الاتحاد

يا طائر الحسون لا ترحل

كان في قفص فضي بين أكل رغيد وشرب صاف وعش مصنوع من صوف دافىء على حافة النافذة المطلة على الأفق الممتد في البرية· يتأرجح على أرجوحة صنعتها له من حرير ·· يوقظني عند كل فجر ويطربني تغريده ويشدو بي إلى ربيع ازلي، كان ذاك عصفور (الحسون) الذي املكه ·· في آخر خريف بيننا رأيته كيف ينظر إلى اسراب الطيور المهاجرة ··· يغرد لها طالباً منهم الالتفات إليه ·· يقفز في قفصه الضيق من ركن إلى ركن طالباً منهم الانتظار لكن الطيور الراحلة لا تنتظر فالشتاء على الأبواب والخريف يكاد يقضي نحبه ··· ويغرد المسكين تغريداً مرا حزيناً كأنما يستجدي عطفها·
تنزل إلى القفص عصفورة من جنسه ··· جذبها التغريد المر الحزين فنزلت تستطلع الحزن الصاعد تغريداً إلى سربها ورأيتهما يتبادلان التغريد كأنما يتناجيان شعراً ويتهامسان حباً فتقفز من الوجد فوق القفص وتنتقل إلى يمينه ثم إلى يساره كأنما تريد خلاصه تنقر قضبان القفص نقراً خفيفاً كأنما تريد أن يفتح القفص لكن القضبان من معدن والمنقار صغير مرهف ··· تحاول أن تجعله مثلها يحلق حراً في الفضاء· لكنها لا تهتدي إلى ذلك ولا تجد سبيلاً لتحريره· تقفز على غصن شجرة قريب تنتقل بين فروعها ناظرة إلى القفص مرهفة الحس إلى تغريد جميل حزين·· تنظر إلى القفص حينا·· وحينا إلى الاسراب المهاجرة وقلبها مشتت بين الاسراب وبين عصفور أسير وحيد وسط قضبان من فضة تتراقص فيها اشعة الشمس التي سيختفي دفئها قريباً ···· يغرد حزيناً يبحث عن همسة حب··· عن تغريدة حب وتطير العصفورة وتدخل في السرب ويتابع بعينين يملأهما الحزن للرحيل·
ويطبق صمتا ويضرب عن التغريد ويسكن كأن الموت على رأسه· ما لبث أن أخذ يغرد في حزن يمزق الأكباد كأنه ينشد نشيد الحرية وفي غضب يضرب القفص ويتخبط بجناحيه الصغيرين ويتخبط قلبي في صدري مثلما كان يفعل هو كان مثل روحي التواقة إلى الحرية التي تكاد تنسل من بين حنايا جسدي وتعرج إلى السماء هناك إلى الأبدية حيث لا يوجد ظلم ولا حيف ·· هناك حيث الحرية ·· حيث السكينة والجمال ·· ويسترسل في تغريده المر مثل معزوفة حزينة تصعد إلى السماء ···· يرسل تراتيل الحرية إلى اسراب مهاجرة نحو الربيع ··· ترحل هناك نحو الحب·
يا طائر الحسون في قفص نسجته لك من فضة وأطعمتك فيه من اشلاء قلبي ها أنا أفتح لك باب القفص اشرعه على مصراعيه وأسجن القلب ها هنا وحيداً بين الضلوع ··· سترحل إلى الشمس حيث الدفء والجمال··· هناك إلى الجنون ووحدي أظل أعزف في حنايا الروح تغاريد حزينة ·· يا طائر الحسون ها هو باب قفصك مشرعاً وهذا فضاؤك يمتد على مد البصر· فطر هناك إلى حب ينتظر ··· فأنت اليوم حر·
ملاحظة:
أطلقت سراحه في السابع من أكتوبر 2003 ولا زلت انتظر أن يغرد يوماً على قفصه الفضي·
محمد دلومي

اقرأ أيضا