراحي الآمن والفعال أمام ملايين المرضى في شتى بقاع الأرض·
أمراض وأعراض
يضيف الدكتور الحفني: مريض التهاب الجيوب الأنفية يشكو من بعض أو كل قائمة كبيرة من الأعراض المؤلمة ومنها الصداع الذي تختلف درجته ومكانه حسب موقع الجيب الأنفي المصاب، وبشكل عام فإن معظم مرضى الجيوب الأنفية يشكون من صداع حاد ومتكرر· ومن الأعراض أيضا انسداد الأنف وكثرة الافرازات خلف الأنفية وحساسية الأنف وفقدان حاسة الشم والكثير من الأعراض المؤلمة الأخرى·
تطور مذهل
في العام 1991 شهد مستشفى المفرق بأبوظبي بدء تطبيق تقنيات علاج مشاكل الجيوب الأنفية بالمناظير الضوئية لأول مرة بالإمارات عندما اشرف الدكتور يوسف الحفني على أول وحدة متخصصة في التشخيص والعلاج باستخدام مناظير الأنف· ويؤكد الدكتور يوسف الحفني أن المناظير أحدثت تطورا مذهلا في جراحات الأنف والجيوب الأنفية، فقد حولت جراحات صعبة وخطرة ومؤلمة إلى جراحات بسيطة وآمنة وخالية من الألم والمضاعفات، بل وساعدت على الوصول إلى مناطق تشريحية داخل التجويف الأنفي كان من المستحيل في السابق الوصول إليها بالجراحات التقليدية·
وجراحة الأنف والجيوب الأنفية بالمناظير الضوئية هي جراحة دقيقة تتم بواسطة منظار ضوئي عن طريق الأنف حيث يتاح للجراح الفرصة للوصول إلى الأماكن الدقيقة داخل الأنف وكذلك الفتحات الطبيعية للجيوب الأنفية والتي يستحيل الوصول إليها بالطرق التقليدية وكذلك الوصول إلى قاع الجمجمة لاستئصال أي ورم، وأيضا اكتشاف أماكن تسرب السائل النخاعي من قاع الجمجمة وعلاجه حيث أن المنظار الضوئي يوفر عاملين هامين، الأول هو الإضاءة القوية، والثاني قوة تكبيرية هائلة داخل الأنف مما يتيح للجراح الوصول إلى الأماكن المعقدة تشريحيا لإجراء جراحات دقيقة وهي الأماكن التي يستحيل الوصول إليها بالطرق التقليدية·
تطبيقات عديدة
وقد تطورت المناظير الأنفية بشكل كبير جدا خلال السنوات القليلة الماضية وتطورت معها كل الأدوات الجراحية المساعدة ما جعل عمليات المناظير أكثر فاعلية وأكثر أمانا إذا توفرت في الطبيب المعالج الخبرة العلمية والعملية الكافية والتي تؤهله لممارسة العلاج التنظيري الأنفي· يقول الدكتور يوسف الحفني إن المناظير الضوئية الأنفية أصبحت تستخدم في الكثير من التطبيقات العلاجية الصعبة ومنها على سبيل المثال فحص التجويف الأنفي والجيوب الأنفية لتشخيص وجود الالتهابات واللحمية وأسباب انسداد الفتحات الطبيعية للجيوب الأنفية ومن ثم علاجها، وتقييم حالة الحواجز الأنفية المستعرضة ومعالجة حالات تضخمها وتحديد أماكن انحراف الحاجز الأنفي ومدى تضيق الصمامات الأنفية·
ومن استخداماتها المهمة كذلك التشخيص المبكر لوجود أورام واستئصالها أو اخذ عينة منها وتشخيص وإزالة الأجسام الغريبة بالأنف والجيوب الأنفية، ومعالجة انسداد القنوات الدمعية بواسطة المنظار وإزالة الالتهابات الفطرية بالأنف والجيوب الأنفية، والكشف على قاع الجمجمة لتحديد ومعالجة حالات تسرب السائل النخاعي وهذا لا يتم بالطرق التقليدية، والكشف على التجويف الخلف أنفي للتشخيص المبكر لوجود أي أورام وأخذ عينة منها·
ولا تقتصر استخدامات المناظير على علاج مشاكل الأنف والجيوب الأنفية المباشرة بل تمتد إلى استخدامات أخرى كثيرة ومنها على سبيل المثال استعمال المنظار الأنفي في توصيل العلاج الإشعاعي لعلاج سرطان التجويف الخلف انفي، وتستخدم هذه التقنية الحديثة بمستشفى المفرق منذ سنوات بالتعاون مع قسم الأورام بالمستشفى، ولا يمكن استخدام الطرق التقليدية في هذا النوع من العلاج· كما تستخدم في الكشف على فتحة قناة استاكيوس في التجويف الخلف أنفي ومن ثم المساعدة على تشخيص الكثير من مشاكل الأذن الوسطى، كما تستعمل في استئصال لحمية الأطفال من التجويف الأنفي الخلفي··· والكثير جدا من التطبيقات الأخرى حتى انه يمكن القول بأن المناظير الضوئية غيرت معالم الجراحات الأنفية بشكل كامل ونقلتها إلى مرحلة جديدة شديدة التطور·
وعلى سبيل المثال فقد ساد اعتقاد في السابق بعدم جدوى العلاج الجراحي لالتهابات ومشاكل الجيوب الأنفية بسبب تواجد الفتحات الطبيعية للجيوب الأنفية في الأجزاء العلوية والخلفية من التجويف الأنفي مما يجعل الوصول إليها بالطرق التقليدية أمرا شديد الصعوبة وفي بعض الحالات أمرا مستحيلا، وبما أن علاج الالتهاب المزمن في الجيوب الأنفية يكمن في الوصول إلى الفتحات، فقد كانت محاولات العلاج بالطرق التقليدية غير مجدية عمليا وكان على المرضى تحمل المعاناة لسنوات طويلة دون الوصول إلى علاج حاسم في الغالب· وببدء استخدام المناظير تمكن الجراحون من الوصول إلى جميع الأجزاء المعقدة تشريحيا وبالتالي الوصول إلى الفتحات الطبيعية للجيوب الأنفية بل والى داخل الجيوب الأنفية بإضاءة قوية وقوة تكبيرية مما يوفر رؤية واضحة·

اقرأ أيضا