أحمد مراد (القاهرة) قبل 5 أعوام تقريباً، ظهر «داعش» على الساحة العربية والعالمية، ولم تمضِ سوى فترة قصيرة للغاية، حتى تحول التنظيم الوليد إلى أخطر وأقوى التنظيمات الإرهابية في التاريخ الحديث، وقد أثار الظهور المفاجئ والقوي للتنظيم العديد من التساؤلات عن الجهات والدول التي تدعمه وتمده بالسلاح والمعلومات والأموال، ومع مرور الأيام بدأت في الظهور ملامح علاقة مشبوهة وتنسيق وتعاون كامل بين «داعش» الإرهابي وقطر، وذلك من خلال نشر العديد من الوثائق والدلائل التي تكشف أبعاد هذه العلاقة. في مقدمة الدلائل والوثائق التي تثبت تورط قطر في دعم وتمويل تنظيم داعش، تأتي الوثائق التي نشرها موقع التسريبات العالمية «ويكليكس» على موقع التواصل الاجتماعي «تويتر»، حيث أفرجت هذه الصفحة عن العديد من الوثائق المسربة التي تثبت بالأدلة والمعلومات المخابراتية أن الحكومة القطرية متورطة في تمويل تنظيم داعش، وبالأخص في عام 2014. ونشرت «ويكليكس» تسريبات من بريد المرشحة الديمقراطية للرئاسة الأميركية السابقة، هيلاري كلينتون، كشفت عن تورط الحكومة القطرية في دعم وتمويل تنظيم داعش، وقالت كلينتون في هذه التسريبات: «إننا نحتاج إلى تفعيل جهودنا الدبلوماسية وتنشيط دور مخابراتنا من أجل الضغط على الحكومة القطرية التي تدعم تنظيم داعش وعدداً من المجموعات الدينية الراديكالية لوجستياً ومالياً». وجاء كلام هيلاري كلينتون كما أوضح مؤسس موقع «ويكيليكس» جوليان أسانج في إطار رسالة كتبتها لمدير حملتها الرئاسية جون بوديستا في مطلع عام 2014، بعد مغادرتها لمنصب وزيرة الخارجية الأميركية بقليل. كما سبق لوزارة الخزانة الأميركية أن كشفت عن وثائق تفيد قيام المدعو طارق الحرازي، المسؤول عن تجنيد المقاتلين الأجانب في تنظيم داعش، بترتيب وتسهيل حصول التنظيم الإرهابي على ما يقرب من مليوني دولار من ممول قطري في عام 2013. والأمر نفسه، أشار إليه أحد التقارير الصادرة عن مؤسسة «الدفاع عن الديمقراطية» الأميركية، والذي كشف عن ضلوع قطر في تمويل داعش بملايين الدولارات، وبالأخص فرع داعش في الصومال المعروف بحركة الشباب الإرهابية، وتحت عنوان «قطر وتمويل الإرهاب» نشرت المؤسسة الأميركية دراسة تتضمن معلومات حكومية ومخابراتية حول التمويل القطري للإرهاب، وفضحت بالأسماء كيف تعمدت الأسرة الحاكمة القطرية حماية عدد كبير من المصنفين إرهابيين من قبل الولايات المتحدة، وكيف أهملت أمر ملاحقتهم وردعهم عن الاستمرار بتمويل داعش في العراق وسوريا وليبيا. وفي دراسة أخرى، أعدها باحثون متخصصون في مكافحة الإرهاب في مركز بحوث الجريمة المنظمة ومكافحة الفساد مقره صربيا، قُدرت قيمة شحنات الأسلحة القادمة من دول شرق أوروبا، والتي وصلت إلى أيدي مقاتلي تنظيم داعش الإرهابي في سوريا والعراق خلال عامي 2015 - 2016 بنحو 1.5 مليار دولار، وأشارت الدراسة إلى أموال قطرية تم دفعها لسداد فواتير شراء تلك الأسلحة، فضلا عن وجود تسهيلات تركية لوجستية لنقل شحنات تلك الأسلحة إلى مناطق الصراع الملتهبة في الشرق الأوسط خلال العامين الماضيين. وكشف تقرير لوكالة الأمن القومي الأميركي، أن خزانة تنظيم داعش يدخلها شهرياً 50 مليون دولار تقريباً من الحكومة القطرية من خلال 4 بنوك تقوم بتحويل الأموال عبر فروعها إلى المراكز المالية للتنظيم، بالإضافة إلى أكثر من ملياري دولار يرسلها من داخل قطر أفراد من جنسيات مختلفة على شكل تبرعات إلى جبهة النصرة، كما أن هناك 25 حساباً بنكياً تم تخصيصها للتبرع للاجئين السوريين في قطر وتركيا، وكل هذه الحسابات تنتهي إلى حسابات التنظيم الإرهابي. وفي أغسطس 2014، كتبت الباحثة الأميركية لوري بلوتكين بوجارت، زميلة أبحاث في برنامج سياسة الخليج في معهد واشنطن، مقالا نشره موقع المعهد، أكدت فيه على تمويل قطر لتنظيم داعش، وأشارت إلى أن الولايات المتحدة ترى في حليفتها المقربة قطر بؤرة لتمويل الإرهاب، إلى حد أن واشنطن وصفت هذه الدولة الصغيرة بأنها بيئة متساهلة مع تمويل الجماعات الإرهابية، موضحة أن واشنطن تعلم أن أفراداً في قطر يساهمون على المستوى الشخصي في تمويل تنظيم داعش، وتعتبر أن الحكومة القطرية لا تبذل جهوداً كافية لوضع حد لهذه الظاهرة. وفي وقت سابق، تداول رواد مواقع التواصل الاجتماعي وثيقة مسربة صادرة عن تنظيم داعش في سوريا، وتكشف هذه الوثيقة عن ملامح الدور القطري في دعم عناصر التنظيم الإرهابي بالمواد الكيميائية التي تدخل في صناعة المتفجرات، وحملت الوثيقة عنوان «تعزيزات»، وتفيد أن الدوحة سلمت عناصر داعش مادة «نترات الأمونيا» لاستخدامها في العمليات الإرهابية. ويبدو التعاون المشترك بين قطر وتنظيم داعش جلياً فيما يتعلق بالملف المصري، حيث عملت الدوحة على دعم التنظيم الإرهابي على حساب المصالح المصرية، وهو الأمر الذي بات واضحاً عندما شن الجيش المصري في نوفمبر 2015، غارات جوية على مواقع تنظيم داعش في ليبيا في أعقاب قيام التنظيم الإرهابي بذبح 21 مسيحياً مصرياً من العاملين في ليبيا، وكان رد قطر على هذه الغارات مدهشاً وغريباً، حيث أدانت الدوحة الغارات الجوية المصرية، وأعربت الخارجية القطرية عن تحفظها على هذه الغارات، وقامت قناة الجزيرة بفبركة صور، ادعت فيها أن الجيش المصري استهدف مدنيين في ليبيا. وفيما يتعلق بالملف المصري أيضاً، حرصت قناة «الجزيرة» على الترويج لعمليات تنظيم «داعش» الإرهابي في سيناء، وكانت القناة الوحيدة التي تبث فيديوهات التنظيم الإرهابي، والتي يصور فيها مراحل تنفيذ عملياته الإرهابية في سيناء، ورفضت القناة القطرية أن تصف هذا التنظيم بالإرهابي، وأطلقت عليه اسم «تنظيم الدولة». وفيما يتعلق بالملف الليبي، نشرت صحيفة «صنداي تليجراف» تقريراً كتبه ديفيد بلير وريتشارد سبنسر، واللذان كشفا عن علاقة وطيدة بين الدوحة والجماعات الإسلامية المتطرفة التي تسيطر على العاصمة الليبية طرابلس، وهي نفسها الجماعات التي أعلنت ولاؤها لتنظيم داعش فيما سمته ولاية طرابلس، وأكدا أن قطر أرسلت طائرات شحن محملة بالأسلحة لتحالف الإسلاميين الذي كان يسيطر على بنغازي تحت اسم «فجر ليبيا». وفي السياق ذاته، تم تسريب وثيقة عبارة عن خطاب رسمي من السفير القطري في ليبيا إلى وزير الخارجية القطري، يتحدث فيه عن إرسال أعداد من المقاتلين المرتزقة تم تدريبهم في معسكرات في لبيبا تحت رعاية قطر، ويقول السفير القطري في هذا الخطاب: هناك 1800 مقاتل أنهوا تدريباتهم في معسكرات الزنتان وبني غازي والزاوية ومصراتة، واقترح أن يتم إرسالهم على ثلاث دفعات إلى تركيا ومنها إلى العراق عبر كردستان. وفي ألمانيا، أكد تقرير لإذاعة صوت ألمانيا «دويتشه فيله»، أن قطر احتضنت الجيش الإلكتروني لداعش، ووصف الدوحة بأنها أكبر حاضنة لحسابات أنصار التنظيم الإرهابي على شبكات التواصل الاجتماعي، حيث أظهر تحليل حسابات «تويتر» في قطر أن في كل ثانية تصدر تغريدة تحمل خبراً داعماً ومؤيداً لداعش، وأن 50 بالمئة من تغريدات قطر تدعم وتساند التنظيم الإرهابي. وعلق الباحث والخبير في شؤون الحركات المتطرفة، أحمد بان، على أوجه التعاون المشترك بين قطر وداعش، قائلاً «قطر راهنت منذ البداية على الكيانات المتطرفة والإرهابية بداية من الإخوان وحتى (داعش)، مروراً بتنظيم القاعدة، وقامت بدعم وتمويل هذه الكيانات الإرهابية عبر أجهزة المخابرات وبعض الواجهات الأخرى سواء الدعوية أو الخيرية أو حتى الإعلامية، الأمر الذي يفسر لماذا كانت الجزيرة أول قناة أذاعت رسائل بن لادن، وأول قناة أجرت حواراً مع القيادي في جبهة النصرة، أبومحمد الجولاني، وفي الحقيقة الدعم الإعلامي الذي تقدمه الدوحة للإرهابيين لا يستطيع أحد أن يتجاهله. وكشف بان عن وجود تنسيق وتعاون كامل بين وكالة «أعماق» التابعة لتنظيم داعش وبين قناة الجزيرة، وذلك في إطار دعم الدوحة للتنظيم الإرهابي، والترويج لعملياته الإرهابية سواء في مصر أو ليبيا أو سوريا أو العراق، فعلى سبيل المثال لا الحصر كلما يقع تفجير في أحد أكمنة القوات المسلحة أو الشرطة المصرية في مدينة العريش بشمال سيناء، نجد الجزيرة تعلن عنه قبل أي وكالة في العالم، وكذلك إذاعتها لمقاطع الفيديو الخاصة بالتنظيم الإرهابي بشكل حصري. ومن أوجه التنسيق الأخرى بين «داعش» وقطر، كما يشير بان تقاسم قطر و«داعش» لبترول الموصل، وكانت الدوحة تؤمن دخوله إلى عدد من الأسواق الأوروبية، وقد حققت قطر من وراء هذه المناصفة على بترول الموصل بينها وبين «داعش» أكثر من 5 مليارات دولار. وأوضح أن الولايات المتحدة تستطيع من خلال أدواتها المالية والرقابية، وتحديداً وزارة الخزانة والتي يمر عبرها كافة التحويلات سواء من أفراد أو كيانات أو دول، تستطيع أن توثق عمليات دعم وتمويل الجماعات الإرهابية، لكن حتى الآن لم تكشف الولايات المتحدة عن هذه العمليات، وذلك لأن واشنطن تعاملت في ظل الإدارة الديمقراطية السابقة مع ورقة الإرهاب ليس باعتبارها خطراً يهدد السلم والأمن الدولي، وإنما باعتبارها وسيلة من وسائل تحقيق المصالح. وبدوره، وصف القيادي الإخواني المنشق، محمد حبيب، نائب مرشد جماعة الإخوان سابقاً، تنظيم داعش بأنه أحد أذناب قطر، حيث تقوم الدوحة بدعمه وتمويله بشكل مباشر وغير مباشر ليحقق مصالحها وأهدافها الرامية إلى زعزعة استقرار وأمن المنطقة العربية، مشيراً إلى أن أميركا كان باستطاعتها أن تنهي هذا التنظيم، ولكن من مصلحتها أن تظل الفتن والحروب الطائفية والنزاعات العرقية والمذهبية مشتعلة في المنطقة، وقد ساهمت الدوحة بأوامر أميركية في استمرار التواجد الداعشي لاستمرار الفتنة. وقال «قطر دويلة صغيرة ليس لها مكان على خريطة المنطقة والعالم، فأحب القائمين على أمرها أن يكون لهم دور مؤثر على مستوى المنطقة والعالم، وللأسف الشديد لم يسيروا في الطريق الصحيح، وانحرف بهم المسار، وسلكوا طريق الخيانة، وانحازوا إلى صف أعداء الأمة». وأوضح اللواء عبدالمنعم كاطو، الخبير العسكري والاستراتيجي، أن تنظيم داعش الإرهابي بدأ ظهوره تحت مسمى «التوحيد والجهاد» في أعقاب احتلال العراق بدعم وتمويل قطري، حيث كانت الدوحة هي الداعم الأول لـ«أبو مصعب الزرقاوي» تحت غطاء وتسليح من المخابرات الأميركية، وبدعوى مقاومة التيار الشيعي الذي يحاول السيطرة على العراق، ومن هنا بدأت داعش في النمو إلى أن وصلت إلى شكلها الحالي، وأصبحت نوعاً خطيراً من الإرهاب الذي يعد وسيلة لتدمير وتخريب دول المنطقة العربية. وأكد كاطو، أن هناك يقيناً بأن الدوحة هي الممول الرئيس للجماعات الإرهابية كافة، وفي مقدمتها «داعش»، والذي تمده بالسلاح والمعلومات والأموال، قطر بهذا الأمر تخدم أجندة العديد من أجهزة المخابرات الغربية، والتي اتخذت الإرهاب كوسيلة للتغلغل في منطقة الشرق الأوسط، وإفشال الدول العربية، ونجح الأمر في العراق وسوريا وليبيا، وحاولوا تنفيذ السيناريو نفسه مع مصر، لكنه فشل بسبب قدرة مصر، جيشاً وشعباً، على الصمود والمقاومة. وتابع قائلاً: «قطر دويلة صغيرة، لكنها غنية جداً، وللأسف الغرب استغل ثرواتها الضخمة وجعلها تمول جماعات الإرهاب التي تؤدي إلى زعزعة الاستقرار العربي، وبناء دويلات تابعة للغرب أو جعل إسرائيل هي القوة الوحيدة في المنطقة، وإيجاد وسيلة لصدام عقائدي بين الشيعة والسنة، وبالتالي يفوز الغرب في النهاية ويكون مسيطراً على المنطقة العربية بأكملها، واليوم عندما نتكلم عن قطر يجب أن ننظر إليها بنظرة الدولة غير الناضجة المستغلة من الغرب لإفشال منطقة الشرق الأوسط»، لافتاً إلى أن المنظمات الإرهابية كافة التي ظهرت في العالم - حتى غير المسلمة - لها قواعد ومكاتب في قطر ويتم دعمهما وتمويلها من قبل الحكومة القطرية، والجزيرة بدورها تروج إعلامياً لكل تلك المجموعات. أما المحلل والكاتب الصحفي أحمد عبدالتواب، فقال «منذ نشأة (داعش)، أقدم التنظيم الإرهابي على تنفيذ أعمال إرهابية رهيبة غير مسبوقة في التاريخ الحديث ضد العراق وسوريا، ثم ضد السعودية واليمن وليبيا وتونس ومصر، ووصلت عملياته الإرهابية إلى روسيا، وإلى دول آسيوية واستراليا، وعبر المتوسط في أوروبا، وعبر الأطلنطي في أميركا، كل هذا إلا إسرائيل وقطر اللتين لم يشأ (داعش) أن يعلن معهما أي خلاف سياسي أو ديني أو عقدي، وهو استثناء يستحق الدراسة، ويؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن هناك علاقات مشبوهة تربط بين الدولتين قطر وإسرائيل وبين التنظيم الإرهابي».