الاتحاد

دنيا

الخلاص من الآخر

أشرف عبدالمنعم:
فكر ألف مرة في أن يبحث عن صدر حنون أو مخبأ يلوذ به· لا طمعا في أن يحل له مشكلته أو يعفيه منها أو يرفع العبء عن كاهله، بل يستمع إليه على الأقل، ويشاركه الحوار حول هذه الشكوك التي تنبتها الظنون، ويحصدها وحده· ليس متأكدا تماماً، وحناياه ترفض هذه الشكوك، ويتمنى أن يكون مخطئا، وكلما خلا إلى نفسه، حاول أن يلتمس لها البراءة، وألقى باللوم على نفسه· لكن كرامته كزوج تأبى عليه الاستسلام لحسن الظن··· ولابد أن زوجته تخونه بالفعل·
قلب الأمر على وجوه متعددة، وأخذ يبحث عن صيغة يمكنه من خلالها أن يبث شكوكه لشقيقها دون أن يفجعه، لكنه فشل· فتجاوز فكرة اللجوء إلى هذا الشقيق الذي سوف ينحاز إلى شقيقته دون أن يترك له فرصة يكمل الحيثيات التي بنى عليها شكواه، واتجه بفكره إلى شقيقه هو· رغم أنه يعرف مقدما ما سوف يلقاه· فقد حذره من هذه الزيجة يوم ذهب يدعوه لكي يرافقه لطلب يدها من شقيقها، وقال له يومها أن هذه الفتاة لا يشفع لها أبدا أنها من أسرة طيبة· لأنها بعد أن حصلت على شهادتها المتوسطة عملت في محلات القطاع الخاص واكتسبت الكثير من التجارب التي علمتها الجرأة في الأحاديث والتطاول على الرجال، وأذهبت عنها الضعف والخجل الذي إذا فقدته الأنثى أصبحت غير مرغوبة دون أن تشفع لها درجة جمالها مهما كانت عالية·
وحينما فشل شقيقه في أن يقنعه بالعدول· لم يجد مفرا من أن يعاونه أدبيا، وماديا ويرافقه إلى أهلها في طلب يدها، لكنه في كل مرحلة كان يذكره بما حذره منه، ولا ينسى أن يقول له إنه ينبهه إلى ما قد يأتي به المستقبل وقبل هو التحدي·
وحتى عندما بدأت الخلافات الصغيرة في العام الأول كان يستمع إلى شكواه لكنه لا يتدخل ويطالبه بألا يسمح لأحد بالتدخل بينه وبين زوجته وأنه لا توجد مشكلة زوجية عصية على الحل بين الرجل والمرأة طالما النيات الحسنة موجودة وقائمة ونشطة· إلا أن تكون كامنة وأسباب الكمون متعددة ومتنوعة·
الصديق
ولعل هذه الجفوة التي راعته من شقيقه أكثر من مرة هي التي دفعته إلى أن يصادق الرجل الآخر الذي وجده يقتحم حياته متسللا دون أن يملك ردعه أو رده·
فالرجل يعمل مقاولا من الذين يجري الرزق إليهم· فهو يعرف ويجيد كل وسائل استئناس الرزق واصطياده· وبواسطة هذه الوسائل عرفه وصادقه فهو بحكم عمله كمحاسب في هذا القطاع يملك تسهيل الكثير من الأعمال وإنهاء كل مستخلصاته لدى الشركة مقابل بعض الهدايا وبعض المبالغ، وتوطدت الصداقة التي كانت في صالح المقاول الذي وطد صلته بالزوجة الطموحة بإغداق الهدايا التي تهفو إليها قلوب السيدات من الحرير، والذهب· وكان لابد أن يرد هو على هذه الهدايا بولائم صغيرة يقيمها بين الحين والحين في البيت، وهكذا، وفي شهور قليلة كان للمقاول المكان الممتاز في البيت وحصل على حق الحضور دون استئذان وفي الوقت الذي يريده· وشيئا فشيئا أعطت المرأة الحق لنفسها في الخروج معه على أن تترك ورقة تقول فيها للزوج إنها خرجت مع صديقه لشراء كذا وكذا قبل موعد إغلاق المحلات·
ومنذ أن بدأت الشكوك تراوده، ولمح لها بأنه يتهمها وردت عليه بأنه يغار، وأنها الغيرة لا الخيانة· فهي تملك من الأخلاق ما يعصمها من الخيانة· لكنه هو الذي وضع نفسه في وضع أدنى حينما قبل هداياه أو رشاواه بالاسم الحقيقي، ولا مهرب له من هذا الوضع الذي ارتضاه وهي لا تستطيع بأي لغة أن تطرده إذا جاء أو ترفض الخروج معه، وهو لا يدعوها إلى الخروج إلا لكي يضيف إلى هداياه هدايا جديدة· فليقل له هو إذا أراد، وإذا كان يستطيع أن يضع على وجهه قناع الأسد، ويزأر في وجهه معلنا أنه لا يريده في عرينه· وهو بالفعل فكر في أن يقول له هذا مرارا· لكنه كان يتراجع لحظة أن يراه· فقد تعود أن يعامله بكل أدب واحترام· حتى بعد أن أغرقه بالهدايا، والرشاوى التي أثقل بها عليهما لعل ذلك يضايقه فيتراجع من نفسه ويوفر عليه معاناة المصارحة، إلا أن الرجل لم يتراجع· بل ازداد اقترابا وأمعن في رفع الكلفة وكان يقول لهما أنه يعتبر نفسه مسؤولا عنهما ويرجوهما ألا يحرماه من شرف مساعدتهما· ولعله اعتبر ذلك اعترافا غير مشروط بحقه في أن يخترق حياتهما كما يريد·
شك أم حقيقة؟
والآن ماذا يفعل؟ وقد أصبح يكرهه، ويود أن يزحزحه عن حياته حتى ولو خسر مورد الرزق الذي يتدفق عليه؟ وفي صخب كل هذه الهواجس والشكوك تحدثه نفسه أن الأمر قد يكون كما تقول هي· غيرة لا أكثر ولا أقل· لم تصل، ولن تصل إلى حد الخيانة، فحتى هذه اللحظة ليست هناك الأدلة التي تؤكد· بل العكس هو الأصح، وكل الأدلة تنفي وقوع خيانة من أي نوع· أخلاقيات الرجل وأخلاقيات الزوجة ووجوده وكيانه كرجل يحمي بيته· حقيقة أنه كان مضطرا لاستقباله في البيت لأنه لا يمكن أن يتقاضى منه رشاوى في المكتب· لكنه يقظ، وذكي وواع· كما أنه يعرف كيف يحكم قبضته على أنثاه··· لماذا إذن كل هذه الهموم والشكوك القاتلة·
تلك الشكوك انبعثت من تأخرها معه في الليل أكثر من مرة· انبعثت من الأسلوب الذي تتعامل به معه حتى في وجوده· من انصياعها لأوامره حتى لو كان في ذلك مخالفة لأوامره الصريحة· من هذا الذي يلمع في عيونهما في كل مرة يعودان فيها من الخارج ليلا أو نهاراً· انبعثت أيضا من المكالمة التي تلقاها من زوجته، وبعد أن تأكدت من أنه هو الذي يرد على مكالمتها انهالت عليه بالشتائم ووصفته بأوصاف يقشعر لها البدن ثم أغلقت الخط دون أن تنتظر رده ولم يفتح فمه بكلمة مما سمع· فلم يكن في وسعه إلا الصمت··· إنها مشكلته ولن تحل إلا على يديه· لا بد من إزاحته من الطريق·
خيوط الجريمة
أخرجه رنين التليفون من دائرة الهموم، وإذا بها تعتذر له عن التأخير وتطمئنه على أنها مع الصديق الذي حدثه هو الآخر وقال إن عليه ألا يقلق· فهما ينتظران 'الكباب' حتى يستوي وبعدها يطيران إليه· وقال هو إنه سوف يضع زجاجات 'البيرة' في الثلاجة إلى أن يصلا، وقام فنفذ ما وعدهما به·
وبينما يضع الزجاجات في الثلاجة لمعت في رأسه فكرة جهنمية، فتردد ثم أقدم عليها مدفوعا بما كان يعانيه· بحث عن شيء معين دسه في 'زجاجة من الزجاجات' ثم أعاد غلقها بإحكام وترك عليها علامة يميزها بها عن غيرها· ودار المفتاح في باب الشقة، ودخلا عليه· فقام يستقبلهما كالعادة وأعدت الزوجة الكباب في الأطباق وقام هو فجاء بزجاجات 'البيرة' ووضع لكل زجاجته أمامه وبدأوا يلتهمون الطعام والشراب ويتبادلون النكات وفجأة أمسك كلاهما ببطنه يصرخ ويطلب نقله إلى المستشفى قبل أن يموت واتصلت هي بشرطة النجدة، ونقلت الإسعاف المصابين وبذل الأطباء جهودا شاقة لإنقاذهما، وبدأت التحقيقات بعد أن قرر الأطباء أن أحدهما أكل 'سم الفار' في الكباب· أما الثاني فقد شرب 'المبيد الحشري' مع زجاجة 'البيرة'· كانت فكرة الخلاص من الآخر قد واتت كليهما في نفس الوقت· وألقت نيابة شرق القاهرة القبض على كليهما بتهمة الشروع في قتل الآخر وأفرج عن المرأة بعد أربعة أيام وأثبت محاميها أنها لم تحرض ولم تشترك· فقد برأها كلاهما واعترفت بأنها لم تكن تعلم بالصراع الخفي الذي يدور بينهما·

اقرأ أيضا