الاتحاد

الملحق الثقافي

سان جون بيرس.. أسكن البـرق

سان جون بيرس: وُجد الشاعر بين إنسان الكهوف وسيوجد بين إنسان العصر الذرّي لأنه من صُلبه

سان جون بيرس: وُجد الشاعر بين إنسان الكهوف وسيوجد بين إنسان العصر الذرّي لأنه من صُلبه

أحمد فرحات
ربما كانت الشاعرة والناقدة الأميركية «كاترين بيدل» هي المرجعية الأوثق التي يُركن إليها بخصوص تفاصيل مهمة وتاريخية عن حياة وأدبيّات الشاعر الفرنسي الكبير: سان جون بيرس (1887 – 1975)، لا لشيء، إلاّ لأنها كانت على صداقة عميقة وطويلة مع هذا الشاعر، دامت حوالي الثلاثين عاماً، بدءاً من العام 1940 ولغاية العام 1970، سجّلت خلالها معلومات شخصية وسياسية وأدبية ونقدية، غاية في الأهمية، عن شاعر القرن العشرين، الذي فاز بجائزة نوبل للآداب في العام 1960، والذي يمثل بمفرده ترسانة خاصة واستثنائية في جبهة الحداثة الشعرية الغربية والعالمية على حد سواء.
فلقد ذكرت كاترين في الكتاب الذي صدر باسمها، بعد وفاتها في العام 1977، تحت عنوان:«سان جون بيرس من الداخل.. يوميات غير منشورة لصديقة أميركية 1940 - 1970» (دار غاليمار - باريس - 2011) أن بيرس «كان رجلاً غامضاً، لكنه في الوقت نفسه يمتلك القدرة على جذب الآخرين، بما يتسم به من قوة سحرية في شخصه، كشاعر وليس كدبلوماسي فقط». كما تقول إنه «كان يخطّط لصوغ أسطورته كشاعر كبير، من دون أن يلحظ أحد عليه ذلك، بخاصة أنه كان يرفض بالشكل، دعوات التكريم والاحتفاء العلني به كشاعر، كما كان يُظهر ضيقاً بالجوائز الأدبية، ورفضاً لها، وفي الطليعة بينها جائزة نوبل»، وإنه في المحصّلة الأخيرة، كان لا يهمّه سوى إظهار صورته كشاعر، لا يأبه إلاّ بعالمه الشعري والاحتشاد له بالحواس الخمس... بينما الحقيقة غير ذلك تماماً، من وجهة نظر صديقته كاترين، التي تقول بشفافية «إنه كان يسعى إلى الشهرة بكل ما أوتي من قوة، وقدرة على نسج علاقات إعلامية، مباشرة وغير مباشرة، لأجل ذلك. وكان يهتم بكل مقالة تنشر عنه، مهما بلغ مستواها النقدي أو التقييمي. وأنه كان يحلم بأن يرى صورته على الصفحة الأولى من صحيفة الـ«نيويورك تايمز»، وكان له ما أراد في العام 1948».
وما لم تقله كاترين بيدل في سرديات كتابها، المؤلف من 407 صفحات، قالته للشاعر اللبناني يوسف الخال، عرّاب مجلة «شعر» اللبنانية الشهيرة، حيث كان الأخير قد تعرّف إليها في نيويورك في العام 1948، أيام كان يعمل في دائرة الثقافة والنشر في الأمانة العامة للأمم المتحدة.
ذكر الشاعر الخال في لقاء إذاعي مطول كنت أجريته معه، ضمن برنامج «الخارطة الثقافية» الذي كنت أعدّه وأديره في إذاعة «صوت لبنان العربي» منتصف الثمانينيات أن كاترين بيدل كانت بالنسبة إلى سان جون بيرس بمثابة ماري هسكل لجبران خليل جبران، خصوصاً لجهة الرعاية المالية له، بخاصة بعدما أقاله بول رينو، وزير خارجية فرنسا الغابر من منصبه كـ «أمين عام للخارجية الفرنسية» في العام 1940، فقرر أن يكون منفاه الولايات المتحدة، التي عرفها سفيراً لبلاده في العشرينيات من القرن الفائت.
وكي لا تشعره بالحرج، كرّست كاترين بيدل كل علاقاتها كي يحصل الشاعر «بيرس» على وظيفة «مستشار أدبي» في مكتبة الكونغرس في واشنطن. كما كانت هي وراء أن يكون أستاذاً محاضراً في جامعة هارفرد في العام 1946. وكانت له بمثابة الأم الرؤوم التي يشكو لها كل همومه وكل ما يعترضه من يوميات سخيفة أو ذات قيمة..لا فرق.

بيرس كعالم فيزياء
وعلى لسان كاترين بيدل، ذكر يوسف الخال «أن سان جون بيرس كان مهووساً بالعلم والعلماء، وإلى حد أنه كان يتصرّف في بعض يومياته كعالم فيزياء، يبادل مخزونه الشعري الكثيف التحقّق بمخزونه العلمي الخصب الخيال والتحليق. وهذه المعادلة الإبداعية الذاتية المتقاطعة، وشبه المتوازية، هي التي جعلته يرى الشعر أيضاً وسيلة للمعرفة والتنبؤ العلمي.
وهي التي تفسر لنا دواعي تلكم الصداقات المهمة التي نسجها الشاعر مع فيزيائيين أميركيين كبار من أمثال: إبراهام بايزو، آلان كورباك، غوردن غولد، وجون نيومان، الذي إليه تعود تشكّلات البذور العلمية الأولى لصناعة أفكار النانو تكنولوجي، وريتشارد فاينمان، الفيزيائي العظيم، الذي تنبأ بانفجار تقنية النانو بقوة، مطالع القرن الحادي والعشرين».
هؤلاء العلماء الكبار، وربما غيرهم، كانوا يجدون في شعر سان جون بيرس الرؤيوي الكياني، خيالاً خلاّقاً وباعثاً على المزيد من إلهاب مخيلاتهم، وتحفيز الأساطير المؤسّسة لمشروعاتهم العلمية المحضة، فضلاً عن محاولات فك ألغاز العلاقة بين الإنسان ومحيطه الوجودي.. وبين الدلائل الطالعة من المحيط، والدلائل المختفية في المحيط.. بين عالم السببية وعالم المصادفة، وكل ما يُراهن عليه في «النص البيرسي» من طاقات استكشاف للنوع الشعري المندلع على الفضاءات المستبدلة كلها.
وعلى أي حال، إننا نلحظ ذلك وبنوع من التوكيد الاعترافي على لسان الشاعر سان جون بيرس نفسه في البيان الذي تلاه أمام لجنة نوبل، وآخرين من المدعوين، عشية الاحتفال بتنصيبه فائزاً بالجائزة في العاصمة السويدية، حين قال مركّزاً على التقاء الشاعر والعالم فوق هاوية واحدة، ولا اختلاف بينهما إلاّ في طرق البحث: «قبلت بالنيابة عن الشعر الشرف الذي منحتموه له ههنا، والذي أودّ بدوري أن أردّه إليه. ومن دونكم لا ينال الشعر غالباً قدره الرفيع، وذلك لأنه يبدو أن هناك فصلاً متزايداً بين العمل الشعري وبين مجتمع تستعبده الماديات. يتقبل الشاعر هذا الانشطار، على الرغم من أنه لا يريده. وهذا أمر يحصل لرجل العلم أيضاً، على الرغم من أنه لا يدخل في المجال التطبيقي للعلم. لكن ما يكرّم اليوم هنا، هو الفكر النزيه لكليهما: العالم والشاعر. ههنا على الأقل لم يعد النظر إليهما كأخوين متعاديين، ذلك لأنهما يسبران الأعماق عينها، ولا يختلفان إلا بالوسيلة.
وحينما ينظر المرء إلى حال العلم اليوم في اكتشافه قصور العقل في الرياضيات البحتة، أو حين يرى في الفيزياء نفسها نظريتين عظيمتين، الأولى هي النسبية العامة، والثانية نظرية الكم الداعية إلى الشك واللاحتمية، والتي تحدّ إلى الأبد من دقة القياسات الفيزيائية نفسها، أو حين يسمع أعظم مبتكر علمي في هذا العصر، مؤسس علم الكونيات الحديث، يختصر التركيبة الثقافية العظمى في معادلة رياضية واحدة، ويناشد الحدس نصرة العقل، ويقول بأن«الخيال هو الأرض الحقيقية للعلم»، حتى أنه يذهب أكثر من ذلك، ويدّعي بفضل رجل العلم على الرؤى الفنية الصادقة: أفلا يحق للمرء النظر إلى أداة الشعر على أنها صحيحة كأداة للعقل؟».
ويتابع سان جون بيرس: «الحقيقة، كل ابتكار عقلي هو أولاً خلق شعري بأحسن ما تعنيه الكلمة. ونظراً لوجود تكافؤ بين أساليب الإحساس والعقل، لا فرق بين الأمر الذي يوضع للامتحان في مشروعات العالم أو الشاعر. هل هي الفكرة الاستطرادية أم الانتقالات الشعرية المفاجئة..أيهما ترحل إلى الأقاصي البعيدة؟، وأيهما تعود منها؟ ومن تلك الليلة الأولى التي واد فيها الأكمهان، وأخذا في تلمس الطريق، أحدهما مسلح بالعلم والآخر لا تنصره غير ومضات الخيال. أيهما يعود سريعاً محملاً بالألق الفسفوري؟ الجواب لا يهم. فالسر مشترك بينهما، والمغامرة العظمى للعقل الشعري لا تعدو أن تكون أمراً ثانوياً بالنسبة إلى التطورات المثيرة للعلم الحديث. ذهل علماء الفلك لنظرية تمدّد الكون، لكن التوسع غير قليل في المطلق الأخلاقي لعالم الفرد. كلما تراجعت تخوم العلم، يسمع الإنسان من على القوس الشاسع لهذه التخوم، نباح كلب الشاعر على الطريدة. ولو لم يكن الشعر«حقيقة مطلقة»، كما يقال، فإنه قريب منها، ذلك لأن للشعر توقاً شديداً للحقيقة، وإدراك عميق لها، قائم في الحقيقة في الحدّ الأقصى من التعاون، حيث يتخذ الحقيقي شكلاً له في القصيدة عن طريق التناظر والرمزية، عن طريق الإضاءات البعيدة للصورة الشعرية اللامباشرة، عن طريق تفاعلات هذه الصور في ألف سلسلة من ردود الفعل والتداعيات الغريبة، وأخيراً عن طريق بركة اللغة التي يُترجم بها إيقاع الوجود ذاته، يكسو الشاعر نفسه بسريالية لا تمت إلى العلم بصلة، أو يملك البشر لغة أخرى أكثر إدهاشاً وأكثر جاذبية من هذه. وما دام الفلاسفة أنفسهم يغادرون عتبة الميتافيزيقيا، فعلى الشعراء الرجوع إليها. هكذا فإن الشعر، لا الفلسفة، يبرهن على أنه الابن الحقيقي للأعجوبة».
على أن الشعر، في رأي الشاعر سان جون بيرس، «ليس طريقة للنظر وحسب، إنه أولاً أسلوب حياة، حياة متكاملة. وُجد الشاعر بين إنسان الكهوف، وسيوجد بين إنسان العصر الذري، ذلك لأنه من صُلبه»... و«الشعر الحديث مشغول بمغامرة أنصع من صورها، تتعلق بتكامل الإنسان التام»، ذلك أنه «يجمع بين الماضي والمستقبل بالحاضر» ويجمع «الإنسان بالمدى الإلهي الكوكبي بالمدى الكوني»... و«الغموض الذي يُعاب عليه الشعر، لا يخصّ طبيعته النيّرة، ولكنه يخصّ الليل الذي يسري فيه، ليل الروح والغموض الذي يلف الوجود البشري. الغموض بعيد عن أسلوبه، وهذا الأسلوب لا أقل دقة من العلم». (كل الكلام الوارد في خطبة جائزة نوبل للشاعر بيرس بترجمة من العراقي حسين مجيد).
هكذا يعود شاعرنا، وعلى الدوام، إلى شبك سؤال الشعر بسؤال العلم، ورفعهما إلى مستوى المعرفة المطلقة، وهذا الشبك الكيميائي الواحد، يدأب بذاته على مطاردة خفاياه، وكذلك نار معادلاته المركّبة من التناقض المولّد، ودائماً على طريقته الخصوصية، المشتقة من ذخيرة ثقافاته القارية، المشغولة غالباً بتصريف الأفكار في الأفعال، على رغم كل التعثر والتخبط ومحاولات الاختطاف وتجديد الاغتراب والتعتيم.

الحدس بالعلم ما بعد الصناعي
كان العالم الفذّ «ريتشارد فاينمان» (1918 – 1988) والحاصل على نوبل في الفيزياء في العام 1965، أحد الذين اتصل بهم الشاعر سان جون بيرس، وقرأ عن معجزاتهم العلمية المتجاوزة، خصوصا في مضمار كشف علم جديد سيقلب المفاهيم العلمية السائدة، وسينقل البشرية إلى آفاق غير مسبوقة. إنه علم تقنية النانو، الذي أشار إليه العالم فاينمان في إحدى محاضراته العلمية (لم يسمّه بالتسمية نفسها التي أطلقها في ما بعد، أي في العام 1974 العالم الياباني نوريو تانغاشي) في جامعة كاليفورنيا أكثر من مرة في العامين 1958 و1959. و«تنبأ كل من العالم فاينمان والشاعر بيرس بمستقبل مدهش وغير معهود بإدهاشه لهذا العلم مع مطالع القرن المقبل» (قرننا الحالي) كما جاء على لسان الشاعر يوسف الخال نقلاً عن الشاعرة والناقدة الأميركية كاترين بيدل.
وعلم النانو تكنولوجي باختصار شديد، هو علم تعديل الذرات على أقيسة متناهية الصغر، وتحويل مستبدلاتها ذات الخصائص المتجددة، إلى منتجات فائقة التنوع والاختلاف، تعود بفوائد إعجازية، وغير متوقعة، على الجنس البشري، خصوصاَ إذا ما أحسن استخدامها وتوظيفها.
هل حدس سان جون بيرس إذاً بانفجار ثقافة هذا العلم، ما بعد الصناعي والمسمّى بـ «النانو تكنولوجي» أو «التكنولوجيا فائقة الصغر»، في مختبرات مطالع القرن الحادي والعشرين؟ ربما، لا بل بالتأكيد، لأن المسافة الفاصلة بين أواخر الخمسينيات والأعوام الأولى لقرننا الحالي ضيّقة جداً، والاستقراء فيها، بالتالي، استنتاجي، ماثل وملموس.. عكس الأدباء الذين حدسوا، ومنذ قرون، بفرضيات خيالية عظيمة ترجمت في ما بعد بابتكارات علمية باهرة وماثلة.
وحباً بالاختصار نذكّر هنا برواية «رحلة إلى القمر» منذ القرن السابع عشر للروائي الفرنسي سيرانو دو برجوراك، ورواية «من الأرض إلى القمر» في العام 1865 للروائي الفرنسي جول فيرن، ورواية «آلة الزمن» للروائي البريطاني هربرت جورج ويلز في العام 1895، ورواية «المهندس غارين» للروسي ألكسي نيكولايفتش تولستوي...إلخ.
مقطع الكلام، إن مما يؤكد حدس الشاعر سان جون بيرس والعالم جون فاينمان بانتشار ثقافة علم «النانو تكنولوجي» مطالع قرننا الحالي، هو هذا التوسّع الكبير الذي شهده هذا العلم، بدءاً من العام 2006، وترجم نفسه في نشوء تنافس شرس بين كبرى المختبرات الأميركية والأوروبية والصينية، مع ما يرافقها من ضغوط اقتصادية متزايدة على العلماء والباحثين.
ومن ناحية ثانية استمرت أساليب البيو تكنولوجيا في غزو قطاع علم الصيدلة بعدما سوقت الشركات الكبرى مثل «روش» و«فيزر» و«ميرك» و«نوفارتتيس» وغيرها، لحوالي 40 في المئة من أدويتها بعد إنتاجها بواسطة هذه التكنولوجيا فائقة الصغر. هكذا لم تعد النانو تكنولوجيا (لفظة «نانو» مشتقة من «نانو» اليونانية وتعني القزم) ضرباً من شطح الخيال.
فاجتماع ميكانيكا الكم وعلم الأحياء الجزيئي والإلكترونيات والبصريات، بات يسمح برؤية الذرات والجزيئات التي يبلغ حجمها نانو متر واحد (أي مليار المتر) وبتمييز سماتها والتحكم في كل واحدة منها.
ويتدخل التقنيون على نطاق نانومتري لصناعة أشياء فائقة الصغر (أصغر بـ000 100 مرة من حجم الشعرة) تغزو حياتنا اليومية. فتقنية النانو تسمح باختراع وصناعة أجسام تقل عن 40 نانومتر، أي أقل بكثير من مائة نانومتر، وهو الحجم الذي تمّ التوصل إليه منذ زمن طويل بواسطة التكنولوجيا الإلكترونية العاملة على «السيليس».
وفي مجال الطب مثلاً، يجري اختيار نانو روبوت يعمل على حمل الأدوية، وخصوصاً المضادة للسرطان منها، إلى داخل الجسم وإلى مستوى الخلايا المريضة فيقتلها.
كما تسمح تقنيات نانية بإجراء صورة فائقة الدقة على حدود الجزيئة، وتستخدم الأنابيب النانية لتصغير حجم الدوائر الإلكترونية في مجال المعلوماتية والاتصالات.
كما جرى ويجري ابتكار أقمشة جديدة، داخلية وخارجية، يلبسها المرء، لا تتسخ ولا تتبلل، ومواد أخرى أخفّ من البلاستيك وأكثر مقاومة من الفولاذ لاستخدامها في مجال الطيران.
أما في مجال الإلكترونيات والتجميل والرياضة، فإن ثمة ما يزيد عن 600 سلعة نانية موجودة حالياً في الأسواق الغربية، بينما حظي المجال العسكري بأنظمة مراقبة صغروية، وأنواع جديدة من الأسلحة، ستكون متوافرة كمنجز اختراعي قريباً، أو هي متوافرة حالياً، لكنها ليست قيد التداول كسلعة، نظراً لخطورة انتشارها في بلدان المنشأ، وتحصيل حاصل في البلدان المزمع تصديرها إليها بشروط لاحقاً.
ويتحدث العديد من علماء النانو تكنولوجيا، عن إمكانية صنع مركبات فضائية بحجم الذرّة،
وهي مركبات «لا تعرف التحطّم ولا الذوبان ولا حتى الضياع في مجاهل الكون العميق المخيف» على حد تعبير عالم النانو تكنولوجيا الياباني «سوميو ليجيما» الذي يضيف: «بأن أنظمة فكرية وأيديولوجية غيبية كثيرة ستتبدل جراء هذه المكتشفات. وهي ستحدث، ولا شك، ثورات في علم اكتشاف الفضاء، تقربه منّا، كما لو أنه في متناول اليد أو على مرمى العين المجردة».

محركات الخلق والتكوين
يؤكد إريك دريكسلر (مواليد 1955)، المفجّر الفعلي لعلم النانو تكنولوجي في الولايات المتحدة في التسعينيات من القرن الفائت، وصاحب كتاب: محرّكات الخلق والتكوين، على أن مستقبل البشرية سيُبنى في المستقبل القريب على فانتازيا وقائع علمية ماثلة، قارّة وحسيّة، لا يصدقها عقل ولا يحدّها خيال.

وينقل عنه الفيزيائي الأميركي من أصل لبناني، البروفسور طانيوس العشي (خلال محاضرة لدريكسلر في «معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا») «إن العلم النانوي سينتقل من جنون إلى جنون أكبر.. وسيصاب بسكتة الجهل المطبق، كل من لم يدرّب نفسه كبشري على استيعاب هذه الثقافة العلمية الإنقلابية، ويهضم، على الأقل، دواعيها ووعي نتائجها».

ويردف العشي قائلاً «إن هذا الكلام يوجهه العالم دريكسلر إلى المجتمع الأميركي أكثر من غيره من المجتمعات، لأن نسبة طلاب العلوم الأميركيين في الجامعات الأميركية، بدأت تتراجع على نحو مقلق، ولاسيما في أقسام الفيزياء النووية، والرياضيات الجديدة، والكيمياء العضوية المتطورة؛ وهذه الفراغات بدأ يسدّها طلاب علوم أجانب، تستقطبهم الجهات الرسمية الأميركية على الفور، تغريهم بالجنسيات السريعة، وتسهّل لهم أمورهم الشخصية والحياتية كافة، ليصيروا جزءاً لا يتجزّأ من آليات منظومة العلوم فائقة التطوّر لديها، ولكي تظل أميركا ريادية وصاحبة قصب السبق علمياً على مستوى عالمي».
ويشير دريكسل في كتابه «إلى أن الكون كله مكوّن من ذرات وجزيئات، وأنه لا بدّ من نشوء تكنولوجيا للسيطرة على هذه المكوّنات والاستفادة القصوى منها، وعلم النانو تكنولوجي هو العلم المعني بالسيطرة هنا. ولقد بدأ يترجم نفسه بجدارة على الأرض، وينتظر منه الكثير».
بوجيز العبارة، إن ثورة علم النانو ما زالت في بداياتها، ولا يمكن إلا أن تثير الكثير من التحدّيات. فبعض مبادئ عمل المادة وتنظيمها على النطاق النانومتري، ما يزال غير معروف بدقة من جانب العلماء. لذا يطرح برنامج بناء تجهيزات تربط الذرات والجزيئات بعضها ببعض، أسئلة لا ينفك العلماء يشتغلون عليها في المختبرات النانوية المتقدمة في كل من الولايات المتحدة والصين واليابان وألمانيا وفرنسا وبريطانيا وهولندا. كما أن معظم أنواع الجزئيات والتجهيزات النانومترية، كالبيوجزئيات، يطرح مشكلات كبيرة على التقنيين يجري العمل حثيثاً على حلّها.
لكن وعلى الرغم من كل الصعوبات، فإن الثورة النانوتكنولوجية تثير حلم وشهية الدول التي تدعمها أكثر فأكثر، حيث رصدت بعض دول الاتحاد الأوروبي، منذ العام 2007 ولغاية نهاية العام 2015، 2 مليار يورو لدعم الأبحاث في هذا الميدان العلمي الدقيق.
وهو مبلغ تخطّى بكثير ما تنفقه الولايات المتحدة على مختبرات النانوتكنولوجيا فيها، لكن السباق محموم مع دول آسيوية كبرى مثل الصين، التي تنفق أضعاف ما تنفقه أميركا وأوروبا معاً على هذا المضمار العلمي المثير.
ويتوقع خبراء فرنسيون في مجال النانو تكنولوجيا، أن الصين هي التي ستفاجئ العالم كله، وقبل الولايات المتحدة وأوروبا، في إظهار المنجزات العظيمة الجديدة والمبهرة للمكتشفات المتولّدة عن التقانة النانوية، ولاسيما على مستوى التطبيقات المتعلقة بالفضاء الخارجي وارتياده، وخصوصاً لجهة تجاوز كواكب نظامنا الشمسي.

الحس الشعري وفيزياء المستحيل
إذا ما استطردنا في الكلام على المعجزات العلمية التي ستنتج عن انفجار معادلات التقانة النانوية لاحقاً، ومنها، مثلاً، صنع سيارة بحجم حشرة، وطائرة بحجم بعوضة، تكبران وتصغران بحسب حاجة البشر إليهما.. وكذلك صنع مصعد عملاق بين الأرض والسماء، يصلنا بكواكب أخرى، صعوداً وهبوطاً... وبالعكس، تكون أسلاكه مصنوعة من المواد النانوية الفائقة القوة، والتي لا تتلف أبداً، ولا تعطّلها حرارة أو برودة، أو تستنفدها طاقة، تجدّد نفسها بنفسها من خلال الذرات وجزيئاتها المحيطة بها..
إذا ما استطردنا بذلك، فإن مثل هذا الكلام يبدو لقارئه غير المعني بـ «علم ما بعد العصر الصناعي»، خرافياً جداً، أو هو اللامعقول بعينه، أو أن أصحابه، مثلاً، أصابهم مسّ في عقولهم ونفوسهم المجنونة المجدّفة، بينما هو ليس أكثر من معادلات علمية واقعية يجري الاشتغال عليها بدأب مفتوح، ومن قبل عقول بشرية عالمة، متفوقة وبالغة الذكاء، خصوصاً على مستوى علم الفيزياء النووية، أو ما بات يسمى بـ «فيزياء المستحيل»، كالعالم الأميركي من أصل ياباني ميتشيو كاكو، الذي ألّف كتاباً تحت عنوان «فيزياء المستحيل»، تطرّق فيه إلى التقنيات المستحيلة للفيزياء، مصنّفاً إياها في ثلاثة أقسام: الأول، تقانات مستحيلة حتى اللحظة. الثاني، تقانات على تخوم فهم العامة لعلم الفيزياء. الثالث، تقانات تناقض قوانين الفيزياء في الأصل والفصل. وعلم النانو تكنولوجي هو قمة علم فيزياء المستحيل، أو هو «جحيم» ميدانه الضروري الأخاذّ والبادئ بالتحقق شيئاً فشيئاً.
وما كان أروع الفيزيائي الفذّ «ميتشيو كاكو» عندما تحدّث في كتاب سابق له عن «كون ألبرت آينشتين»، وجعل هذا العالم الكبير يفكّر بحس الشعراء وغموض عوالمهم، أو بالأحرى جعله شاعراً وعالماً بالنسبية في آن معاً. كما استشهد في مقدمة كتابه «فيزياء المستحيل» بجملة لآينشتاين تقول: «إذا لم تكن الفكرة من البداية عبثية، فلا أمل فيها».
ونضيف عليه من أقوال أخرى لآينشتاين، كان ساقها في لقاءات متكررة مع صديقه الألماني ويليام هيرمانز في الثلاثينيات من القرن الفائت، ومنها: «أجمل إحساس هو الغموض، إنه مصدر الفن والعلوم معاً»، «الحدس هو أبو المعرفة الجديدة، في حين أن التجريب لا يعدّ شيئاً سوى رصف للمعارف القديمة، الحدس هو الذي يقود البشرية إلى الأمام»، «ما قدمه كونفوشيوس وبودا وطاغور (كشعراء كل على طريقته) للإنسانية أكثر مما قدمه العلم».
هكذا إذاً، يعود العالم الكبير إلى مرجعية الشاعر الكبير، يستمدّ منه مادته العلمية، مفروشةً في مدى نصيّ شعري كيانيّ «غامض» أو مكلل بفانتازيا أعاجيب تصورات المخيلة الشعرية، التي تهزّ بدورها عقل العالم وتحوّلاته الفيزيائية والرياضية، فيبني بأدواته العلمية بعدها، ما يدهش الإنسان ويخدمه في مسيرته على هذه الأرض.
وطوبى للشاعر العظيم سان جون بيرس، الذي كان يتخيلّ نفسه عالماً فيزيائياً عظيماً، إذ يقول: «سمّوني الغامض، وكان حديثي البحر... سمّوني الغامض وكنت أسكن البرق».

سكتة الجهل المطبق
ينقل الفيزيائي الأميركي من أصل لبناني، البروفسور طانيوس العشي عن العالم دريكسلر (خلال محاضرة لدريكسلر في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا): «إن العلم النانوي سينتقل من جنون إلى جنون أكبر.. وسيصاب بسكتة الجهل المطبق، كل من لم يدرّب نفسه كبشري على استيعاب هذه الثقافة العلمية الانقلابية، ويهضم، على الأقل، دواعيها ووعي نتائجها».
ويردف العشي: «هذا الكلام يوجهه دريكسلر إلى المجتمع الأميركي أكثر من غيره؛ لأن نسبة طلاب العلوم الأميركيين في الجامعات الأميركية، بدأت تتراجع على نحو مقلق، لا سيما في أقسام الفيزياء النووية، والرياضيات الجديدة، والكيمياء العضوية المتطورة، وهذه الفراغات بدأ يسدّها طلاب علوم أجانب».

«نانو» فضائي
يتحدث العديد من علماء النانو تكنولوجيا، وبكثير من الثقة، عن إمكانية صنع مركبات فضائية تسير بأسرع من الضوء، الواحد منها بحجم الذرّة، تجوب الفضاءات المنظورة وغير المنظورة، داخل نظامنا الشمسي وخارجه، وبطاقة تسيير مستمدة من محيطها، ومتكيّفة مع أي درجات حرارة، أو أي درجات برودة تصادفها، لدى هذا الكوكب أو ذاك، وهي مزودة بكل ما تحتاجه تقنيات بثّ الصور والمعلومات بلا انقطاع، وبحسب ما يتوخاه منها مشغلوها على الأرض.

وداعاً للحروب المائيّة
ستكون السنة 2030 سنة مفصلية صينية على الصعيد النانوي الفضائي العجيب، فضلاً عن سائر الصناعات النانوية الأخرى، وذات الصلة «مثالاً لا حصراً» بالطب والعسكرة والبناء والإصلاح الزراعي وجعل التربة، مثلاً، تنتج ثلاثة مواسم من القمح سنوياً، علاوة على تنقية المياه بصورة كاملة، وسرعة إنتاج مياه البحر المحلاّة، ما سيحدّ من مشكلات شحّ المياه العذبة والصراع الاستراتيجي عليها في العالم.

* سمّوني الغامض، وكان حديثي البحر... سمّوني الغامض وكنت أسكن البرق
* الشاعر والعالم يلتقيان فوق هاوية واحدة ولا اختلاف بينهما إلاّ في طرق البحث
* الغموض الذي يُعاب عليه الشعر لا يخصّ طبيعته النيّرة، بل يخصّ الليل الذي يسري فيه
* الشعر لا الفلسفة يبرهن على أنه الابن الحقيقي للأعجوبة
سان جون بيرس

اقرأ أيضا