الاتحاد

دنيا

عندما ترتدي تركيا ثوبها الأبيض

اسطنبول - سيد عبد المجيد:
تغير لون بلاد الأناضول في الأسابيع الأخيرة وتحول اللون من شديد الاخضرار إلى الأبيض الشفاف· انها الثلوج والمسماة في اللغة التركية 'كار'· عندما تغطي الأناضول توصف بالنعمة واختفاؤها نذير شؤم· تلك هي ثقافة الجميع بسطاء وغير بسطاء· وهو ما يعني أن هذا الطقس الذي يوصف في بعض وسائل الإعلام بالطقس السيئ، بات جزءا لا يتجزأ من الحياة الاجتماعية التركية· صحيح أن الحوادث تقع على الطرق ويروح ضحيتها بضع عشرات من المواطنين كل عام، إلا أن ذهن الأناضولي، المؤمن بقضاء الله وقدره يقول انها أعمار مكتوبة ولكل أجل كتاب·
رحلات الشتاء
وهكذا تسير الحياة في مجراها، حتى وإن اختفت بعض مظاهرها· فقد تعود الناس أن تعطل المدارس لبضعة أيام -كما هو حاصل الآن- ليعوض التلاميذ ما فاتهم في الربيع· وهؤلاء الذين يسافرون الى الأقاليم تعودوا أن تطول رحلاتهم فهذا هو الشتاء· والحق أن الحافلات تأخذ احتياطات شتى للتغلب على مخاطر السير، وفي المجمل العام تظل الحوادث في حدود معقولة·
أما المسافرون الى خارج تركيا فيحتاطون للأمر وذلك بالخروج من منازلهم قبل وقت كاف تحسبا لطريق المطار· ورغم ذلك لا يتذمرون عندما يكتشفون إن رحلاتهم تم إلغاؤها، فيعودون من حيث أتوا مؤمنين بأنه ليس مكتوبا لهم السفر وان تلك هي مشيئة الله·
قلما تغلق المؤسسات الرسمية وغير الرسمية أبوابها إلا في حال حدوث أعاصير ثلجية، وحتى لو قلت نسبة المواطنين المتعاملين، بل ان أجهزة قطاع الخدمات في كافة الأقاليم تتخذ وضعاً استثنائياً· فهي لا تعرف الاجازات وثمة حالة طوارئ قصوى لمواجهة تداعيات الشتاء القارس·
نبض الحياة
اما في اسطنبول، ولأنها قلب الحياة التركية، فالحركة فيها تجاهد الطقس وتتعامل معه حتى لا تتوقف، وتصاب بالشلل· في ساعات الليل يبذل رجال البلدية بمعاطفهم الفسفورية تؤازرهم سيارتهم المجهزة جهوداً مضنية لإزالة أكوام الثلوج من الشوارع، استعدادا لاستقبال الصباح· وها هو 'تقسيم' أشهر ميادين المدينة على عادته خصوصاً في ساعات النهار يعج بالنشاط· المركبات العامة تخرج من محطاتها حاملة ركابها تسير في الجانب الأيمن المخصص لها ولكن بحذر، تشاركها سيارات التاكسي التي تسير هي الأخرى ببطء· وفي كل الأحوال لا خروج عن قواعد المرور واحترام إشاراته· اما المواطنون فهم يعرفون حدود حركتهم وقد تدثروا بكل أنواع الملابس الثقيلة·
وفي المرافئ حيث وسائل النقل البحرية من ضفة إلى أخرى، تنتشر أتوبيسات البحر· وفي حال بلغ الطقس أشده يغلق 'البوغاز' أمامها وعلى مستخدمي هذه الوسائل تدبر أحوالهم واتخاذ وسيلة أخرى بديلة·
شارع 'استقلال' الشهير، روح ميدان تقسيم وعنوانه، يبدو وكأن له حياتين: فخلف الزجاج خصوصاً في المطاعم يتخفف الرواد من معاطفهم وتتحرر رؤوسهم من شبقاتها (طاقيات من الصوف تغطي الرأس بالكامل) وتظهر الأيدي التي تحررت هي الأخرى من 'الكفوف'، تحتضن أطباق الشوربة الساخنة· أما في عمق الشارع فالعكس هو الصحيح، والحكم هو واقيات المطر (الشماسي) التي نادراً ما تجد الواحدة منها تشبه الأخرى التي تجاورها· ورغم أن الشارع مخصص فقط للمشاة إلا أنه سمح للترام التقليدي صغير الحجم بالسير فيه بحركة بطيئة صيفاً أو شتاءً لأغراض السياحة··· ولأنه أحد مكونات استقلال وذكرى من الماضي يحرص القائمون على استمراره، ولهذا يقوم رجال البلدية ليلاً ونهاراً بإزالة الثلوج المتراكمة على طول الشريط الحديدي الذي يتساوى سطحه مع حفة الشارع·
الاقتصاد غير الرسمي
في الأركان يتعايش الاقتصاد غير الرسمي جنباً إلى جنب مع الثلج والأمطار· فالباعة الجوالة كما هم، ينتشرون في الزوايا لا يختفون حتى لا تختفي لقمة العيش، ولكنهم بطبيعة الحال يتكيفون مع الشتاء القارس وما يعرضونه للبيع يتمحور معظمه حول حاجيات الشتاء· فالملابس من كل نوع: معاطف وكنزات وشماسي تقي من الأمطار وأحذية سميكة· اما الأسعار فلا تقارن بتلك الموجودة بالقرب منهم خلف زجاج الواجهات الفخمة· هؤلاء الباعة الجوالون لهم زبائنهم رغم إدراكهم أن المعروض أمامهم قليل الجودة··· لكن للفلوس أحكام وكله يؤدي الغرض·

اقرأ أيضا