الاتحاد

عربي ودولي

حساء الخنازير والاستعداد المبكر للانتخابات الفرنسية

باريس - عياش دراجي:
سألني أحدهم ذات يوم لماذا يكره المسلمون الخنزير؟ ولأني لم أرغب في الدخول معه في نقاش تبين لي عقيما، قلت له: بالعكس إننا لا نؤذيه تماما ونحبه إلى درجة عدم أكله وتحريم ذبحه! ·· فرأى في إجابتي منطقا غير متوقع وطوينا النقاش عن ملف الخنزير
والخنزير، هذا الحيوان، يتخذ الحديث عنه أحيانا أو إقحامه في معارك غريبة لإحراج المسلمين في بعض الدول الغربية، وأذكر أن بعضا من أتباع الجبهة الوطنية الفرنسية المتطرفة التي يتزعمها 'جان ماري لوبان' قام بذبح خنزير في إحدى حفر أساس مسجد ليون الكبير عام أربعة وتسعين كي يثني المسلمين في مدينة 'ليون' عن بناء المسجد في ذلك المكان الذي رأى المتطرفون أن الجالية لا تستحق ذلك الموقع وأن موقعه مستفز لسكان الحي، ولكن المسلمون في مدينة ليون لم يتطيروا من طالع ذلك الخنزير المذبوح وأكملوا بناء مسجدهم في نفس العام وهو اليوم احد المساجد الفرنسية الكبيرة· ولأن المبتلين بعاهة التمييز العنصري لا يتركون وسيلة ممكنة إلا اتخذوها سبيلا للتضييق على من يعتقدون أنهم دونهم في الخلق، فان هناك نفرا من الناس في فرنسا ينشطون في جمعية معترف بها يدعون إعانة الفقراء والمعوزين والمشردين في الشوارع في فصل الشتاء خصوصا، لكن عملهم ظاهره الخير وباطنه عنصرية مقيتة تشهد معارضة متزايدة من قبل الرأي العام والسلطات، إذ هم ينظمون حملات تبرع بالأكل في شكل حساء مصنوع من لحم الخنزير فقط، ويسمونه حساء الخنازير يوزعونه على المشردين في فصل الشتاء ، ويرفقون هذا بشعار: (مشردونا قبل مشرديهم) في إشارة إلى المشردين من يحرم عليهم أكل لحم الخنزير، حملة ذلك الحساء اعتبرها كثيرون محاولة لإقصاء المشردين وعديمي المأوى من الديانات الأخرى·
عنصرية العمل الخيري
الجمعيات الناشطة في دعم هذه الظاهرة أغلبها له صلة مباشرة أو غير مباشرة بتيار اليمين المتطرف العنصري وهذا ما زاد من قلق السلطات والرأي العام الفرنسي من ظاهرة تجعل من العمل الخيري متكأ للتمييز العنصري·· وقد سارعت الشرطة في باريس منتصف شهر ديسمبر الماضي إلى التدخل السريع لتفريق تجمع لموزعي حساء الخنازير وشهدت مدينة ستراسبورغ مساء الرابع عشر من شهر ينايرالماضي الإجراء نفسه عقب صدور قرار بلدي قضى بوقف الحملة ومصادرة الحساء المشبوه مخافة إشاعة العنصرية وإحداث توترات اجتماعية، المجتمع الفرنسي في غنى عنها من قبل ومن بعد·
ويذكر أن أشهر حملات التبرع بالأكل للمشردين والمحتاجين في فرنسا هي التي أنشاها الممثل الكوميدي الفرنسي الشهير كولوش قبل عشرين عاما وسماها (مطاعم القلب) كإشارة إلى القلوب الطيبة التي تهتم بالمتشردين وعديمي المأوى، وصارت الحملة عقب رحيله تقليدا معمولا به في كامل فرنسا خاصة في فصل الشتاء ولها مؤسسات وجمعيات ترعاها وتحمل نفس الاسم : مطاعم القلب· تلك المبادرة الحميدة التي سنها الممثل كولوش، تختلف اختلافا سافرا عن حملة (حساء الخنازير) التي تلقى رواجا في معاقل جبهة اليمين المتطرف لاسيما شمال شرقي فرنسا حيث مدينة ستراسبورغ وفي الجنوب الشرقي حيث مدينة نيس· معدو حساء الخنازير وحاملو لواء قدوره يؤكدون أن الخنزير رمز من رموز الثقافة الفرنسية بل الثقافة الأوروبية كلها (حب من أحب وكره من كره) كما يقول رئيس هذه الحملة 'روبير سبيلر' الذي يرأس أيضا حركة (الالزاس أولا) وهي حركة ذات اتجاه يميني عنصري متطرف، وقد شغل منصب نائب برلماني عن حزب الجبهة الوطنية ويؤكد سبيلر أن النشاطات التي تنظم تحت شعار حساء الخنازير ليس فيها أدنى سلوك عنصري، ويعتزم هو وأصحابه في ستراسبورغ رفع دعوى قضائية لإسقاط المرسوم البلدي الذي منعهم من التبرع بحسائهم· وفي أقصى الجنوب الشرقي لم تجرؤ السلطات المحلية في مدينة نيس على تحدي أصحاب الحساء، والأمر ليس سهلا فالمدينة وضواحيها هي من المعاقل الأساسية لجبهة اليمين المتطرف وفيها يحقق أعلى إيراداته العنصرية اصواتا ودعما ماليا، وقد برر السيد روبار موري أحد المسؤولين عن الصحة الاجتماعية في المدينة قائلا: (إننا لو منعنا توزيع ذلك الحساء فإننا سنقدم خدمة مجانية للمتطرفين والعنصريين وسنجعل الجميع يتحدث عنهم) حساء الخنازير يلقى معارضة كبيرة من نشطاء مدافعين عن حقوق الإنسان في فرنسا ومعارضين للمتاجرة بالبؤس لأغراض عنصرية، السيدة 'تيريزا مافايس' رئيس الجمعية من أجل الديمقراطية في نيس تعتبر أن السلطات المحلية عليها وقف هذا التحريض على الحقد العنصري بالوسائل القضائية ومنع توزيع حساء الخنزير· علما بأن الحساء يوزع في مدينة نيس كل يوم أربعاء مساء بالمقابل فإن عين الجمعيات المدافعة عن حقوق الإنسان غير نائمة عن هذا الشذوذ المتستر بلباس التبرع للمشردين، شذوذ ندد به كل من المجلس الفرنسي للدين الإسلامي والمجلس التمثيلي للمؤسسات اليهودية في فرنسا·
الجائع الأبيض
احدى الفتيات علقت في موقع على الانترنت يحتج على هذه الظاهرة الغريبة تقول: ( ان توزيع الحساء الخنزيري بالذات ليس هدفه الخير بل هو محاولة غبية لتحريك المشاعر وإثارة المشاكل والدعاية الإعلامية، إن توفير ذلك الحساء بشكل حصري يراد به انك أنت أيها الجائع إن لم تكن مسيحيا أبيض فمت جوعا وبردا، لن تشرب أي حساء ساخن وإذا أردت فتنصل أولا من تقاليدك واعترف بأن المسيحيين البيض هم أرقى منك وهم الذين يغيثونك عند الحاجة) البنت الفرنسية تؤكد في نهاية رسالتها الالكترونية قائلة : ( إنني مسيحية كاثوليكية المولد والنشأة والأصل وأنا من الجنس الأبيض، ولكن بعض الحمقى من البيض ممكن يدعون إعانة الجائع، يشعرونني بالغثيان)·
والغريب أن ظاهرة توزيع حساء الخنزير يرافقها خطاب مقيت يزيد من التشكيك في دوافع منظميها ويجعل من الصعب أن تدفع عنهم تهمة العنصرية، حتى أن بعضهم يعترض على منع حملاتهم في بعض المناطق ويعلق بأنه لم يبق إلا منع الصليب الذي كان رمزا لصد جيوش المسلمين على بوابات العاصمة النمساوية فيينا، وهذا الخطاب ينطوي على إقحام لا علاقة له بتوزيع حساء ساخن للمتشردين في ليالي الشتاء·
الحساء الخنزيري - إن جاز التعبيري- الذي يصفه كثير من الفرنسيين بحساء العنصرية بدأت مبادرة توزيعه أول مرة قبل ثلاث سنوات في باريس لكن لم يكن يعرف الانتشار والاهتمام المتزايد الذي يشهده اليوم ، ولا أعتقد أن السبب يعود لأن الخنزير كان حلالا وصار حراما ولا لأن المشردين الذين لا يأكلون الخنزير كانوا قلة أو معدومين، بل للأسف لان الاهتمام بالمواضيع العنصرية صارت تسلط عليه الأضواء أكثر من ذي قبل، ثم وهذا بيت القصيد إن فرنسا مقبلة على انتخابات رئاسية وكل المواضيع يمكن أن تكون وسيلة أو سببا لاستمالة ناخب أو حصد أصوات ولو كانت أصوات المشردين ! حتى إن جمعيات الحساء الخنزيري صارت تنتشي بهذا الاهتمام الإعلامي وتدعو إلى توسيع الظاهرة في بقية الدول الأوروبية، مع العلم أن بلجيكا عاشت مثل هذه التجربة بشكل بسيط في مدينة شارل روا !

اقرأ أيضا

بعد 3 أيام من الرعب.. لبنان يسيطر جزئياً على حرائق الغابات