الاتحاد

دنيا

الأحجار الكريمة تنطق إبداعاً

بيروت - غادة تميم:
بدأ شغف الانسان بالاحجار الكريمة منذ اليوم الاول الذي ابدت فيه المرأة اعجابها بالتماعاتها، فسعى إلى مرضاتها وخطب ودها بالحصول على هذه الأحجار لتقديمها لها للزينة والتفاخر· ولعل بعض المناطق البدائية في العالم التي نلمح بين الفينة والاخرى عبر بعض الفضائيات دراسات ميدانية عنها تكشف لنا تقريباً الأساس الذي يقوم عليه اهتمام الرجل بهذه الاحجار الكريمة وهو التزين والتفاخر بها لدى محبوبته من النساء، وإن كان بعض الرجال في بعض المجتمعات أيضاً يختارون لبس مثل هذه الاحجار أيضاً ضمن قلائد أو خواتم يتزينون بها كما في خواتم الفيروز والعقيق وما يشابهها·
ونتيجة لهذا الشغف كان من الطبيعي ان يبحث الانسان عن هذه الاحجار الكريمة أينما وجدت ، وان يشكل سعيه للحصول عليها حالة تنافس تدخلها إلى ميدان التجارة وتجعل الحصول عليها مصدراً للدخل المرتفع ولهذا قامت حروب في بعض دول العالم من أجل الحصول على احتكاراتها والتفرد بالسيطرة عليها، مع اننا لو انطلقنا من موقع هذه الاحجار الكريمة كمعادن ونظرنا إلى فائدتها في خدمة الانسان عملياً لما وجدنا لبعضها أي قيمة فعلية سوى القيمة التي يعطيها اياها اهتمام الانسان بها، ولعلنا من هذا المنطلق نفهم تأكيد الاسلام على العمل كقيمة لا على المال الذي ينتج المال، لأن القيمة في الأساس هي للإنسان وقوة عمله، لا في اصطناع قيمة زائفة·
العرب والأحجار
في مطلق الأحوال عرف العرب الكثير من الاحجار الكريمة وسعوا إليها عبر تاريخهم، ودرسوها، وحللوها كيمائياً، وكتبوا عنها أنواعاً، وتاريخاً، وصفات، ومزايا، وخصائص إلى الحد الذي وصلوا فيه في بعض الأحيان إلى دراسة نفسية المرأة من خلال اهتمامها ببعض الاحجار الكريمة دون غيرها، ودراسة تأثيرات كل نوع من أنواع الاحجار الكريمة على نفسية المرأة في كل مرحلة من مراحل عمرها·
وفي هذا السياق قيل على سبيل المثال ان المرأة التي تتزين بالعقيق هي انسانة محبة ، مخلصة ، تتفانى في حبها ، لكنها لا تستطيع الاحتفاظ بهذا الحب ، لأن من خصائص العقيق انه لا يؤدي إلى النهايات السعيدة ، وان الياقوت يرمز إلى الصداقة ويجلب الصحة والسعادة والطمأنينة، وان الفيروز يمنع الحسد ولذا رأينا ملايين الأمهات يسعين إلى وضع حجر من الفيروز في ثياب اطفالهن وخاصة الطفل المولود حديثاً دون ان ندري سر هذا الرابط ما بين اللون الازرق للفيروز ومنع الحسد الذي يحيله احدهم إلى ان الازرق هو لون السماء في نظر الناس وان وضع الفيروز على ثياب الطفل يعني ان السماء تحميه انطلاقاً من مفهوم مجازي لدور السماء لا علاقة له بالدين الإسلامي، إلا انه يبقى رأي لباحث·
معايير الكرامة
يصنف الباحث الأستاذ عصام مفلح الاحجار الكريمة على انها المعادن التي تتصف بصفات اساسية محددة لكل معدن منها ومن هذه الصفات:
الجمال اللافت للنظر المعتمد أساساً على الالوان والصفات الضوئية للمعدن كالشكل البلّوري، ومعامل الانكسار العالي للضوء في المعدن ، ودرجة لمعان سطحه وتلألئه·
الصلابة والمقاومة الكيميائية التي تعتمد على درجة مقاومة المعدن للخدش بالمواد الأخرى، وعلى الترتيب الذري المتين للعناصر الكيميائية التي يتكون منها المعدن، كما في الألماس المتكون من عنصر الكربون النقي المتبلور فقط أو الزمرد الذي يتكون من تركيبة نادرة لا تجدها إلا في ثلاثة أو أربعة أماكن في العالم مما يجعله من أنفس المعادن الكريمة·
الندرة التي تجعل من الحجر أساساً للتفاخر به، وهذا لا يتحقق إذا كان شائع الوجود ويمكن للجميع الحصول عليه، فلو كان اللؤلؤ مثلاً متوافراً كالحصى عند الشواطئ لما اهتمت أي امرأة في العالم به رغم جماله الأخّاذ·
النقاء أو الشفافية التي تساعد على انعكاسات الضوء أو تشتته في المعدن، حيث نلحظ مثلاً ان معدن الكوارتز العادي إذا كثرت به الشقوق الرقيقة التي تشتت زواياها الضوء المنعكس من سطحه على هيئة مهرجان من الألوان الجذابة ارتفعت قيمته من معدن عادي شائع إلى مرتبة الحجر الكريم المسمى أوبال·
الخلو من الشقوق أو احتواء السوائل والمواد الصلبة·
وهذه الصفات الخمس برأي الباحث مفلح انها هي التي تحدد كون المعدن حجراً كريماً أو لا، وهو في هذا السياق يرى ان الألماس ملك الجواهر كلها بلا منازع كونه يَخدش الاحجار الأخرى ولا يُخدش، فهو أشد مادة على وجه الأرض صلابة وأكثر المعادن قدرة على عكس الضوء وانكساره، ولا يفوقه في القدرة إلا الياقوت في حالة واحدة عندما تكون به مسحة من اللون الأشبه بدم الحمام ويسمى عندها ياقوت دم الحمام، ولأن الألماس يوجد في حالته الطبيعية على هيئة بللورات ثمانية الأوجه أو ذات اثني عشر وجهاً·
اللؤلؤ وأفروديت
أما الباحثة رجاء ابراهيم فترى ان أكثر الجواهر روعة هو اللؤلؤ الذي ظل ينتزع الإعجاب والتقدير منذ ان اخرجت الأساطير القديمة افروديت من باطن صدفتي محار، وتربط الباحثة بين شهرة اللؤلؤ ودور الملكة اليزابيت الأولى المعروفة بعشقها للمجوهرات والتي جعلت من اللؤلؤ واقتنائه تقليداً لدى الأسرة المالكة ، إلى حد ان الملكة فيكتوريا المعروفة بحرصها على عدم انفاق المال لم تكن تبخل به على شراء اللؤلؤ، حيث فتحت بيت مال الدولة عندما ادخل صندوق المجوهرات المتخم باللآلئ والذي تعود ملكيته للإمبراطورة إيجن زوجة نابليون الثالث، إلى المزاد العلني·
كما جاءت الملكة الكساندرا لتعمق هذا العشق اللآلئ من خلال اجازة زوجها ادوارد لأبناء البلاط الملكي دون غيرهم التزين باللآلئ خلال حفلات التتويج، وقد ظل هذا التقليد سارياً إلى اليوم، وظهر البذخ فيه خلال حفلة زواج الأمير تشارلز بالأميرة الراحلة ديانا·
على اننا قد نخالف الباحثة في هذا المجال بالتأكيد على ان هذه الممارسات قد لا ترتبط بالقيمة الفعلية للؤلؤ، وانما بسيطرة العائلة المالكة البريطانية على مواضع استخراجه وعلى تجارته لفترة طويلة من الزمن؛ فحين تمنحه الملكة -اياً كانت وبالتتابع كما رأينا- مثل هذا الاهتمام فإنها ترفع من قدر وثمن معدن عادي متميز بشكله أو لونه أو صلابته أو ندرته بحيث تزداد الفوائد المادية المتأتية منه، فهي عملياً عملية اصطناع قيمة أعلى من خلال تحديد حجم الاهتمام به·
الحجر التركي
وتشير الباحثة زينب الصعبي في دراسة لها حول الفيروز إلى ان اوروبا لم تعرف هذا النوع من الاحجار الكريمة إلا عبر تركيا، ولذا فهي تسميه التركواز )esiouqruT( أي الحجر التركي، اما كلمة 'الفيروز' فهي اسم فارسي لهذا الحجر الأزرق الذي سماه المغول كرس ,)siriK( واطلق عليه الهنود اسم يو )اِّم( وكذلك اهل التيبت· وكان أول من درس خصائصه العرب· والفيروز على أنواع ، وقد تم انتاج بعضه صناعياً، ولكن الفيروز الطبيعي يصدر وميضاً اخضر مصفراً ومعتماً إذا تعرض لحزمة من الأشعة البنفسجية الطويلة الموجة اما الأنواع الصناعية فلا تعطي هذا الوهج·
فنانو لبنان
هذا الاهتمام بالاحجار الكريمة عربياً وعالمياً أدى إلى نشوء فنانين محترفين في تزيينه وتقديمه بأرقى وأجمل الاشكال والتصاميم، بحيث باتت صناعة الحلي العربية مزدهرة من المحيط إلى الخليج· وقد ذكر الباحث عز الدين وهدان من فناني هذه الصناعة الفنانة اللبنانية يارا معوض بالإضافة إلى تمايز السوق المصرية في هذا المجال·
على اننا نستطيع ان نؤكد من خلال الدراسة الميدانية على ان صناعة الحلي والجواهر في لبنان تكاد تكون الأكثر تميزاً عنها في أي موقع من المواقع العربية، وبعيداً عن الدعاية الاسمية للاشخاص يمكن القول ان المعارض التي تقام سنوياً في بيروت للحلي والجواهر (بمعدل ما لا يقل عن ثلاثة معارض في العام) تدل على ان هذه الحرفة التراثية تتطور باستمرار، ويدخل في إطارها الرجال والنساء في محترفاتهم الخاصة المتزايدة والتي تشهد رواجاً لمنتجاتها في الاسواق العالمية· ويمكن القول في هذا المجال ان صناعة الحلي والجواهر كانت نوعاً من الحرفة 'المغلقة' في لبنان، بمعنى المستأثر بها من قبل مجموعة انتاجية محددة ضمن جمعية لا تجيز الدخول إليها إلا للمميزين إلا انها لم تعد كذلك منذ ان ابتدأت المدارس المهنية بتدريس فن الصياغة وثقب المجوهرات وتصميمها، حيث بات بإمكان صاحب أي رأسمال متواضع ان يطلق ورشة لصناعة الحلي والجواهر للبيع المحلي والحصول على ترخيص يؤهله للانفتاح على العالم تجارياً إذا استطاع إثبات كفاءته وتوفير التسويق لإنتاجه والإعلان الداعم له إعلامياً·
والكلمة الأخيرة هنا، ان قيمة الاحجار الكريمة ترتبط بمقدار اهتمامنا بها، فهذا الاهتمام يؤدي إلى ارتفاع اسعارها إذا ادى إلى الاقبال عليها، وإلى انخفاض تلك الاسعار بمقدار تراجعنا عن شرائها، فالسعر مرتبط بسوق العرض والطلب، وليس بالسعر العالمي كما هي الحال مع الذهب والفضة·

اقرأ أيضا