الاتحاد

الملحق الثقافي

يُخيَّل إلينا.. أنهم موسيقى!

فرقة «تقسيم تريو» الموسيقية (من المصدر)

فرقة «تقسيم تريو» الموسيقية (من المصدر)

نوف الموسى
ارتدى الحبُ بدلته الأنيقة، واصطف بين تلك الأبواب، انتظاراً للحضور الذي لا يأتي عادةً، دونما موسيقى. من سيعزف للشمس، بعد أن تمتد الريح، بين جنبات الفصول الأربعة، هل من الحُسن، أن نرى الليل، يشتكي، من المطر؟ وهل من الجمال، أن ننام بعد موعد السهر.
وحدهُ الحب، وحده الحبُ، أكتبها مرتين، وأتلفظها مئة مرة، لعل من يدركها، يستطيع كشف الاكتفاء بالعزف، الذي يفسرُ جُلّ أهوائنا، وسر الصمت الذي يجوبنا، أمام دندنة عابرة أو لحنٍ مقصود في تراتيله النبيلة، الدافئة، لحل مسألة السيرورة الروحية. فالأخيرة باتت تشكل للثقافة، مرسى الأجوبة، لكل المزاعم، ومنها أن للعيون قدرة مذهلة على الاستماع كالأذن، فما أن نذكر حالة موسيقية، إلا ونصب عمقنا على مرآة التجسيد للبصر، للرؤية، للمرئي، فيصبح ما يخيل إلينا، من حركة استشعارية للحواس، والذائقة، ولون المزاج، ونبض اللقاء، وكأنها.. الموسيقى بلا منازع.
من هنا عرفت لماذا كل هذا الانكفاء على اللحظة الموسيقية، في «مهرجان الشارقة للموسيقى العالمية»، وخاصةً عند مشاركة الفرقة التركية (تقسيم تريو)، وانصهار المسرح مع آلة الكلارينت، من ترجو الحياة عبر النفخ المستمر من الفنان التركي حسنو شلندر جي، وظلت آلة القانون تعيد قوام الفوضى الخلاقة، بأنامل الفنان التركي هايتش دوجان، واستمر إسماعيل تونجيلك، يهز أوتار آلة البزق، متقناً وقت الولوج إلى اللاعودة في حوار القانون والكلارينت.



آلة الكلارنيت
اجتمعت الآلات، ونفضت روحها قبل أصحابها، وجلست تُطالع جمهور الحدث، واتفقت على أن تعلن نفسها، روحاً، دونما تدخل قسري من عازفيها، لتنجز حوارها السرمدي، كله، في الـ 5 دقائق، بين اللاأحد من العازفين، أمام المسرح، شبه الممتلئ، والمستمر في التدفق إلى التكهن، في أن إعجازاً ما، سيحدث الليلة، فقط الليلة..

من سيعزف الليلة؟ سألت آلة الكلارنيت نفسها،
هل سأعزفني، وأنا أقف هنا على رأسي،
كيف سينفخ الخواء روحاً؟ في العدم، كالسحر..
أما رأسي، فهو معجزة الهواء، تسألني كيف؟
خُذ تياراً هوائياً، على سبيل المثال، والمسه بإحدى يديك
إنه يتشكل من خلال المسافة، صنعتها عبر تدخل إصبع أو إصبعين
لا يشغلني موضوع الهواء كثيراً، لكني أُفتن بطاقة الشهيق والزفير
في كل مرة، يعمد إليها حسنو شلندر جي، بلمسي من خلال أنفاسه
أراهن نفسي بأن للعشق سرا يخترق معنى الجسد نفسه إلى الوصول
ومعنى (الوصول) هنا: هو عدم الوصول، إلا بالوصول، كيف ذلك؟

نظرياً: لا يمكن تعميم (الوصول)، لذلك فإن لي تجربتي الخاصة
مفادها: ينفخ حسنو، زفيراً خفيفاً، فيصلني كريح عابرة،
وما أن يشتد زفيره، حتى أراني عاصفة، لا يرتعب منها أحد !
الريح هنا: شوق، انتظار، لوعة، ضياع، دمعة، وردة على الأرض
العاصفة هنا: هيام، غضب، توتر، تمرد، نزوح، وردة تحت الأرض
بعد الريح والعاصفة، تستوقفني المداهمة، عندما ينسى عازفي النوتة
ويبدأ بالعزف على أوتاري، كأني الاكتشاف الأول والأخير،
في حفلة ما، أو لقاء بعشاق، أو جلسة سمر بين أطياف المدينة
أراني دُهمت، بزفير وشهيق، غير معلن، لا يسوده تنبيه أو مراجعة أولية
واستعد لاستقبال الارتجال، فالأخير حاجتي للبقاء، وحاجة عازفي للتكهن بأن لموسيقانا، متسعا أكثر، للولادة من جديد،
فأستعِد لحظتها لاستقبال موج جديد على بحر المقطوعات
ليخف نبضي بشكل تدريجي، وأرى نفسي في النزعة

آآه، إنها قيامة الارتجال، والاستعداد المؤكد للموت..
تسألون كيف يكون الارتجال موتاً؟!
الارتجال يترك ماضي الإيقاع تماماً
وينسف نبوءة المستقبل تماماً أيضاً،
ورحيل الذاكرة، وصفٌ مخفف للموت الفعلي

خلال الارتجال يحدث الآتي:
أذهب بعيداً عني، وأصبح بيني وبيني
لا أنا الكلارنيت، ولا أنا عازفي ولا أنا الموسيقى
ولكني جميعهم في لحظة، ولست (هُم) في لحظة أخرى !
لا عذابات ولا أفراح.. أقف بينهم كالغائم على سطح الهواء

أوجِدوني..

***

آلة القانون
انتظرت آلة القانون ملياً، قبل اتخاذ خطوة البوح، كونها الأم/‏ الرئة/‏ المرجعية لمسارات الحوار الموسيقي، وأفقه، والوصول إلى متاهاته، متكئة على الكرسي، تُشكل مع آلة الكلارنيت نقطة وصول، بينما المسير إلى تموضع آلة البزق، يحتاج إلى انحناء بنسبة 90 درجة، تشد أوتارها، وتتسامى مع حالة الصمت، وفجأة تقول:

سأتكلم الليلة..
وبالأخص، عندما يتكامل، عزف هايتش دوجان، بي
ويجترني بين كل وتر وآخر، كحالة النزعة، والصرخة،
ألا تتساءلون، لا يعتريكم الفضول، عن صفائي القادم
من الملامسة الودية تارة والقاسية تارة بفعل عازفي
أنا الصوت المتلاشي، بقوة الضربة على جسدي المُخشّب
كم مرة تذكرتموني، كلما شاهدتم شجرة، أو نصف جذع

لا لا.. الحكاية في الموسيقى ليس بسماع الصوت،
ولكن باكتشاف تجاوز الآلة لنفسها ولعازفها ولكم
في كل حفلة آراني أفهم ما لا يراه السامعون
ما يحدث التالي: يصدر صوتٌ مني، كالسحابة
ويمر بي وبعازفي كهالة تدور وتدور، ويشتد دورانها

في حالتين: أولاهما شدة الحزن وثانيتهما شدة الفرح،
وما أن نعي ما حولنا، أنا وهايتش دوجان، بانتباه أحد السامعين
نرسل أرواحنا له، ونبدأ كالحجر الساقط في البحيرة، بالتوسع
والتوسع والتوسع، والسامع يتوسط الدائرة، وبوعيه غير المقصود
يدخل الدائرة، ويصبح الوسط، فارغاً تماماً
لتبدأ بعدها حالة رحلة الانتشاء، حينها يتمدد الكون فينا
لا نعي زماننا ومكاننا، ويصبح من الود ألا نحكم أبداً
ونزرع من الصوت الصادر، لغة غير مفهومة، حصادها
أن نُأكل نحن، بدلاً عنها، وتتفتح أزهارنا بعد أن عشنا ملياً دونها
لا يمكن للبشر، خوض الإزهار، بعيداً عن سقيا الموسيقى

متى ستتفتح زهوركم؟

آلة البزق
على استحياء الحكيم، توسطت آلة البزق، آلة القانون وآلة الكلارنيت، رافعة ذراعها الممتدة نحو السماء، مشيرة إلى الضوء الساقط على أرضية المسرح، تتأمله، كأنها تفتقد القمر، ونوره، المتجلي على النهر، في إحدى فضاءات الحياة المتعددة، لا تتكلم آلة البزق، كثيراً، بل تفعل ما هو أعمق، حيث لا تظهر في الصورة، كإله الحالة الموسيقية، ولا تدعي، قدرتها على المسايرة والمكاشفة المعلنة، وتحاول بكل ما تملك من جمال أن ترسل أصحابها إلى تصدر ساحة المسرح، ولكن لماذا؟! تجيب آلة البزق بعينين مبتسمتين:
أفضل الشفق الأحمر على الشروق والغروب،
واستمد من قوة الوسط، الاحتواء الكلي للموسيقى
في العزف، لا يجدر بكل الآلات أن تتسيد
في الحقيقة لا تسيّد أو تصدُّر لآلة ما
إلا بآلة أخرى، اختارت تشكيل الفضاء بدل معايشته فقط
لا يدرك الكثيرون أن الهامش، يُعد أنبل أنواع (الخلق) في النص
الهامش، رغم اختلافات تعريفه السطحية، إلا أنه سر الانجذاب للموسيقى
فالآلة التي لا تُعرف بنفسها، تمثل أطروحة كونية للعطاء دونما تصنيف
لا هدف تسعى له أو رغبة تفكر بها، إنها تتكيف مع الحياة ضمن إيقاعها المنسجم
كل شيء بالنسبة لها يسير وفق قدرية مذهلة، لا يقودها شعور ما، ولا يسيرها أحد

إن الآلة الموسيقية في الهامش، تعيش حرية مطلقة، كالدور الذي ألعبه بجانب آلة القانون وآلة الكلارنيت
فما أن أشاهد إسماعيل تونجيلك، يحتضني بكلتا يديه، ويبدأ برسم الكون من خلالي،
أعمل جاهدة على تخيل قوة كل آلة، في قمة عطائي، لا أتوقف أبداً، وما أن أرى طريقاً جديداً لإحدى الآلات، أحاول بكُلّي...
تعظيم انتقالاتها بيننا.. وتتجلى العظمة كقوة مشتركة، ونبدأ جميعنا بالتخلي عنا..

وعملياً يرانا الجميع، ولا نرانا!

ليبقى سؤال العطاء مرهوناً بـ: «متى آخر مرة تلاشينا فيها؟»

عبق
«تقسيم تريو» أو «ثلاثي تقسيم» بـ«العربية» يصف نفسه بالمزيج القائم على ثلاثة أنفس، تلتقي وتندمج عبر مواهب العزف على: القانون والكلارينت والبزق، ويهدف فيها العازفون: هايتش دوجان، وحسنو شلندر جي، وإسماعيل تونجيلك، إلى إيصال مختلف الأنماط الموسيقية المستوحاة من قلب اسطنبول، كالتقليدي والأرابيسك، إضافة إلى موسيقى الجاز، والموسيقى الكلاسيكية التي تعكس هويتهم الخاصة، ويتجلى ذلك عبر الألبومات والحفلات الموسيقية التي تجمعهم. ويشتغل العازفون بشكل رئيس، على الحوارات والألحان المبنية على تأسيس فضاءات مفتوحة لكل آلة موسيقية، وأثرها على الحالة المبتكرة من قبل العازفين أنفسهم. ويتفرد الـ «ثلاثي تقسيم»، في ابتداع «الميلودي» النوعي، بأبعاد معاصرة.

اقرأ أيضا