الاتحاد

الملحق الثقافي

غاب «المفكر الكبير».. فصار الصغار «كباراً»

عمل فني للفنان أشرف بزناتي (أرشيفية)

عمل فني للفنان أشرف بزناتي (أرشيفية)

د. سعيد توفيق
تلك قضية من القضايا التي ينبغي أن نطرحها صراحةً على أنفسنا، وهي مكانة الفكر والفلسفة في عالمنا العربي: فعلى أي أساس أو معيار يمكن أن نصف كاتبا ما بأنه فيلسوف أو مفكر كبير؟ ولن نجانب الصواب إذا قلنا أن تعبير «المفكر الكبير» أصبح يمثل ظاهرة في سياق الثقافة السائدة في عالمنا العربي، سواء على المستوى التعليمي أو الإعلامي؛ ومن ثم على مستوى الثقافة الرائجة لدى الإنسان العادي أو رجل الشارع.

«المفكر الكبير» تعبير متداول في العالم المتقدم عمومًا، سواء أكان العالم الغربي أو عالم الشرق الآسيوي، ولعله يكون عندنا بمثابة ترجمة حرفية لتعبير great thinker. ولكن هذا التعبير، وإن كان متداولًا في بلدان العالم المتقدم أو المتحضر؛ فإنه لا يشكل «ظاهرة»، أعني أنه لا يكون متداولًا على نطاق واسع، وإنما على نطاق محدود، وخاصة في الأوساط العلمية والأكاديمية؛ ولذلك فإننا نجد- على سبيل المثال- سلسلة من سلاسل الكتب الرائجة تصدر بعنوان أقرب إلى هذا التعبير، وهو «عقول كبيرة» great minds، وهي السلسلة التي قمت مؤخرًا بترجمة أحد إصداراتها عن دار بلاكويل للنشر. أما في عالمنا العربي، فإننا نستخدم تعبير «المفكر الكبير» وأشباهه بإسراف، بل إننا عادةً ما نستخدم تعبير «المفكر الكبير» مسبوقًا بلقب «الفيلسوف»؛ فيُقَال في التقديم لبعض الشخصيات: الفيلسوف أو المفكر أو الأديب الكبير فلان الفلاني. يحدث هذا كثيرًا في مصر، حتى ذاعت أسماء كثيرة في مصرنا، ومن ثم ذاعت أيضًا في عالمنا العربي (وربما ذاع بعضها في العالم الغربي بالتبعية ولأسباب أخرى سياسية) دون أن يكون لها قيمة في مجالات المعرفة أو الفكر أو الأدب... أسماء ذاعت أو أذاعوها علينا بإلحاح، وهذا الإلحاح يعمل على ترسيخ الاعتقاد لدى العوام وأشباه المثقفين بأن هذه الأسماء تستحق التقدير بالفعل.

حصانة مزيفة
يحدث هذا في عالمنا العربي على المستويات كافةً، ويحدث هذا بصورة كثيفة خاصةً في مصر: ففي مصر يتداول الإعلام أسماءً بعينها كما لو كانت «أيقونات» مبجلة قد اكتسبت حصانة مزيفة (وهي مزيفة لأنها حصانة منحها من لا أهلية له لمن لا يستحق). يحدث هذا بفعل الترويج الجاهل لأسماء تم رفعها- في غفلة من الزمن- إلى مصاف الفلاسفة والمفكرين الكبار، وهو ترويج جاهل بلغ أقصاه حتى وصف واحدًا من هؤلاء باعتباره الفيلسوف والمفكر والأديب الكبير! رغم أن مثل هذا الشخص صنع شهرته الأدبية على رواية مسروقة من كاتب إنجليزي قديم، واستمرأ السرقة الأدبية والفكرية، ولكنه أصبح يمارسها بقدر أكبر من الاحتراف بعد أن ذاع صيته بين العارفين كسارق للكتب والأفكار. ورغم أن وقائع السرقات العلمية تم نشرها موثقةً، فإن هذا لم يفت في عضده وجلده السميك؛ لأنه أصبح مطمئنًا إلى الحصانة المزيفة التي نالها، والتي يتواصل تأثيرها- مع ذلك- بفعل إلحاح الإعلام المغيَّب الذي يشبه تأثيره فعل السحر في نفوس الناس في الداخل والخارج. وقد ذاع صيت أستاذ جامعي آخر على أساس من الترويج الإعلامي الذي اهتم بواقعة التفريق بينه وزوجه، فأصبح اسمه مقترنًا بفترة حالكة من تاريخ مصر لا تزال آثارها ممتدة، حيث حاصر التفكير الديني الظلامي المشهد الثقافي في مصر، وفي غيرها من العالم العربي.
حقًا إن النموذج الأول لا ينبغي أن يُقَارن على الإطلاق بهذا النموذج الأخير؛ لأن النموذج الأول يخص الباحث أو الأستاذ المدلَّس، بينما النموذج الأخير يخص الباحث أو الأستاذ المتميز. ولكن كلًا منهما لا يصح أصلًا أن نتخذه كنموذج للفيلسوف أو المفكر أو الأديب الكبير، ولا يليق أن نضع مثل هذه الأسماء بجانب قامات كبيرة مبدعة حقًا من قبيل: طه حسين ونجيب محفوظ، بادعاء أنها تضارع هؤلاء الكبار حقًا وتشاركهم محنة الفكر والإبداع نفسها التي سبق لهؤلاء الكبار أن عايشوها في مواجهة قوى التكفير الديني الظلامية! فالواقع أن مثل هذا الخلط الوضيع بين الغث والثمين قد نشأ بفعل إعلام جاهل يروِّج لثقافة اجتماعية هشة ومزيفة؛ ومن ثم يسعى- عن وعي، وغالبًا دون وعي- إلى تهميش الثقافة الحقيقية ممثلة في رموزها من المبدعين الحقيقيين الذين أنتجوا الفكر والفن والأدب عبر مساهمات إبداعية في سياق تحرر الوعي العربي وتنويره، لا أولئك الذين تعالى ضجيج أصواتهم بكلمات جوفاء عن التنوير، دون أن يقدموا عملًا إبداعيًا واحدًا يمكن حسابه على التنوير الثقافي والمجتمعي!
هذا السياق الثقافي- المزيف بفعل تعليم تم تجريفه، وإعلام تم تسييسه وتجهيله- هو السياق ذاته الذي يتناسى ويتجاهل المبدعين الحقيقيين في حياتنا، ويكفي أن أذكر هنا الدكتور فؤاد زكريا الذي أعده واحدًا من أعظم ممن أنتجوا الفكر الفلسفي كفكر نقدي في عالمنا العربي خلال النصف الثاني من القرن العشرين؛ فهذا الأستاذ العظيم- الذي عرفته عن قرب في أواخر حياته- لم يتم إغفاله على المستوى الإعلامي فحسب، وإنما أيضًا على المستوى الرسمي ممثلًا في الموظفين الكبار القائمين على شؤون الثقافة في مصر حينما حرموه من أرفع جائزة للدولة، ومنحوها لمن هم أدنى منه بكثير كلما طُرِح اسمه على مر السنين. ولا يمكنني أن أتناسى هنا تلميذ فؤاد زكريا الصديق المرحوم محمود رجب الذي أعده واحدًا من الفلاسفة الحقيقيين في عصرنا، وإن أغفله السياق الذي وجد نفسه فيه، كما أنه هو نفسه لم يسع للترويج لكتاباته إعلاميًا أو حتى بنشرها بطريقة تليق بها من خلال دور النشر المعروفة، وهو ما أحاول مع بعض من أصدقائه المخلصين أن نتداركه الآن.

تطاول الصغار
هذا السياق المزيف هو ما شجع الصغار على الترويج لأنفسهم دون وجه حق باعتبارهم كبارًا، فراحوا يفتشون في جعبتهم عن شيء ما يمكن أن يُحسب على الإبداع فيجعلهم كبارًا، فلما لم يجدوا من ذلك شيئًا، راحوا يسطون على كتب وإبداعات الآخرين منذ عقود طويلة خلت، فإن لم يجدوا راحوا يثيرون القضايا الخلافية في أمور الدين، واتخذوا إزاء هذه القضايا أشد المواقف تطرفًا حتى يلفتوا انتباه العوام ويثيرون حفيظتهم، لقد استمرأ هؤلاء الصغار هذا الموقف الأخير الذي يصنع الشهرة على عجل! وكأن لسان حالهم يقول لأنفسهم: ففيم ولماذا إذن يكون الجدل والبحث والتدقيق الذي يستغرق عناء السنين، دون طائل من ورائه؟!
ولكن هذا الخلط يتخذ في حياتنا الثقافية صورة فجة هزلية، حيث أصبح الكثيرون يستثمرون وضع تخلف الوعي الديني في واقعنا الإسلامي، وتناحر الفرق والمذاهب لأسباب سياسية تتدخل فيها قوى إمبريالية، فيستثمرون هذا الوضع المتأجج ليدلوا بدلوهم فيه طمعًا في الشهرة المزيفة، زاعمين أو متوهمين أن ما يكتبونه هو فكر فلسفي، في حين أن لا علاقة له بالتفلسف، وإنما بالدراسات السياسية والاجتماعية التي لا يملكون عدتَها وعتادَها، ويعتمدون في كتاباتهم على إثارة العوام الذين يختلفون حول ما يكتبون بحسب انتماءاتهم الدينية الضيقة، فيذيع بذلك صيتهم من خلال هذا الاختلاف، بل إن بعض هؤلاء الكتاب في ثقافتنا المريضة يذهبون إلى ضد ما يؤمن به العوام وكأن لسان الواحد منهم يقول: كفروني.. كفروني.. أرجوكم أن تكفروني! مثل هؤلاء لا يعرفون الكتابة عن فلسفة الدين بما هو دين؛ ومن ثم لا يعرفون شيئًا عن مرسيا إلياد، ولا عن ?ان دي ليو في كتاباته عن خبرتيّْ الجميل والمقدس، إنهم باختصار لا يعرفون شيئًا عن الخبرة الدينية التي هي موضوع أساسي من موضوعات التفلسف.
ولهذا كله فقد شغلني السؤال عن حقيقة الفيلسوف وماهية المفكر الكبير الذي نريد أن نجعل منه فيلسوفًا، وقد لاحظت- فيما لاحظت- أن كلمة المفكر فضفاضة؛ لأنها تتسع بحيث يمكن إضافتها إلى كل مجالات المعرفة: كالتفكير الاجتماعي والسياسي والديني والعلمي..إلخ. ولكن كل مجال من هذه المجالات من التفكير لا يمكن أن يُوصَف بصفة الفكر إلا من خلال انتمائه للفلسفة، أعني من خلال طرحه لقضايا عامة تأسيسية يقوم عليها الفكر في المجال المخصوص، وبذلك تكون الفلسفة حاضرة في كل مجالات الفكر. أما الفلسفة بذاتها، فهي ليست نوعًا من التفكير المخصوص بمجال ما من مجالات المعرفة، وإنما هي منحى في الفهم وتوجه في الرؤية يريد أن يكشف عن أصول موضوع ما أيًا كان مجاله. هذا التوجه في الفهم هو ما أسميه التفلسف، وهو الموضوع الذي طالما شغلني، فعبرت عنه بطريقة ضمنية في كثير من كتاباتي، ولكنني عبرت عنه- مؤخرًا- بطريقة صريحة حينما دعاني بعض الزملاء لإلقاء كلمة في ختام (سيمينار) الفصل الدراسي، فاخترت أن أُلقي كلمة بعنوان «روح التفلسف» وذلك ظهر يوم 30 ديسمبر سنة 2015.
لقد أردت بهذا المقال أن أقدم ما أظنه درسًا فلسفيًا في روح التفلسف أو في روح التفكير الذي ينتمي إلى طبيعة التفلسف.

تجاهل وإلغاء
السياق الثقافي المزيف بفعل تعليم تم تجريفه وإعلام تم تسييسه وتجهيله هو السياق ذاته الذي يتناسى ويتجاهل المبدعين الحقيقيين في حياتنا، ويكفي أن أذكر هنا الدكتور فؤاد زكريا الذي أعده واحدًا من أعظم ممن أنتجوا الفكر الفلسفي كفكر نقدي في عالمنا العربي خلال النصف الثاني من القرن العشرين، فهذا الأستاذ العظيم- الذي عرفته عن قرب في أواخر حياته- لم يتم إغفاله على المستوى الإعلامي فحسب، وإنما أيضًا على المستوى الرسمي ممثلًا في الموظفين الكبار القائمين على شؤون الثقافة في مصر حينما حرموه من أرفع جائزة للدولة، ومنحوها لمن هم أدنى منه بكثير كلما طُرِح اسمه على مر السنين.

تجهيل إعلامي
في مصر يتم الترويج لأسماء تم رفعها- في غفلة من الزمن- إلى مصاف الفلاسفة والمفكرين الكبار، وهو ترويج جاهل بلغ أقصاه حتى وصف واحدًا من هؤلاء باعتباره الفيلسوف والمفكر والأديب الكبير! رغم أن مثل هذا الشخص صنع شهرته الأدبية على رواية مسروقة من كاتب إنجليزي قديم، واستمرأ السرقة الأدبية والفكرية، ولكنه أصبح يمارسها بقدر أكبر من الاحتراف بعد أن ذاع صيته بين العارفين كسارق للكتب والأفكار.

اقرأ أيضا