الاتحاد

الملحق الثقافي

نقطة ضوء.. في حلكة اللجوء

المصور الفرنسي ماتيو بيرنوت عرض صوراً اللاجئين كجثث مغطاة بغطاء أبيض يشبه الكفن (من المصدر)

المصور الفرنسي ماتيو بيرنوت عرض صوراً اللاجئين كجثث مغطاة بغطاء أبيض يشبه الكفن (من المصدر)

د. حورية الظل
«الأزمة الأكثر مأساوية والتي لم يواجه العالم مثلها منذ وقت طويل».. هكذا وصفت المفوضية السامية لشؤون اللاجئين أزمة اللاجئين السوريين الذين يعيشون في مخيمات بنيت على عجل في هوامش بلدان مجاورة (لبنان والأردن والعراق وتركيا)، ثم في أوروبا الغربية التي تدفقوا إليها غير عابئين ببحر يفغر فاهاً ليبتلعهم ولا بحدودٍ تهاوت أمام خطواتهم المصممة على عدم التوقف إلا بعد إيجاد الأمان.. لكن المؤلم في المشهد كله، ما تحمله هذه المعاناة، لا سيما معاناة الأطفال من مدلولات، وما تواجهه من إدانة لعالم «مات ضميره وشبع موتاً».

وُجد الفن من أجل إضفاء لمسة من الجمال على حياة الإنسان وأيضاً لخدمة قضاياه، من هنا، يبدو مشروعاً أن نتساءل عما قدمه الفن بصورة عامة، والفن التشكيلي بصفة خاصة للاجئين السوريين، هل خفف من مأساتهم وساهم في وضع قضيتهم في بؤرة الضوء؟ هل استطاع إضافة بعض الألوان إلى حياتهم القاحلة في المخيمات المتربة، وهل رد البسمة ولو جزئياً إلى الأطفال؟
يبدو أن الإجابة - وإن كانت نسبية - هي: نعم. ويبدو أن الفنان التشكيلي قرر ألا يبقى محايداً أمام ظاهرة كارثيّة بهذا الحجم، فوجدت معاناة اللاجئين السوريين صدى لدى الكثير من الفنانين التشكيليين والمصورين العالميين، الذين لم يركنوا إلى الحياد، وجسدوا قضية تشهد على عقم الراهن وبؤسه!.
حلم الإنسانيةبالموازاة مع بينالي البندقية لسنة 2015، صنع الفنان البرازيلي «فيك مينيز» قارباً ورقياً عملاقاً ووضعه في الماء في نوع من الإسقاط الفني على هشاشة القوارب التي تحمل اللاجئين السوريين إلى أوروبا، وعدم توفرها على شروط السلامة، فضلاً عن كون العمل يحمل إدانة واضحة لغرق الآلاف منهم، حيث يجدون الموت الذي خلفوه في بلدهم يترصدهم في البحر.
أما المصور الفرنسي ماتيو بيرنوت، فقد عرض صور اللاجئين كجثث مغطاة بغطاء أبيض يشبه الكفن، في محاولة للقول إن حياتهم مهددة بالموت في الشوارع التي يتخذونها أماكن لنومهم في الكثير من الأحيان.
وتحت سماء باريسية مفتوحة، على ضفاف نهر السين، بدت الجدران المحاذية للنهر في الفترة من من 24 يوليو إلى 15 أكتوبر 2015 مختلفة عما كانت عليه في السابق، إذ حملت معرضاَ لصور الأطفال السوريين اللاجئين بكردستان العراق، نظمه المصور العالمي «رضا ديغاتي» بتعاون مع بلدية باريس وبدعم من «جائزة حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم الدولية للتصوير الضوئي»، والمفوضية العليا للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين.
حمل المعرض عنوان: «حلم الإنسانية»، وظهر كما لو أنه جدارية عملاقة بحجم المأساة المهولة لهؤلاء الأطفال، حيث بلغ طوله 370 متراً.. أما الصور التي تم توظيفها إنسانياً فيمكن اعتبارها بطاقة بريدية تذكر العالم غير المبالي بمعاناة الأطفال السوريين.
وما ميز المعرض، تلك الصور التي التقطها أطفال سوريون في مخيم كفركوسك في العراق سنة 2013. وكان «رضا» - كما يسمونه في الغرب - قد نظم هناك ورشة لتعليم الأطفال البالغة أعمارهم بين 11 و15 سنة تقنيات التصوير، فوثقوا لمأساتهم بأنفسهم، وصوروا لقطات من حياتهم اليومية كلاجئين، ومن ثنايا الصور برزت معاناتهم، واختير وجه الطفلة مايا رستم وهي طفلة في 11 من العمر وتعيش في المخيم، كملصق للمعرض، والهدف من الصور المعروضة حسب المصور رضا أن تكون «وسيلة للأطفال اللاجئين لحكاية حكايتهم الخاصة وإظهار معاناتهم».

مبادرات
أدمت مأساة اللاجئين السوريين قلوب الكثيرين عبر العالم، وحشدت تضامناً معهم قل نظيره، وكان الفن من وسائل هذا التضامن، وما فعلته الفنانة التشكيلية البريطانية بيرن أودونوغ بالتزامن مع وصول أفواج اللاجئين إلى الغرب يؤكد ذلك، فقد صنعت زوارق ورقية صغيرة ولونتها بألوان مختلفة وكتبت لقب أحد أفراد الأسرة على كل زورق (أب، أم، أخت، صديق...) ثم دسَّت هذه الزوارق في أماكن مكشوفة حيث يسافر الناس ويتجمعون بمحطات الحافلات والقطارات ومعابر المشاة وشبابيك سحب المال، كما أرسلت الزوارق الصغيرة عبر البريد إلى باريس أيضاً ليتم توزيعها هناك من طرف أصدقائها، ووظفت أيضاً وسائط التواصل الاجتماعي فنظمت حملة عبر تويتر لتوسيع نشر رسالتها في كل بريطانيا وتبادل صور قواربها وتسهيل تبادل المعلومات حول اللاجئين بهدف تيسير عبورهم إلى أوروبا، وكتبت في تغريدة على تويتر: «لقد صنعت زوارق وزوارق»، وحمولة هذه الزوارق الرمزية تتلخص في الكشف عن بشاعة ما حدث للاجئين السوريين، فكل زورق يشير إلى أحد أفراد الأسرة وإلى مأساة من غرقوا في البحر أثناء محاولتهم العبور إلى أوروبا حسب تعبيرها، كما أنها أكدت أن مبادرة الزوارق هذه، هي نوع من حشد التعاطف مع اللاجئين واعتبارهم من الأقارب في جميع التراب الأوروبي، ولذلك استهجنت تسميتهم باللاجئين ورأت فيه نوعاً من التحقير لهم فاستبدلته باسم (أخت أو أخ أو أب أو صديق وغيرها من الأسماء)، وزوارقها التي وزعت في كل المدن والبلدات البريطانية هي أيضاً نوع من الاحتجاج على الحكومة البريطانية التي أبدت في البداية عدم الرغبة في تقديم المزيد من المساعدة للسوريين الذين وصلوا أوروبا.
وترى الفنانة أن مبادرتها قد تحقق ما هو إيجابي للاجئين، وتضيف: «نحن جميعاً بحاجة إلى مساعدة هؤلاء الناس وجعل الحكومة تتخذ موقفاً أكثر تعاطفاً. كل قارب يحمل حقيقة حول اللاجئين، إنه تذكير للناس بأن هناك لاجئين في حاجة لمساعدتنا وهم يستحقون الأمان والمأوى لدينا».
وعلق بعض النقاد على مبادرتها بأنها نوع من الفن الأنيق والودود والقريب من القلب، والذي ينبهنا إلى طرق التعامل مع إخواننا، وأكدوا أن هذه هي الرسالة المتوخاة من الفن.

مزادات وأفلام
أما جامعة التحف الفرنسية ماري كريستين بواني ففي مبادرة سخية ونادرة الحدوث - كما ورد في يومية لوفيغارو الفرنسية - فقد باعت مجموعتها الفنية التي تضم 200 قطعة من السجاد والتحف الفنية الإفريقية والآسيوية من أجل اللاجئين السوريين، وأعلنت أنها تنوي بناء ثلاث مدارس لهم في لبنان بالريع الذي ستحصل عليه من بيع مجموعتها الفنية.
وتمثلت مساهمة الممثل والمخرج الإيطالي أليخاندرو غاسمان، السفير المفوض للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، في تقديم فيلم وثائقي في مهرجان البندقية السينمائي يدور حول حياة وتطلعات وآمال الفنانين السوريين اللاجئين بلبنان والأردن. والفيلم الذي أخرجه غاسمان وأنتجته المفوضية العليا للاجئين يصور لقاء غاسمان بهؤلاء الفنانين في محاولة لفهم كيف يساعدهم الفن في الحفاظ على الروابط مع جذورهم وهويتهم. يقول غاسمان في هذا الصدد: «نحن فخورون لتقديم هذا الفيلم الوثائقي الذي يروي قوة الإرادة لدى الفنانين السوريين اللاجئين وصمود شعب بأكمله». وعلق كارلوتا سامي المتحدث باسم المفوضية العليا للاجئين في جنوب أوروبا على الفيلم بقوله: «لقد خسروا كل شيء، البلد والبيت والأقارب لكنهم يرفضون أن يُعاملوا كضحايا، وهؤلاء الفنانون يرون أنفسهم فنانين ويريدون إنقاذ الفن».

ورشات للرسم
نتيجة الفقدان القاسي الذي خبره الأطفال السوريون فإنهم يعانون إرهاقاً نفسياً وطفولة مصادرة، وقد انبرت بعض المنظمات الإنسانية والجمعيات الفنية للتخفيف من معاناتهم من خلال تنظيم ورش للرسم بالمخيمات لمنحهم صوتاً يعبرون من خلاله عن مأساتهم، وأيضاً كوسيلة علاجية تخفف عنهم الصدمة وتساعدهم على تجاوزها. ففي مخيم الزعتري بالأردن الذي يستوعب ما يقارب 100 ألف لاجئ سوري، يعيشون في قفر صحراوي تميزه العواصف الترابية صيفاً والزمهرير والثلوج شتاءً، لا تخطئ العين ما يعانيه المخيم من نقص في الفنون والثقافة التي يعول عليها في التخفيف من معاناتهم النفسية، وبهدف معالجة هذه القضايا بطريقة إيجابية ولتحسين حياة الأطفال في المخيم سافر «جويل بيرجر» للزعتري خلال 2013 و2014 و2015 للدخول في شراكة مع فريق من اللاجئين السوريين من فنانين ومربين وأيضاً منظمة اليونيسيف ومؤسسة ميرسي كور ومنظمة أكتد، وذلك لتنفيذ مشروع يمنح الأطفال فرصة لإبداء آرائهم من خلال الرسم فعبروا عن مشاعرهم وأرسلوا رسائلهم المتضمنة أحلامهم إلى العالم لتنبيهه لخطورة معاناتهم.
واللطيف في الأمر أن ورشات الرسم مكنت الأطفال من رسم جداريات ترجموا من خلالها أحلامهم التي قد تساهم في تغيير عالمهم، فكتبوا أمانيهم ورسموا كل ما عنّ لهم، وشاركوا في رسم نهر ملون. ورسم الفنانون المشاركون في الورشة جداريات تحمل الكثير من الأمل والألم، وحسب المنظمين فإن مثل هذه الأنشطة تغير نفسية الأطفال بشكل إيجابي، وتمكنهم من التطلع للمستقبل والانزياح ولو مؤقتا عن إكراهات الواقع. كما أنها محاولة لتحويل مخيم الزعتري إلى فضاء نابض بالحياة، وأيضاً إضافة اللون والحياة للبيئة المقفرة، فالجداريات برسومها ذات الدلالات الإنسانية وألوانها الصاخبة بالإضافة لكتابات الأطفال ورسوماتهم أضفت نوعاً من البهجة واللون على المخيم الكئيب والفضاء المقفر. كما تم نشر رسائل الأمل بين سكان المخيم، ومكن الأطفال في نفس الوقت من ممارسة أنشطة إيجابية تعليمية وإبداعية.
رغم أن أزمة اللاجئين السوريين تزداد صعوبة نتيجة فصل الشتاء القاسي بأوروبا فضلاً عن الأوضاع التي لا تزداد إلا تأزماً في بلدهم، يظل الفن قادراً على منح حياتهم بعض الأمل لأنه دائماً وأبداً يبقى نقطة ضوء في الفترات المظلمة التي يمر بها البشر، كما تنتفي عنه اللامبالاة التي أضحت شبه معولمة.

العلاج بالبوح
يقول منظمو ورشة مخيم الزعتري، إن هذه الأنشطة تغير نفسية الأطفال بشكل إيجابي، وتمكنهم من التطلع للمستقبل والانزياح ولو مؤقتاً عن إكراهات الواقع. وهذه التجربة الفنية في سعيها إلى دعم اللاجئين من خلال الفن العلاجي لا يتم الحكم فيها على الأعمال المنجزة بقدر ما تسعى لتمكين المشاركين من البوح عما يعتمل في دواخله، وإلى تحويل الخسارة والتشريد إلى قطع فنية ترفع مستوى الوعي بمحنة اللاجئين، وأيضاً السعي للتغلب على ذكريات العنف والمعاناة التي شهدها ويشهدها أطفال المخيم.

اقرأ أيضا